• تبرع غير المسلم لبناء مسجد

    السائل وعددًا من المسلمين يقيمون في منطقة من مناطق نيوجرسي الأمريكية وهم يريدون إقامة مسجد يؤدون فيه شعائر دينهم.

    فهل يجوز لهم شرعًا أن يطلبوا من الكونجرس الأمريكي أن يعطي لهم مالًا يقيمون به هذا المسجد؟ وهل إذا وافق الكونجرس على إعطائهم المال اللازم لإقامة المسجد يجوز لهم إقامته بهذا المال وأداء الصلاة فيه؟

    إن البر والإحسان إلى الناس في الإسلام والتعاون بينهم في الطاعات وإقامة المصالح العامة كل ذلك جائز بين أهل الأديان المختلفة؛ لأنها جميعًا قد أمرت بالتراحم والتواصل والتعاون على البر، وقد ضرب الإسلام المثل الأعلى للبر بغير المسلمين، فقد روى ابن أبي شيبة: عن جابر بن زيد أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل المسكنة من المسلمين، وأهل ذمتهم، وقال: «وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسِّمُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْخُمُسِ»[1]، ولقد أباح الله سبحانه في القرآن الكريم تناول طعام أهل الكتاب وتزوج نسائهم في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: 5]، توجهنا هذه الآية الكريمة إلى حل التعامل مع أهل الكتاب -اليهود والنصارى- وتبادل المنافع معهم وإباحة طعامهم ضيافة وشراء والتزوج من نسائهم، هذا وليست مساهمة غير المسلمين في إقامة المساجد بالمال بأعلى شأنًا من هذه المباحات في التعامل بنص القرآن الكريم مع غير المسلمين، ثم إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو من خلفاء المسلمين العلماء العاملين كتب إلى عامله على البصرة كتابًا ومما جاء فيه: «وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وخلت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه»[2]، ومعناه اجعل لمن هذا حاله راتبًا دوريًا ولا تدعه حتى يطلب بنفسه، ولهذا الأساس قال فقهاء مذاهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل -رحمهم الله- بجواز الهبة والوصية من غير المسلم للمسلم باعتبارها من عقود التبرعات والصلات التي تجوز بين أهل الأديان ما دامت لغير معصية، ولقد نص الفقه الشافعي صراحة على جواز[3] وصية غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، ولما كانت الوصية من عقود التبرعات وكانت جائزة من غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين كان التبرع من غير المسلم فورًا ببناء المسجد والمساهمة في بنائه جائزًا؛ لما كان ذلك كان جائزًا شرعًا للمسلمين المتواجدين في ولاية نيوجرسي الأمريكية أو في أية جهة من العالم أن يتلقوا أي تبرعات لبناء المسجد سواء من الحكومة أو من الأفراد دون نظر إلى ديانتهم؛ لأن المساجد لله خالق الناس جميعًا.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ 1- يجوز للمسلمين المتواجدين في أية جهة من العالم أن يتلقوا أي تبرعات لبناء المسجد، سواء من الحكومة أو من الأفراد دون نظر إلى ديانتهم.

    بتاريخ: 12/10/1980

    1) مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 4.‏

    2) ‏ كتاب الأموال لأبي عبيد ص46.‏

    3) حواشي تحفة المحتاج شرح المنهاج ج 7 ص 5، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب ج 3 ص 268، وحاشية ‏البجيرمي أيضًا على شرح الخطيب ج 3 ص 293.‏

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 52 س: 115 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة