• سلوك المؤمن داخل الحرم وحصانته

    كيف تحدث القرآن عن المساجد بصفة عامة وعن المسجد الحرام بصفة خاصة؟ وما هي الحصانات والضمانات التي منحتها شريعة الإسلام لمن هو في داخل الحرم؟ وما السلوك القويم الذي يجب أن يتحلى به المسلم في تلك الأماكن الطاهرة؟

    1- إن المتدبر في آيات القرآن الكريم يراها قد اهتمت بالحديث عن المساجد بصفة عامة وعن المسجد الحرام بصفة خاصة، ومن مظاهر هذا الاهتمام أن القرآن الكريم قد نوه بعلو شأنها كما في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ[٣٦] رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ[٣٧] لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[٣٨]﴾ [النور: 36 - 38].

    كذلك من مظاهر هذا الاهتمام أن الله تعالى قد بين أن هذه المساجد التي تقام فيها العبادات يجب أن تنسب إليه وحده وأن تنزه عن أن يوجد فيها ما يتنافى مع دينه وشريعته، فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[١٨]﴾ [الجن: 18].

    وفي موضع ثالث نجد القرآن الكريم قد مدح الذين يحرصون على تعمير المساجد عن طريق بنائها وتنظيفها والتردد عليها لعبادة الله تعالى فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[١٨]﴾ [التوبة: 18]، فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قصرت تعمير بيوت الله تعالى على المؤمنين الصادقين وأن هذه المناقب التي وصفهم الله تعالى بها كفيلة أن توصلهم إلى رضوانه وجنته بفضله سبحانه ومشيئته.

    وفي موطن رابع نرى القرآن الكريم يأمر كل مسلم عند توجهه لمساجد الله تعالى للصلاة أن يتخذ زينته من اللباس المادي ومن اللباس المعنوي وهو التقوى قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].

    وفي موضع خامس نجد القرآن الكريم ينهى المؤمنين عن مباشرة النساء في حالة اعتكافهم فيقول سبحانه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]؛ وذلك لأن الاعتكاف لون من العبادة والمساجد هي خير مكان للعبادة وهو لا يكون إلا فيها فيجب أن تكون منزهة عن شهوات النفس وعن مقاربة النساء فيها.

    وفي موطن سادس نرى القرآن الكريم يتوعد الذين يسعون في خراب مساجد الله بأشد ألوان الوعيد في الدنيا والآخرة فيقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[١١٤]﴾ [البقرة: 114].

    قال الإمام القرطبي: «وخراب المساجد قد يكون حقيقيًا كتخريب بختنصر والرومان لبيت المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه، ويكون مجازًا لمنع المشركين للمسلمين حيث صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن المسجد الحرام»، وعلى الجملة: فتعطيل المساجد عن الصلاة وعن إظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها، والمعنى: لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله تعالى وعمل على خرابها بطريق هدمها أو بطريق تعطيلها عن إقامة العبادة فيها.

    2- هذا جانب من حديث القرآن عن مساجد الله بصفة عامة، أما حديث القرآن عن المسجد الحرام بصفة خاصة فقد تكرر فيما يقرب من ثلاثين مرة منها خمس عشرة مرة بهذا اللفظ ومنها ثلاث عشرة مرة بلفظ البيت أو البيت الحرام أو بيتي بالإضافة إلى الله -عز وجل- أو بغير ذلك من الألفاظ التي فيها ما فيها من الشرف والإجلال لهذا المكان المطهر، والمتدبر في هذه الآيات الكثيرة التي وردت في القرآن عن المسجد الحرام يرى منها ما يتعلق بالأمر بالتوجه إليه عند الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] تفسير القرطبي جـ [2] صـ [77]، ومنها ما يتعلق بوجوب تطهيره وصيانته من كل رجس كما في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[١٢٥]﴾ [البقرة: 125]، ومنها ما يتعلق بحكم القتال عنده كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ[١٩١]﴾ [البقرة: 191]، ومنها ما يتعلق ببعض أحكام الحج الملابسة له كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[٢٩]﴾ [الحج: 29]، ومنها ما يتعلق بسمو مكانته وعلو قدره وكثرة منافعه كما في قوله عز وجل: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97]، أي به قوامهم في إصلاح أمورهم دينا ودنيا.

    3- إذا كانت تلك هي منزلة المساجد بصفة عامة ومنزلة المسجد الحرام بصفة خاصة فما هو السلوك الذي يجب على المسلم أن يسلكه في داخل تلك الأماكن الشريفة؟ وما هي الحصانات التي منحها الإسلام لأتباعه عندما يكونون في حماية هذه الأماكن الشريفة وعلى رأسها المسجد الحرام؟ إن المتدبر لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- يرى كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأمر المسلم بأن يلتزم في كل أحواله السلوك القويم والمنهج السليم والأدب الرفيع ولا سيما إذا كان داخل الحرم الشريف، ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، أي: أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب كل قول أو فعل يكون خارجًا عن آداب الإسلام ومؤديًا إلى التنازع بين الرفقاء والإخوان فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن وهذا يقتضي منهم أن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وعبر سبحانه عن أشهر الحج بأنها معلومات؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا يعرفونها وهي شهر شوال وذو القعدة والأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة، وقد جاءت شريعة الإسلام مقررة لما عرفوه، ثم حضهم سبحانه على فعل الخير بعد نهيهم عن اجتراح الشر فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[١٩٧]﴾ [البقرة: 197] أي: اتركوا أيها المسلمون كل قول أو فعل لا يرضي الله تعالى وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصًا في تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة واعلموا أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من تصرفاتكم وتزودوا بالزاد المعنوي المتمثل في تقوى الله وخشيته وبالزاد المادي الذي يغنيكم عن سؤال الناس، وأخلصوا لي قلوبكم ونواياكم يا أصحاب العقول السليمة والمدارك الواعية، ثم بين سبحانه أن التزود بالزاد الروحي لا يتنافى مع التزود بالزاد المادي متى توافرت التقوى فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] أي: لا حرج ولا إثم عليكم في أن تطلبوا رزقا حلالًا ومالًا طيبًا عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة في موسم الحج، وما دام ذلك لا يحول بينكم وبين المناسك، وقد نزلت هذه الآية حين تحرج أقوام عن مباشرة البيع والشراء في أيام الحج فأباح لهم ذلك ما داموا في حاجة إلى هذه المبادلات التجارية حتى يصونوا أنفسهم عن ذل السؤال، ثم أرشدهم سبحانه إلى ما يجب عليهم عند الاندفاع من عرفات إلى غيرها فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] أي: فإذا ما انتهيتم من الوقوف بعرفات واندفعتم منها بسرعة وتزاحمتم إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله تعالى ومن طاعته عن طريق التلبية والتهليل والتسبيح والتكبير والدعاء، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] أي: واذكروا الله تعالى ذكرًا دائمًا حسنًا مماثلًا لهدايته لكم فإنكم لولا هذه الهداية منه سبحانه لكم لكنتم من الباقين على جهلهم وضلالهم، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٩٩]﴾ [البقرة: 199] أي: واعلموا أيها المسلمون أن من الواجب عليكم أن تجعلوا إفاضتكم من عرفات لا من المزدلفة فهذا هو المكان الذي اختاره الله تعالى لعباده للإفاضة، واستغفروا الله سبحانه من كل ذنب فإنه عز وجل هو الكثير الغفران والواسع الرحمة، ثم بين سبحانه السلوك السوي الذي يجب عليهم أن يسلكوه بعد فراغهم من أعمال الحج، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200] أي: فإذا ما انتهيتم من عبادتكم وأديتم أعمال حجكم فأكثروا من ذكر الله وطاعته كما كنتم تكثرون من مفاخر آبائكم بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لخالقكم سبحانه أشد وأعظم من ذكر مفاخر الآباء بعد انتهائهم من أفعال الحج، فالمقصود منها التحريض على الإكثار من ذكر الله تعالى والزجر عن التفاخر بالأحساب والأنساب، ثم بين سبحانه أن الناس بالنسبة لدعائه وذكره ينقسمون إلى قسمين: أما القسم الأول: فقد عبر عنه سبحانه بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 200] أي: فمن الناس من يقول في دعائه في تلك المواطن المقدسة: يا ربنا آتنا ما نرغبه في الدنيا فنحن لا نطلب غيرها وهذا النوع من الناس ليس له في الآخرة أي نصيب أو حظ من الخير، وأما القسم الثاني فقد عبر عنه سبحانه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[٢٠١]﴾ [البقرة: 201] أي: ومن الناس نوع آخر قد بلغ الغاية في قوة اليقين وسلامة العقل فهو يقول في دعائه: يا ربنا امنحنا حالًا حسنة في الدنيا تكون معها أبداننا سليمة ونفوسنا آمنة ومعيشتنا ميسرة بحيث لا نحتاج إلى أحد سواك، وامنحنا أيضًا حالًا حسنة في الآخرة بأن تجعلنا يوم لقائك ممن رضيت عنهم وأبعدنا في هذا اليوم عن عذاب النار، ولم يذكر سبحانه قسما ثالثا من الناس وهم الذين يطلبون الآخرة فحسب؛ لأن شريعة الإسلام تحب لأتباعها أن يكون منهجهم في هذه الحياة قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة من جوامع الدعاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الدعاء بها فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم يا رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، ثم بين سبحانه حسن ثواب هذا القسم الثاني فقال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[٢٠٢]﴾ [البقرة: 202] أي: أولئك الذين جمعوا في دعائهم بين طلب حسنيي الدنيا والآخرة لهم نصيب جزيل وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة، والله تعالى سريع الحساب والعطاء؛ لأنه عليم بأحوال عباده لا يخفى عليه شيء من حركاتهم، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أنها قد بشرت المؤمنين بأنهم متى تضرعوا إلى الله تعالى بقلب سليم وبدعاء حكيم أجاب سبحانه سؤالهم وغفر لهم ما فرط منهم، كما أن المتأمل في هذه الآيات بصفة عامة يجد أنها قد أرشدت المسلمين إلى ما يجب عليهم من سلوك حميد ومن خلق كريم عندما يكونون في حرم الله تعالى الذي هو أشرف مكان وأقدسه وأطهره.

    4- وفي سورة الحج نجد حديثًا مستفيضًا في آيات متعددة عن مكانة المسجد الحرام وعن الأمر ببنائه وعن وجوب الحج إليه وعن المنافع التي تعود على الحجاج من وراء أداء هذه الفريضة وعن سوء مصير كل من يحاول الانحراف فيه عن الطريق القويم وعن السلوك الحميد حتى ولو كان هذا الانحراف عن طريق النية السيئة فحسب وتبدأ هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ[٢٥]...﴾ [الحج: 25 - 37]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن دخول المسجد الحرام ومنعوه من الحج والعمرة فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم وكان محرمًا بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود للعمرة في العام القادم، والمعنى: إن الذين أصروا على كفرهم بما أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر الله تعالى ومن الطواف بالمسجد الحرام إن هؤلاء الذين يفعلون ذلك سوف ينزل بهم الخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، قال الإمام القرطبي: وقوله سبحانه: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: 25] المقصود به المسجد نفسه وهو الظاهر؛ لأنه لم يذكر غيره وقيل المراد به: (الحرام) كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية فنزل خارجًا عنه، وهذا صحيح لكنه سبحانه قصد هنا الذكر الأهم وهو المسجد الحرام. تفسير القرطبي جـ [11] صـ [23].

    وقوله سبحانه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] تشريف لهذا المكان حيث جعل سبحانه الناس تحت سقفه سواء وتشنيع على الكافرين الذين صدوا الناس عنه أي: جعلنا هذا المسجد الحرام للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به ويحترمونه ويستوي تحت سقفه من كان مقيمًا في جواره وملازما للتردد عليه ومن كان زائرًا له وطارئًا عليه من أهل البوادي أو من أهل البلاد الأخرى سوى مكة، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] تهديد شديد لكل من يحاول ارتكاب شيء نهى الله عنه في هذا المسجد الحرام، والإلحاد: الميل، يقال: ألحد فلان في دين الله أي: مال وحاد عنه، أي: ومن يرد في هذا المسجد الحرام إلحادًا أي: ميلًا وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب ظلمه وخروجه عن طاعتنا نذقه من عذاب أليم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه، وقد جاء هذا التهديد في أقصى درجاته؛ لأن القرآن الكريم قد توعد بالعذاب الأليم كل من ينوي ويريد الميل فيه عن دين الله، وإذا كان الأمر كذلك فمن ينوي ويفعل يكون عقابه أشد ومصيره أقبح ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل كالنطق بالأقوال الباطلة كترويج المذاهب الفاسدة والأفكار التي يقصد بها الدعاية لشخص معين أو لحزب معين؛ لأننا لو أبحنا ذلك في المسجد الحرام أو في الأماكن المقدسة لأصبحت هذه الأماكن ساحة للدعايات الشخصية أو الطائفية أو المذهبية، وهذه الأماكن أشرف وأسمى وأجل من أن تكون ساحة لأمثال هذه الشعارات التي لم يقصد بها وجه الله تعالى وإنما قصد بها المنافع الشخصية أو المذهبية والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[١٨]﴾ [الجن: 18] ولقد رجح الإمام ابن جرير أن المراد بالظلم هنا معناه العام فقال بعد أن ذكر جملة من الأقوال: «وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه من أن المراد بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله تعالى؛ وذلك لأن الله عمَّمَ بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: 25] ولم يخصص ظلما دون ظلم في خبر ولا عقل فهو على عمومه، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصي الله تعالى فيه نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له»[1].

    5- فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى الحصانات والضمانات التي منحها الإسلام لمن هو في داخل الحرم وجدناها كثيرة ومتنوعة، ومن ذلك أن القرآن الكريم قد قرر في كثير من آياته أن من دخل تلك الأماكن المقدسة وعلى رأسها المسجد الحرام كان آمنا على نفسه وعلى ماله وعلى عرضه، والآيات التي وردت في هذا المعنى كثيرة متعددة منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] أي: مرجعًا للناس يرجعون إليه من كل جانب: من ثاب القوم إلى المكان إذا رجعوا إليه ولاذوا به عند خوفهم ويصح أن يكون معناه موضع ثواب لهم بسبب حجهم واعتمارهم فيه، والأمن: السلامة من الخوف، وأمن المكان يتمثل في اطمئنان أهله وعدم خوفهم من أن ينالهم مكروه فالبيت مأمن أي: موضع آمن.

    وأخبر سبحانه وتعالى بأنه جعله أمنا؛ ليدل على كثرة ما يقع فيه من الأمن حتى صار كأنه الأمن نفسه، وكذلك صار البيت الحرام محفوظا بالأمن من كل ناحية فقد كان الناس في الجاهلية يقتتلون ويعتدي بعضهم على بعض من حوله، أما أهله فكانوا في أمان واطمئنان، وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في أكثر من آية ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67]، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه في الحرم فلا يتعرض له»، وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقًّا ولا يعطل حدًّا وزادت في تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل مستطيع لها، وفي سورة آل عمران آيتان كريمتان دلتا دلالة واضحة على أفضلية المسجد الحرام على غيره من المساجد وعلى الأمان التام لمن احتمى به، وهاتان الآيتان هما قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ[٩٦] فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[٩٧]﴾ [آل عمران: 96 - 97]، والمراد بالأولية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أنه أول بيت وضعه الله تعالى لعبادته في الأرض و ﴿بَكَّةَ﴾ لغة في مكة عند الأكثرين، والمعنى: إن أول بيت وضعه الله سبحانه وتعالى للناس في الأرض ليكون مُتعبدًّا لهم وهو البيت الحرام الذي بمكة حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم من حوله، وقد أتوا إليه ماشين على أقدامهم أو راكبين على رواحلهم من كل فج عميق؛ ليشهدوا منافع لهم، ثم مدح الله سبحانه وتعالى بيته بكونه مباركًا، أي: كثير الخير دائمه، من البركة وهي النماء والزيادة والدوام، أي إن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه أو طاف حوله بسبب مضاعفة الأجر وإجابة الدعاء وتكفير الذنوب لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة الله رب العالمين، وإن هذا البيت في الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية، فمن بركاته المادية قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومن مغاربها ومعهم خيرات الأرض يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى، ومن بركاته المعنوية أنه أكبر مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهي فريضة الحج وإليه يتجه المسلمون في صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم فيجدون في رحابه الأمان والاطمئنان، ثم مدحه ثانيًا بأنه ﴿هُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو بذاته مصدر هداية للعالمين؛ لأنه قبلتهم ومتعبدهم وفي استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته، ثم مدحه ثالثًا بقوله:﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: فيه علامات ظاهرات ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته وعلو مكانته، ثم بين سبحانه بعض هذه الآيات الدالة على عظمته وشرفه فقال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، فالعلامة الأولى الدالة على عظم وشرف المسجد الحرام: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: المقام المعروف بهذا الاسم وهو الموضع الذي كان يقوم فيه إبراهيم تجاه الكعبة؛ لعبادة الله تعالى، ولإتمام بناء الكعبة، والعلامة الثانية التي تدل على فضل هذا البيت وشرفه بينها سبحانه في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي: ومن التجأ إليه أمِنَ مِن التعرض له بالأذى أو القتل، ولا شك أن في أمْنِ مَنْ دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله، ولقد وضع الإسلام لهذه الميزة للبيت الحرام -وهي أمان من دخله- وضع لها من الضوابط والأحكام ما يجعل استعمالها في الوجوه التي شرعها الله -عز وجل- فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى في الحرم جناية فهو مأخوذ بها سواء أكانت في النفس أم فيما دونها، واختلفوا فيمن جنى جناية في غير الحرم ثم لاذ إليه، فقال بعضهم: إذا قتل القاتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام في الحرم ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه فيقتص منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه، وقال آخرون: يقتص منه في الحرم لذلك كله كما يقتص منه في الحل، وقد ميز الله تعالى البيت الحرام بهذه الميزة وهي أنه موضع أمان للناس واطمئنانهم؛ لأن نعمة الأمان على رأس النعم التي منحها الله -سبحانه وتعالى- لعباده إنها النعمة التي يهنا بها المؤمنون في الجنة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ[٥٥]﴾ [الدخان: 55]، وإنها النعمة التي يبشر بها الملائكة المتقين كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ[٤٦]﴾ [الحجر: 46]، وإنها النعمة التي يتحلى بها الصادقون يوم الفزع الأكبر كما قال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ[٨٩]﴾ [النمل: 89]، وإذا كان ترويع الآمنين محرمًا في كل مكان فهو في بيت الله سبحانه وتعالى وفي حرمه أكثر تحريمًا وأشد عقابًا وأسوأ مصيرًا، ويجب على كل مسلم أن يحرص على شيوع الأمان والاطمئنان في تلك الأماكن المقدسة، وأن يحول بين من يفعل خلاف ذلك بكل ما يمكنه من وسائل، وفي الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهَ أي أخَذَ فيه بالرخصة فَقُولُوا له: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِنَبِيِّهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، وبعد فهذا جانب من حديث القرآن والسنة عن مكانة المسجد الحرام وعن السلوك القويم الذي يجب على المسلم أن يتحلى به وهو في تلك الرحاب المقدسة وعن الحصانات والضمانات التي منحتها شريعة الإسلام لمن يلوذون بحرم الله تعالى، ونسأله عز وجل أن يجعلنا جميعًا ممن يقولون فيعملون ويعملون فيخلصون.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    المبادئ 1- يجب أن تنسب المساجد إلى الله وحده وأن تُنزَّه عن أن يوجد فيها ما يتنافى مع دينه وشريعته، وأن يحرص كل مؤمن صادق على عمارتها ويتخذ عند توجهه للصلاة فيها زينته.

    2- لا تجوز مباشرة النساء في حالة الاعتكاف.

    3- تعطيل المساجد عن الصلاة وعن إظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها محرم شرعًا.

    4- يجب على المسلم تطهير المسجد الحرام وصيانته من كل رجس، وأن يلتزم في كل أحواله السلوك القويم والمنهج السليم والأدب الرفيع لا سيما إذا كان داخل الحرم الشريف.

    5- من نوى وأوجب على نفسه الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب كل قول أو فعل يكون خارجًا عن آداب الإسلام ومؤديا إلى التنازع بين الرفقاء والإخوان.

    6- لا حرج ولا إثم في طلب الرزق الحلال عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة في موسم الحج، ما دام ذلك لا يحول دون المناسك.

    7- فرض الله الحج إلى البيت الحرام على كل مستطيع له.

    8- المسجد الحرام أفضل المساجد، وكل من احتمى به والتجأ إليه أمِنَ من التعرض له بالأذى أو القتل.

    9- اتفق الفقهاء على أن من جنى في الحرم جناية فهو مأخوذ بها سواء أكانت في النفس أم فيما دونها.

    10- اختلف الفقهاء فيمن جنى جناية في غير الحرم ثم لاذ إليه، فقال بعضهم: إذا قتل القاتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام في الحرم ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه فيقتص منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه، وقال آخرون: يقتص منه في الحرم لذلك كله كما يقتص منه في الحل.

    بتاريخ: 28/11/1993

    1) تفسير ابن جرير جـ 17 صـ 10.‏

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 10 س: 133 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد سيد طنطاوي
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة