رقم الفتوى: 276 س: 105

العنوان: اقامة المتاحف وعرض التماثيل

السؤال:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اطلعنا على كتاب السيد المهندس رئيس مركز المنيا برقم 117 في 13/ 2/ 1979 وفيه: أنه قد وردت شكاوى من بعض المواطنين معترضين على إنشاء متحف للآثار على أساس أن هذا مناف لتعاليم وروح الإسلام، وأنه لهذا يستبين الرأي الإسلامي فيما يلي: 1- هل يحرم الدين الإسلامي إقامة المتاحف عموما؟ 2- إذا لم يكن هذا محرما، فما هي الأشياء التي يحرم عرضها في المتاحف؟ 3- يقال إن الإسلام حرم عرض التماثيل والصور المجسمة عموما سواء في المتاحف أو غيرها من الأماكن، فما رأي الدين في ذلك خصوصا عرض التماثيل الفرعونية؟

الإجابة:

نفيد أن القرآن الكريم نزل على رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- في أمة وثنية تصنع أصنامها وتضعها حول الكعبة المشرفة فكانوا يصورون ويعبدون، ولقد ذم الرسول -عليه الصلاة والسلام- الصور وصنعها في كثير من أحاديثه؛ لعلة التشبيه بخلق الله، ولعبادتها من دونه، ومن قبله جاهد الأنبياء -عليهم السلام- عبادة الأوثان واتخاذها آلهة تعبد من دون الله أو تقربا إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. ولقد ردد القرآن الكريم قصة إبراهيم -عليه السلام- مع الوثنيين في كثير من سوره؛ ليلفت الناس إلى إخلاص العبادة والعبودية لله رب العالمين، وساق القرآن كثيرا من المحاجة التي حوت المحاورات بالمنطق والاستدلال العملي فيما بين الأنبياء وأقوامهم في شأن عبادة غير الله في العديد من السور. الاختلاف في إباحة التصوير: ومن هنا فإن اختلاف فقهاء الإسلام في حكم التصوير المجسم -التماثيل- الكامل أو الناقص، وحكم الرسم بين التحريم والكراهة. إباحة التصوير الضوئي والرسم: والذي تدل عليه الأحاديث النبوية الشريفة -التي رواها البخاري وغيره من أصحاب السنن وترددت في كتب الفقهاء- أن التصوير الضوئي للإنسان والحيوان المعروف الآن والرسم كذلك لا بأس به متى كان لأغراض علمية مفيدة للناس إذا خلت الصور والرسوم من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم والعبادة، وخلت كذلك من دوافع تحريك غريزة الجنس وإشاعة الفحشاء والتحريض على ارتكاب المحرمات. تحريم النحت والحفر المكون لتمثال كامل لإنسان أو حيوان: أما النحت والحفر الذي يتكون منه تمثال كامل لإنسان أو حيوان فإنه محرم لما رواه البخاري ومسلم عن مسروق قال: دخلنا مع عبد الله بيتا فيه تماثيل فقال لتمثال منها: تمثال من هذا؟ قالوا: تمثال مريم. قال عبد الله: قال رسول -صلى الله عليه وسلم- : «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»، وفي رواية: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم». فهذا النص صريح في أن نفس صنع التماثيل معصية، وإنما كان ذلك سدا لذريعة عبادة التماثيل واتخاذها وسيلة للتقرب إلى الله لما كانت محاجة لبعض الأمم السابقة حسبما حكى القرآن الكريم. الآثار وسيلة لدراسة التاريخ: وإذ كان ذلك وكانت الأمم الموغلة في القدم كالمصريين القدماء والفرس والرومان وغير أولئك وهؤلاء ممن ملؤوا جنبات الأرض صناعة وعمرانا قد لجؤوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيا وسياسيا وحربيا نقوشا ورسوما ونحتا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع، وكان القرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها، إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد الذي كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميا على التاريخ القديم لمصر، ما قصة هذا الحجر وقيمته التاريخية والعلمية بخافية على أحد، القرآن الكريم حث على دراسة تاريخ الأمم السابقة وتبين الآيات في هذا الموضع، إذ كان كل ذلك، كان حتما الحفاظ على الآثار والاحتفاظ بها سجلا وتاريخا دراسيا؛ لأن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه؛ لأن كل ذلك من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[٤٦]﴾ [الحج: 46]، وقوله تعالى:﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٠]﴾ [العنكبوت: 20]، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٩]﴾ [الروم: 9]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا[٤٤]﴾ [فاطر: 44]. إقامة المتاحف ضرورة: ولما كان التحفظ على هذه الآثار هو الوسيلة الوحيدة لهذه الدراسة أصبح حفظها وتهيئتها للدارسين أمرا جائزا إن لم يكن من الواجبات باعتبار أن هذه الوسيلة للفحص والدرس ضرورة من الضرورات، وقاعدة الضرورة مقررة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]. وغير هذا من الآيات، ولعل مما نسترشد به في تقرير هذه الضرورة الدراسية ما نقله أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن عند تفسيره قول الله تعالى في: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13]. من استثناء لعب البنات المجسمة من تحريم صنع التماثيل، فقد قال في المسألة الثامنة ما نصه: وقد استثني من هذا لعب البنات لما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضًا قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل ينقمعن منه -أي يتخفين حياء منه- فيسربهن -أي يرسلهن ويبعثهن- إلي ليلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن، ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، وتخريجا على هذا كان الاحتفاظ بالآثار سواء كانت تماثيل أو رسوما أو نقوشا في متحف للدراسات التاريخية ضرورة من الضروريات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه بل إنها تخدم غرضا علميا وعقائديا إيمانيا حث عليه القرآن فكان ذلك جائزا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف. حرمة وضع التماثيل والآثار في المساجد أو حولها وحرمة الصلاة في المتاحف: هذا ويجب الالتفات إلى ضرورة البعد بهذه التماثيل وكافة الآثار عن المساجد إذ يحرم جمعها ووضعها فيها أو حولها أو قريبا منها، كما تحرم الصلاة في الأماكن التي تحتويها -المتاحف- حتى لا تشتبه الأمور وتؤول إلى عبادتها وتصير بتقادم الزمان وضعف العقائد آلهة تعبد، ويسجد لها من دون الله الذي نعوذ به من كل سوء في الدين والدنيا. وبعد فإنه مما سلف يستبين الجواب واضحا على الأسئلة المطروحة بما موجزه: أولا: لا يحرم الإسلام إقامة المتاحف بوجه عام؛ لأن ما يحفظ بها من آثار وسيلة لدراسة تاريخ الأمم السابقة. ثانيا: لا يحرم الإسلام عرض أي شيء من الآثار ما دام حفظها وعرضها بهدف الدراسة، ويحرم عرض الجثث الإنسانية للموتى لما فيه من امتهان الإنسان الذي كرمه الله سبحانه. ثالثا: وبناء على ما سلف لا يحرم الإسلام عرض التماثيل والصور المجسمة بالمتاحف للتاريخ والدراسة ويحرم عرضها على وجه التعظيم، كما يحرم صنعها لهذا الغرض. والله سبحانه وتعالى أعلم. المبادئ 1- القرآن الكريم ذم عبادة الأوثان وردد قصص الأقوام الوثنيين السابقين ومواقف الأنبياء معهم. 2- اختلاف الفقهاء في حكم التصوير المجسم -التماثيل- الكامل أو الناقص وحكم الرسم بين التحريم والكراهة. 3- التصوير الضوئي المعروف الآن للإنسان والحيوان والرسم لا بأس به متى كان ذلك لأغراض علمية مفيدة للناس وخلت الصور والرسوم من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم وإثارة الغرائز لارتكاب الفواحش والمحرمات. 4- تحريم النحت والحفر الذي يكون تمثالا كاملا لإنسان أو حيوان. 5- آثار الأمم السابقة وسيلة لدراسة تاريخهم علميا وسياسيا وحربيا وأخذ النافع من هذا التاريخ. 6- الاحتفاظ بالآثار من الضرورات العلمية. 7- الضرورة تقدر بقدرها ومن ثم يحرم وضع الآثار في المساجد أو حولها أو قريبا منها كما تحرم الصلاة في مكان تجميعها «المتحف». بتاريخ: 11/5/1980