رقم الفتوى: 219

العنوان: الدخان: هل هو نجس وضار؟

السؤال:

ما قولكم-جعلكم الله منار الإسلام وينبوع العلم ومنهل الوارد- في مسألة الدخان التي أخذ اختلاف الناس فيها كل مأخذ، ضاربًا أطنابه على أفكارهم وعقولهم، فأصبح معظمنا -والحمد لله- إن لم أقل الكل مغمورًا في غياهب الجهل بكنهها مضطرب الضمير، تلعب به أيدي الخلاف على موائد الجهالات، مختلج الصدر بالسؤال عما يكشف لثامها .. ويرفع نقابها وعن بيان أحكامها، وهل الدخان نجس، أو منع منه الإمام؟ وهل يضر؟ وهل يكون حجابًا بين العبد وربه من الأنوار؟ وإني لأرى هذه المسألة أهم مسألة توجه إليها أنظار النظار بالبحث في خبايا أسرارها، ليستخرجوا معادنها الجوهرية، ولا أرى مقدامًا على خوض بحارها، وسلوك سباسبها إلا منار الإسلام، فوليت وجهي شطره بلسان حال الأمة مريدًا بيان حقيقتها بما يسر الضمير، ويرتاح إليه الخاطر، مشدودًا نطاقه بساطع براهين مناركم، كما عهدنا من قبل، ولا زلنا نعهد نشر لواء المنار على عويص المسائل، فأدحض سحاب الجهل بقوى الحجة، وبياض المحجة، فلعله يتفضل عليَّ بل على الشعب بأسره، بنقطة من بحار علومه الفياضة، أو بشعاع من شمس معارفه، فنهتدي بها سواء السبيل، والسلام.

الإجابة:

قد نشرنا هذا السؤال بنصه لما فيه من الفكاهة، وبيان استعداد الناس للإحفاء والاستقصاء في كل شيء، وأن ما يراه بعضهم من الأمور التي لا يؤبه لها، يراه آخرون ذا بال بل من أهم المهمات. أما كون الدخان نجسًا أو غير نجس فالجواب عنه: أن هذا النبات الذي يسمى دخانًا لأنه يستعمل إحراقًا ليتمتع بدخانه هو كسائر النبات طاهر، ولا يوجد في الدنيا نبات نجس، وأما كونه ضارًّا أم لا، فهذا مما يرجع فيه إلى الأطباء لا إلى الفقهاء. والمعروف في الفقه أن كل ضار محرم على من يضره، وما كان من شأنه أن يضر قطعًا إلا في أحوال نادرة، يمكن إطلاق القول بحرمته، أو ظنًّا يحكم بكراهته. والمشهور عن الأطباء أن في هذا النبات المعروف بالدخان وبالتبغ والنتن وبالتنباك مادة سامة تسمى (نيكوتين) فهو لذلك يضر المصدرين قطعًا، وأن صحيح الجسم إذا تعوده بالتدريج، فإنه لا يضره ضررًا بيِّنًا، ولا شك أن تركه خير للصحة من استعماله، فينبغي لمن لم يُبْتَلَ به أن لا يقلد الناس فيه، فإنه إذا لم يخلُ من ضرر ما، يكون مكروهًا شرعًا، وعلى من ابتلي به أن يراجع الطبيب الحاذق، فإذا جزم بضره وجب عليه تركه، وإذا قال يحتمل أن يضره استحب له تركه، وإذا قال: إنه لا يضره مطلقًا أبيح له استعماله، وإذا اتفق أن كان نافعًا له لمقاومة مرض ما، كما ينفع كثير من السموم في مقاومة بعض الأمراض صار مطالبًا باستعماله شرعًا، وقد يكون حينئذ واجبًا، إذا جزم الطبيب بتوقف منع الضرر على استعماله، وإلا كان مخيرًا بينه وبين ما يقوم مقامه. فعلم من ذلك كله أنه قد تعتريه الأحكام الخمسة كما يقولون[1].

[1] المنار ج10 (1907) ص118-119.