رقم الفتوى: 607

العنوان: حكم استعمال الاسبرتو او الكحول

السؤال:

أفتى بعض فقهاء الهند بتحريم استعمال الكحول في الأصباغ، والأدهان، والعطور، ولا سيما تزيين المساجد بالأصباغ التي يدخل فيها، وعللوا ذلك بكَوْنه خمرًا نجسة، وقد أرسل إلينا بعض فضلاء المسلمين هنالك نص الفتوى في ذلك، وسألونا هل هي صواب أو خطأ، وأن نبين ذلك بما عندنا من الدلائل في أقرب وقتٍ؛ لأن الناس مضطربون فيه، وقد اكتفينا بتلخيص سؤالهم، ونذكر بعده ما أُرسل من ترجمة الفتوى بالعربية على ضعفها وغلطها، ونقّفي عليها بالجواب، ومن الله تعالى نستمد الصواب، ونسأله أن يؤتينا الحكمة وفصل الخطاب.

نص الفتوى الهندية:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله سبحانه وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

أما بعد: فهذه صورة ما أجبنا به عن الأسئلة الواردة علينا من أمر المسجد والشراب - بتوفيقه تعالى، وهو يهدي للحق والصواب.

السؤال- هل يجوز استعمال الاسبريت (الاسبيرتو يعني روح الخمر) على أبواب المسجد والحيطان، مخلوطًا ببعض الألوان والأدهان؟ الجواب- لا يجوز أبدًا؛ لأن الخمر حرام ونجاسة مغلظة وملعون (؟) في الشريعة الإسلامية.

السؤال - بعض الناس يقول إنه كما يجوز استعمال الخمر في معالجة المرضى يجوز في هذا أيضًا؟ الجواب- لا يجوز أبدًا؛ لأنه حرام ونجس، إلا إذا بلغ المريض حد اليأس، ولم يوجد له دواء غير الخمر، ورأى طبيب حاذق مسلم أنها تنفعه، فحينئذٍ يسوغ بعض العلماء استعماله بقدر الضرورة، فإن سلم فشتَّان بين المريض المعذور والمسجد المعمور.

السؤال- هل الخمر نجس، وحرام استعمالها بعد خلطها مع بعض الأشياء وذهاب رائحتها أيضًا؟ الجواب- نعم، ولو خُلطت ببعض العطريات، فإنها نجس وحرام.

السؤال- يظنون أن الاسبيرتو ليس بخمر! الجواب- هذا ظن فاسد منهم، والحق أنه خمر حاد مسكر جدًّا على التحقيق، وأنه أخبث من البول، وأما تبديل اسمها، وتغيير رائحتها، وتقليل جرمها فلا يُجدي نفعًا، وقد ورد الخبر عن النبي الصادق الأبرّ ذمّ مستحلِّي الخمر بتبديل اسمها.

السؤال- ماذا عليهم إذا استعملوا الاسبيرتو على جدران المسجد وأخشابه دون موضع الصلاة؟ الجواب- لا يجوز لهم هذا حتى على خارج جدار المسجد حتى تقديره بطاهر أيضًا؛ لأن الشريعة الغراء أكدت في تطهير المساجد وتعظيمها تأكيدًا بليغًا.

السؤال- إن الاسبيرتو ضروري لهذه الألوان والأدهان؟ الجواب- لا هو ضروري للألوان، ولا هي ضرورية للمساجد، ودعوى عموم البلوى فيه ضلال ومكابرة وجدال من كل معاند.

السؤال- إذًا تُستحقَر مساجدنا في مقابلة معابد الكفار؟ الجواب- إن العزة الحقيقية أن نكون مؤمنين صادقين، ونصلي الخمس مجتمعين خاشعين، لا في زخرفة المساجد وتشييدها للمُباهاة ومقابلة معابد الأديان، بل كرهها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المروية عنه، فاعلم.

السؤال- لا بد من تحرير هذه الأسئلة والأجوبة؛ ليستهدي بها المؤمنون، وليبلغها الغائبين الحاضرون.

الجواب- يا أسفا على جهلنا وضلالنا هذا، حتى إنا احتجنا إلى بيان حرمة الخمر ونجاستها، وتحرير أدلتها، وهي بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة رجس من عمل الشيطان، مشهور متواتر من عهد الصحابة عليهم الرضوان، فإذا يكون الحال على هذا المنوال من عدم التمييز بين الحرام والحلال، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فوالله ما ندري كم من إخواننا الجاهلين وقعوا في مهاوي الضلال والسعير، وارتكاب المعاصي والبدع وأنواع الفواحش والمنكرات، فواويلاه، ثم واويلاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا، وهذه خلاصة النصوص من الكتاب والسنة الصريحة، وأقوال علماء المذاهب الأربعة الصحيحة، فتمسكوا بها، وتذكَّروا، وبلِّغوها، واشكروا، وليعلم أن تعلُّم الحلال والحرام، وسائر فرائض الإسلام، والإذعان بها، والتسليم لها فرض على المكلفين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (أي عن الشرك والبدعة والكفر والمعصية) من خصائص المؤمنين؛ ولهذا أرسل الله تعالى رسوله الأعظم، سيدنا محمدًا الأكرم صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الغمة، وجلا الظُّلمة، وجاهد في الله، وعبَده حتى أتاه اليقين، وقد أمر الأمة بحفظ تلك الأمانة (أي الكتاب والسنة) وأدائها إلى مَن يستحقها إلى يوم الدين، وليعلم أن إنكار فرض من فرائض الإسلام، أو حكم ضروري من الأحكام كفر وعدوان، وأن الإصرار على خلافها معصية كبيرة مستلزمة للكفر واللعنة والخسران.

أما الآيات:

([1]) ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125] الآية.

([2]) ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] الآية.

([3]) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].

وأما الأحاديث:

(1) «أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» رواه الترمذي وأبو داود.

(2) «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» رواه الشيخان.

(3) «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَصَانِعَهَا وَبَائِعَهَا» الحديث رواه أبو داود.

(4) سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر يُجعل في الدواء، فقال: «إِنَّهَا دَاءً لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ».

(5) «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» رواه أبو داود والترمذي.

(6) «لَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» رواه أبو داود.

فائدة- إذا تحقق أنه صلى الله عليه وسلم منعنا عن التداوي بالمحرم، وأخبر أن الله لم يجعل شفاءنا فيه، وأن الخمر داء، ليست بدواء، وهو ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وقال تعالى فيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

فهل يجوز لمسلم بعد ذلك أن يعتقد شفاءً في الخمر، وهو من المؤمنين؟!، لا والله، لا يجوز له ذلك، كيف وفيه تكذيب للنبي الصادق الأمين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

وأما الفقه (فقد) أجمعت الأئمة والأمة على أن الخمر نجاسة مغلظة، وحرام قطعي، قليلها وكثيرها، ولا يجوز استعمالها، والانتفاع بها كيف ما كان، وهذا هو المذهب المفتَى به للعلماء الحنفية عليهم الرحمة والرضوان، وفي هذا القدر كفاية، والله يعصمنا من الغباوة والغواية، وله الحمد في البداية والنهاية.

في 16 ذي القعدة سنة 1340 حرره عبده المذنب أبو عتيق محمد شفيق نزيل بمبي غُفر له.

تحقيق القول: قال الدكتور الحكيم غلام جيلاني شمس الأطباء في كتابه المعتبر المشهور المسمى بمخزن الحكمة -وقد وثقه، وصدَّقه جمهور الدكاتير، والأطباء المشاهير في الهند-: (الخمر باعتبار استخراجها على ثلاثة أنواع: أولها (بير) وركنه الأكبر الشعير وغيره، والثاني (واين) وركنه الأعلى العنب وغيره، والثالث (سبريت) أي اسبيرتو، وهو يتخذ من الشرابين المذكورين بعمل التصعيد والتقطير، وهو أكثر حدة وقوة لزيادة (الكحل)، وهو الجزء المسكر فيه) اهـ. من صحيفة 146.

وقال: مقدر الكحل -وهو الجزء الفعال في الخمور- بالنسبة المئوية هكذا: 2-4 في المائة في البيرا، و11 في المائة في الشمبانيا، و23 في المائة في بوت، و53 في المائة في البراندي، و54 في المائة في الوسكي والروم، و86 في المائة في السبيرتو اهـ. من صحيفة149، وذلك في الطبعة الثانية من الكتاب المذكور.

فالذين يقولون: عن الأسبيرتو ليس بخمر مشروبة بل دواء أكَّال أو سُمٍّ قتَّال ضالون مضلون؛ لأنه معلوم أن الاسبرتو يُخلط لإكثار الإسكار ببعض الخمور الخفيفة أو الأشربة العادية، ويُجعل في كثير من الأدوية الأوروبية؛ فتصير الأدوية رجسًا من عمل الشيطان، نعم، شُرْبه صرفًا يضر بالإنسان لحدَّته، وشدة إسكاره، ولو فرضنا أنه لا يُشرب، أو أنه دواء أكَّال، فهو ما لم تتغيَّر حقيقته بصَيْرورته خَلًا رجس على كل حال.

الجواب صحيح أبو عتيق محمد شفيق - المدعو بشفيق الرحمن كتبه أحقر العباد محمد عبد المنعم بأعكظه.

خطيب مسجد الجامع ببمبى.

لقد أجاد مَن أفاد خادم العلماء محمد عبد الغفور المدرس الأول في المدرسة الهاشمية ببمبي.

بسم الله الرحمن الرحيم.

حمدًا لمَن وفق أُولِي الدراية للحكم والعمل بمقتضى الرواية، وصلاةً وسلامًا يتوَّجان بتاج القبول، على سيدنا محمد الحبيب المقبول، وبعد: فقد سخَّر الله برحمته حضرة النبيل الشيخ شفيق الرحمن -عامله الله معاملة ذوي الإحسان- لتحقيق حقيقة (الإسبرتو) لما سأله بعض الإخوان، عن استعمال ذلك في الحيطان، وتعيَّن أنه روح الخمر بعد الاطِّلاع على كتاب مخزن الحكمة المترجم من الإنكليزي إلى (الأوردو) لأحد الدكاتر المسلمين المحققين، وحيث إن الفتوى على قول الإمام محمد رحمه الله تعالى في النجاسة وحرمة التناول، واتفاق الأئمة الثلاثة لزم تجنُّبه وبُعْده، ولا سيما من المساجد التي أذن الله أن تُرفع، ويُذكَر فيها اسمه، فجزاه الله عن مناضلته عن الدين، ورزقنا والمسلمين حُسن اليقين، ولقد أصاب فيما أجاب، والعهدة على المترجم، وبالله التوفيق.

حرره الفقير أحمد يوسف الفارسي المدني خطيب مسجد إسماعيل حبيب ما كتب المجيب في الجواب فهو الحق وعين الصواب الراقم قاضي غلام أحمد تليائي المدرس الأول في المدرسة المحمدية بمبى الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده: قد تأملت في هذه الفتوى فوجدتها مُحكَمة المباني، مُتقَنة المعاني، قضاياها موافقة لما عليه المُعَوَّل، من نصوص القرآن والحديث التي عليها العمل، كيف لا ومحرر هذا الشيخ الفاضل المولوي شفيق الرحمن، سلمه الله المنَّان، فوالله دعوت لمحررها بحسن المثوبة، ودوام التوفيق، وما أجاب هذا الفاضل بتعيين المصير إليه، وغيره لا يُعوَّل عليه، والله أعلم.

أبو السعود محمد سعد الله المكي الخطيب والإمام في مسجد زكريا بمبى بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله مُجيب الدعوات، والصلاة والسلام على سيد السادات، وعلى آله الغُرّ المحجَّلين، وصحبه والتابعين، وبعد: فيقول العبد البائس: إني اطَّلعت على هذه الفتوى (وفي الأصل هذا السؤال) فوجدتها مشحونة بالأدلة الواضحة، والنقول المعتمدة في الدين، وضوحًا لا غبار عليه، فيجب -والحالة هذه- على كل مَن اطَّلع على هذه الأدلة العمل بمقتضاها.

وفقني الله وإياكم لما فيه صلاح الأولى والأخرى.

البائس سليمان عبد العزيز ميرداد الخطيب الإمام بمسجد المنار في بمبى الجواب صحيح والله الموفق، أحقر العباد محمد فضل كريم الدهلوي الخطيب الإمام في مسجد رنكاري محله بمبى الإمام في مسجد رنكاي محله بمبي الجواب صحيح.

محمد شرف الدين مهتمم اليتيم خانة الإسلامية بمبى (مدير دار الأيتام الإسلامية) الجواب صحيح.

عبد السميع مدرس اليتيم خانة الإسلامية بمبى

الإجابة:

الحمد لمُلهِم الصواب قد جاء في محكم القرآن أن الخمر رجس من عمل الشيطان، من شأنها أن تُوقِعَ العداوة والبغضاء بين الناس، وتصدّهم عن ذكر الله وعن الصلاة، فلا نزاع في هذا، ولا في كونها محرمة في كتاب الله وسُنة رسوله تحريمًا باتًّا، لا هوادة فيه، وقد بيَّنَّا من مضار الخمر، ومفاسدها في تفسير الآيات الواردة فيها، ما لا يوجد أقله في تفسير آخر، ولا في كتاب فقهي، ولا خلاف في وجوب صيانة المساجد عن النجاسات والأقذار أيضًا.

وأما مسألة كون السبيرتو أو الكحول خمرًا وكون كل ما وُجد أو دخل فيه أحدهما نجسًا نجاسة حسية يجب تطهير ما يصيبه منها، وإن كان عطرًا، فهي مسألة اجتهادية، ليس فيها نص قطعي، ولا راجح في الكتاب ولا السنة، ولا هي من المسائل الاجماعية كما ادعى أخونا الفاضل مولوي محمد شفيق، ومَن أجاز فتواه من علماء الهند الكرام، كما يعلم مما نبينه في المسائل الآتية، وإن سبق بيانه في المنار من قبل.

وإننا قبل تحقيق الحق في هذا المقام نذكِّر أولئك العلماء الكرام، الذين نخالفهم في اجتهادهم بمسائل كثيرًا ما يغفل عنها العلماء عند الفتوى في مسائل الحلال والحرام، التي يوجبون العمل بها على الأمة الإسلامية:

المسألة الأولى- أن التحريم الديني المحض -كمسألتنا- هو حق الرب تعالى وحده؛ ولذلك عرَّفه علماء الأصول بأنه (خطاب الله المقتضي للترك اقتضاءً جازمًا)، فالقول بأن كذا حرام بغير دليل صريح من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة يُعد من القول على الله بغير علم، ومن الافتراء عليه تعالى، وشرعًا لم يأذن به، وذلك منتهى الخطر على الدين، فيجب الاحتياط في ذلك؛ لأن فاعله يكون قد اتخذ نفسه شريكًا لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

ولسنا نريد بالتذكير بهذه المسألة القطعية تعريضًا ما بأولئك المفتين، فيما نرى أنهم أخطئوا فيه؛ فإن للمجتهد المخطئ أجرًا على اجتهاده، وهو معذور في خطئه إذا بذل جهده في طلب الحق فيه بإخلاص، وآية ذلك رجوعه عما أخطأ فيه إذا ظهر له ذلك.

الثانية- أن مَن يتبع رأي أحد من الناس في التحريم الديني، وما في معناه من العبادات من غير أن تظهر له الحجة فيه عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد اتخذه ربًّا وشريكًا لله تعالى، كما يُعلم من الآية المذكورة في المسألة الأولى، ومما ورد في الحديث المرفوع تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [التوبة: 31]، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» رواه أكثر مخرجي التفسير المأثور، والترمذي في جامعه، وحسَّنه، والبيهقي في سُنَنه.

وخرج بالتحريم الديني ما يحظره الأمراء وقواد الجيوش على أتباعهم لمصلحة راجحة، أو دفع مفسدة في أمور الدنيا أو الحرب، فلا يُشترط في طاعتهم فيها أن تكون منصوصة في الكتاب والسنة، بل يدخل هذا في عموم ما ورد من الأمر بطاعتهم في المعروف، ويكفي أن لا يكون معصية لله تعالى.

الثالثة- نطقت الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة الفصيحة بأن هذا الدين يُسر لا حرج فيه، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله في أجمع آيات الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغُسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220]، أي ولكنه لم يشأ إعناتنا، وهو إيقاعنا فيما فيه مشقة، والأحاديث في هذا المعنى معروفة في الصحاح والسنن؛ ولأجله سُميت هذه الملة بالحنيفية السمحة.

الرابعة- من الأمور المعلومة من شؤون البشر بالضرورة أن بعض الناس يتحمل من التكاليف بسهولة ما لا يتحمَّله غيره إلا بمشقة، وأن منهم المَيَّال بطبعه إلى الغلو في الدين، أو التزام العزائم، ومنهم المعتدل المتوسط، ومنهم مَن يثقل عليه أن يزيد على فعل الواجب، وترْك الحرام، ومنهم مَن يقصر في هذا أيضًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]، ولأجل هذه الحقيقة الثابتة في سنن الفطرة كان من حكمة الدين أن يوجد في الكتاب والسنة ما دلالته صريحة قطعية، أو راجحة جلية، كالذي أجمع عليه أو عمل به جمهور السلف، وما دلالته خفية؛ ليأخذ أهل العزائم من الصدِّيقين المقربين -وهم السابقون في الآية- بما لا يمكن أخْذ الأبرار به -وهم المقتصدون فيها- فضلًا عن الظالمي أنفسهم، والتحريم العام الذي يُخاطَب به جميع أفراد الأمة هو ما كان قطعي الدلالة أي لا مجال فيه للتأويل والاجتهاد، والاجتهادي يعمل فيه كل أحد بما أداه إليه اجتهاده، ولا تُحْمل الأمة كلها على ظن مجتهد.

وقد قال الفقهاء: إن أول ما يجب على إمام المسلمين الأعظم وخليفة رسولهم صلى الله عليه وسلم: «حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة». (الاحكام السلطانية للماوردي)، ولولا هذا لأبطل كل خليفة اجتهاد غيره في العلم، وأجبر الأمة على اتباعه واتباع مذهب إمامه... ومن الشواهد أو الدلائل المتعلقة بموضوع بحثنا في ذلك أن آية سورة البقرة في الخمر تدل على تحريمها دلالة راجحة، ولكنها غير قطعية؛ لأنه قال فيها، وفي الميسر: ﴿َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] أي أن مفسدتهما راجحة على منفعتهما، ودرء المفاسد مقدَّم عند الفقهاء على المصالح المساوية، فكيف إذا كانت المفسدة هي الراجحة؟! ومع هذا لم يعدها عمر رضي الله تعالى عنه البيان الشافي في الخمر، وظل يدعو أن يُنزِل الله تعالى فيها «بيانًا شافيًا»، ولكن بعض الصحابة تركوا شرب الخمر لهذه الآية عند نزولها، ولم يتركها كلهم، بل لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركها، وبإهراق ما كان لديهم منها إلا عند نزول آية المائدة التي صرح فيها بقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] -إلى قوله- ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، فلما قُرئ ذلك على عمر قال: انتهينا، انتهينا.

الخامسة- النجاسة في اللغة: القذارة والخبث، وهي حسية ومعنوية: فالحسية: ما تعافه الطباع السليمة لنتنه كالبول والعذرة.

والمعنوية: ما يُعلم خبثه وقبحه بالشرع أو العقل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].

والطهارة: النظافة والتنزُّه عن الأقذار، والمطلوب منها في الشرع: إزالة النجس وما دونه كقلح الأسنان، والوضوء والغسل وبدلهما وهو التيمم، وفي الوضوء والغسل والتيمم معنى التعبد؛ ولذلك اشترط فيه أكثر أئمة الفقه النية، ولم يشترطوه في الأول، وإن كان مطلوبًا شرعًا.

ومجموع ما ورد في الكتاب والسنة في إزالة النجاسة يدل على أن مراد الشرع من المسلم أن يكون نظيفًا بقدر الاستطاعة بدنًا وثوبًا ومسجدًا، وكل ذلك معقول المعنى، ليس فيه شيء ظن بعض العلماء أنه للتعبد إلا غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، إحداهن بالتراب؛ للحديث الذي ورد فيه، وفي رواية: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ»، والحنفية والعترة لا يأخذون بهذا الحديث، والشافعي، وأحمد يقولان: إن سببه نجاسة الكلب أو لعابه، وجعله بعضهم للتعبد، وزعم بعض الصوفية أن سببه كوْن سؤر الكلب يورث قساوة القلب، واكتشفت الأطباء ما يصح أن يكون سببًا له، كون لعابه سببًا للإصابة بالدودة الوحيدة أو الدودة الشريطية، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في المنار من قبل، وليس مقصودًا هنا.

السادسة- قال العلامة ابن رشد في بداية المجتهد: (وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: على ميتة الحيوان ذي الدم، الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخِنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي، انفصل من الحي أو الميت، إذا كان مسفوحًا، أعني كثيرًا، وعلى بول ابن آدم، ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين) اهـ. وسنذكر في المقصد بعض مَن صرَّحوا بطهارتها.

السابعة- اختلف العلماء في إزالة النجاسة، هل هي فرض أو سنة؟ واختلفت مداركهم الاجتهادية في التطهير، هل المراد به إزالة عين النجاسة وصفاتها من اللون والطعم والرائحة، أم إضعافها وإزالة صورتها المستقذَرة؟ بالغ بعض أهل المدرك الأول -ولا سيما الشافعية منهم- فكان من اجتهادهم ما لا يعقل له معنى، وما فيه حرج شديد وعنت كان سببًا لابتلاء الكثيرين بالوسواس، ومنه ما يُشْبه تطهير الأطباء للأجسام والجروح والأشياء كاشتراطهم أن يكون الماء القليل (وهو ما دون القلتين) واردًا على النجاسة لا مورودًا... وهذا ما لا يتيسَّر إلا للخواص الواجدين، وما ورد في السنة الصحيحة من الاستنجاء بالحجر، وصفة تطهير الثوب من دم الحيض والمني، وتطهير النعل بدلْكها بالأرض، وأشباه ذلك - يدل على أن الواجب هو الثاني، والأول كمال فيه، واختلفوا أيضًا في كون طهارة البدن والثوب والمكان شرطًا لصحة الصلاة أم لا.

الثامنة- للعلماء مذاهب في إزالة النجاسة وزوالها، يؤخذ من مجموعها على اختلاف أصحابها ما قلنا في المسألة الخامسة: إنه مدلول النصوص، وهو أن الغرض الشرعي من الطهارة هو أن يكون المسلم نظيفًا، لا تنفر منه الطباع السليمة، ولا يُشترط في ذلك أن لا يكون على بدنه ولا ثوبه ذرة من أعيان النجاسة يدركها الطرف المعتدل، يُعلم من أحاديث مسح النعل المتنجِّس بالأرض، وفرك المني، وحتّه، وإماطته بإذخرة، وغير ذلك، ومن المطهرات الدباغ، وتخلُّل الخمرة عند مَن يقولون بنجاستها، وإزالة عين النجاسة عن المصقول، وقالت الحنفية: إن الأرض إذا تنجَّست تطهر بالجفاف، سواء كان بالشمس أو الهواء أو النار، مع أن الجفاف لا يزيل من المادة النجسة إلا ما يتبخَّر منها، وقد تبقى رائحتها، واستدلوا على ذلك بأن المسجد النبوي كانت الكلاب تدخله، وتبول فيه، وما كانوا يطهرونها، والغرض من هذا بيان مدرك هؤلاء الفقهاء الذين يتبعهم ملايين كثيرة من المسلمين في يسر الشريعة.

ويحسن أن نذكر هنا حديث بول الأعرابي في المسجد الذي رَدَّ به الجمهور عليهم، وإن لم يكن البحث لتحقيق الراجح في هذه المسائل: روى الجماعة (أي أحمد والشيخان، وأصحاب السنن) من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنه أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقال الصحابة له: مَه مَه -وهي كلمة زجر- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُزْرِمُوهُ، -أي لا تقطعوا عليه بوله- دَعُوهُ »، فتركوه حتى بال، هذا سياق أنس، وقال أبو هريرة: فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، وتتمة سياق أنس: ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عز وجل، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»، قال: ثم أمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه.

والسجل والذنوب بفتح أولهما: الدلو الواسعة الملأى، وقال ابن السكيت في الثانية: فيها قريب من الملء، ولا يُطلق هذان اللفظان على الدلو الفارغة.

ومن المطهرات عند الحنفية النار وانقلاب العين كالزيت النجس الذي يدخل في عمل الصابون، ومذهبهم فيه قوي جدًّا يدل على فقه الشرع وفهم كُنْه الطهارة التي طُولب الناس بها، وهي النظافة والتنزُّه عن الأقذار، لا الإعنات وتكليف ما لا يعقل تعبُّدًا محضًا، فهذا المذهب لا يحتاج إلى دليل من النص بعينه، ومما يدل عليه إجماع الأمة على عدم وجوب النية ولا اشتراطها في إزالة النجاسة، ولهم أن يستدلوا عليه بحديث أبي الدرداء في (المري) الذي يُصنع من الخمر، والسمك، والمِلح، ويوضع في الشمس، وقد أكله أبو الدرداء وغيره من الصحابة كما سيأتي، ونحن نستدل به على طهارة الخمر، ولكنهم قالوا: لو جُعل الخمر في مرقة لا تؤكل لتنجُّسها بها، ولا حدّ ما لم يسكر منه (أي الآكِل) لأنه أصابه الطبخ، ويكره أكل خبز عجين عجنه بالخمر لقيام أجزاء الخمر فيه (اهـ. من الهداية).

الموضوع.

بعد هذا التمهيد نقول: أولًا- إن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية،.

وثانيًا- إن دعوى إثبات نجاستها بالكتاب، والسنة، والإجماع ممنوعة.

وثالثًا- إن الكحول (السبيرتو) ليس بخمر، بل ولا ينحصر وجوده في الخمر، بل يوجد في أنواع النبات وغيرها، ويكثر في المختمرات من العجين وغيره، وأكثر ما يكون استحضاره من الخشب والقصب، وهو أقوى طهورية من الماء.

ورابعًا- إن سلمنا أنه خمر، وأن الخمر نجسة؛ فإن ما يدخل فيه من الأدهان وأنواع الطلاء والأدوية والأعطار ينبغي أن يكون طاهرًا، كالخل والمري والخبز والصابون الذي يدخله الزيت النجس وأمثالها.

الخمر طاهرة حسًّا وشرعًا: أما كوْن الخمر طاهرة غير نجسة نجاسة حسية، فهو أمر حسّي لا يمكن المِرَاء فيه، وأما كونها طاهرة شرعًا من الجهة الحسية -وإن كانت أم الخبائث والرجس المعنوي- فلأن الأصل في الأشياء الطهارة، وليس في الشرع ما يخالف الحس، وما ورد في الشرع من الحث على الطهارة والنظافة الحسية فلا يُفهَم منه إلا التنزُّه عن الأقذار، كما ورد في حديث تطهير المسجد من بول الأعرابي، وإزالة ما أصاب البدن أو الثوب أو المكان بإذهاب عينه، أو إذهاب قذارته، بحيث لا تنفر الطباع السليمة مما أصابه، وإنما كان يصح إلحاق الشرع الخمر بالنجاسات الحسية لورود الأمر الصريح بغسل ما أصابه شيء من الخمر، ولم يرد، وقد كانوا يشربونها إلى آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم تحرم قطعيًّا إلا في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن، ولا شك في أن الشاربين لها لا يسلمون من إصابة أيديهم وثيابهم بشيء منها، ولو كانت من النجاسات والأقذار في الواقع ونفس الأمر، أو في حكم الله تعالى لأمروا بالتنزه عنها قبل تحريمها، وكان يكون ذلك من المنفّرات عنها، الممهّدات لتخفيف وقْع تحريمها على نفوسهم، كالذي ذكره المفسرون من التنفير عنها بآيتي البقرة والنساء، ولما أخّر بيان نجاستها إلى الوقت نزول القطع بتحريمها، ولا يقال: إنها إنما صارت نجسة بالتحريم؛ لأن الكلام في النجاسة الحسية، وهذا لا يختلف باختلاف الحكم، فهي ما زالت كما كانت قبل التحريم، وربما طيّبها الناس بعد ذلك، فكانت أبعد عن القذارة مما كانت، وسيأتي ما يؤيد هذا.

تحقيق القول فيما استدل به على نجاسة الخمر: استدل المفتي الهندي ومَن وافقه بدعوى الإجماع، وهي دعوى ممنوعة، فقد نقل العلماء الخلاف بين فقهاء السلف في نجاستها، كما رأيت في عبارة ابن رشد في (بداية المجتهد)، وممن قال بطهارتها منهم فقيه المدينة الإمام ربيعة شيخ الإمام مالك، كما في شرح المهذب للنووي وغيره، وفي كتاب رفع الإلباس في وهم الوسواس لأحمد بن العماد الفقيه الشافعي ما نصه: (ومنه الخمر، وهي نجسة خلافًا لربيعة شيخ الإمام مالك، وداود (إمام الظاهرية)، فإنهما قالا بطهارتها كالسم الذي هو نبات، والحشيش المسكر، وحكى الغزالي وجهًا في المحترمة، ووجهًا في أن باطن حبات العنب المستحيلة خمرًا طاهرًا، وحكى الشيخ تقي الدين رحمه الله في شرح الموطأ طهارة المحترمة، والمحترمة هي التي اعتُصرت بقصد أن تُتخذ خلًا) اهـ.

ثم ذكر القول بأن ما اعتصره أهل الكتاب -من المحترمة أي بناءً على عدم تكليفهم بفروع الشريعة- فجميع خمور أهل الكتاب أو غير المسلمين طاهرة على الوجه، ويفهم منه أن القول بنجاستها تغليظ على المسلمين؛ لأجل المبالغة في اجتنابها، بالتباعد عن أسبابها، ولكن هذا لا يصح أن يُجعل دليلًا شرعيًّا على النجاسة الحسية، وما يترتب عليها من الأحكام الكثيرة التي تُنسب إلى دين الله، وتُجعل مما خاطب الناس بتحريمه عليهم.

وممن قال بطهارة الخمر من فقهاء الحديث المتأخرين الإمام الشوكاني في السيل الجَرَّار وغيره، والسيد حسن صديق خان في الروضة الندية.

وأما الاستدلال على نجاستها بالكتاب العزيز فهو محصور في تسميتها رجسًا في آية المائدة، وهو مردود من وجوه: أحدها- أن الرجس في اللغة هو الخبيث القذر حسًّا أو معنًى، فالحسي ما تُدرك قذارته بالحس، ونفور الطباع السليمة، ويتنزه عنه الناس كالبول والعذرة، والمعنوي ما تدرك قذارته بالعقل أو الشرع أو بهما معًا كالكفر والنفاق، قال الراغب بعد ما ذكر ما هو بمعنى هذا: (والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر) اهـ.

وأقول: إن الرجس قد ذُكر في القرآن في تسع آيات، لا يحتمل إرادة النجاسة الحسية منها إلا في واحدة فقط، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، والراجح أن الضمير في قوله: «فَإِنَّهُ» راجع إلى الثلاثة بتأويل ما ذُكر، كما بيناه في تفسير الآية مؤيَّدًا بالشواهد من التنزيل ومن كلام العرب، أما الأولان فاستقذار الطباع لهما معروف، وأما الثالث، فمعنى كوْنه رجسًا أنه ملازم للأقذار كثير التغذّي منها، وإنك لتجد ذكر إزالة الرجس عن أهل البيت النبوي، قد قرن بأن المراد به تطهيرهم، وأكد ذلك بالمصدر، ولم يقل أحد من المفسرين أن المراد بالرجس في الآية النجاسة الحسية، وبالتطهير إزالتها، على أن بعض العلماء قالوا: إن تأكيد الفعل بالمصدر يُخرجه عن كونه مجازًا، ويحتِّم كونه حقيقة، وهذه الآية حجة عليهم إلا أن يقولوا: إن التطهير حقيقة في إزالة الأقذار الحسية والمعنوية، والتنزيه عن كل منهما، أو أن الرجس حقيقة في الخبث المعنوي؛ لأنه هو الأكثر في استعمال القرآن وغيره.

ثانيها- أن لفظ الرجس فيها خبر عن الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام كما قال جمهور المفسرين، ولا شيء من ذلك بقذر في الحس، ولا نفور الطبع، فتعين أن يكون كله من الرجس المعنوي، وجعله خبرًا عن الخمر، وخبر ما عُطف عليها محذوفًا تكلُّف مخالف للمتبادر من العبارة لغة، وإنما جِيء به لتأييد القول بنجاستها، وإلا فالأصل في خبر المبتدأ وما عُطف عليه أن يكون خبرًا عنها جميعًا، ولو كان خبرًا عن الخمر لقال فاجتنبوها؛ لأن الخمر مؤنثة اللفظ، قال الأصمعي: ولا يجوز تذكيرها، فإن قيل جوزه غيره، قلنا: هو الفصيح الذي لا خلاف فيه، ولغة القرآن أفصح اللغات، ويؤيد كوْن الأنصاب والأزلام رجسًا قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30].

ثالثها- ووصف الرجس بأنه من عمل الشيطان، ثم بيان عمل الشيطان في الخمر والميسر خاصة بأنه إيقاع العداوة، والبغضاء بين السكارى، والمقامرين، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ولو لم يكن قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] راجعًا إلى الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام جميعًا، لما صرح بذِكْر الخمر والميسر في هذا البيان.

رابعها- أن الصحابة رضي الله عنهم أراقوا كل ما كان عندهم من الخمر عند نزول هذه الآية، حتى كانت تجري في شوارع المدينة، ولو كانت الخمر نجسًا حسيًّا يجب تطهير ما تصيبه بمنطوق الآية، لتوفرت الدواعي على نقل عنايتهم بتطهير أوانيهم، وما أصاب أبدانهم وثيابهم منها عند إراقتها فإنه من الضروريات، ولم يرد شيء من ذلك كما تقدم.

وأما الاستدلال على نجاستها بالسنة فقد أعجز المدعين لذلك رواية خبر صحيح صريح في ذلك، وإنما استدل بعضهم بحديث أبي ثعلبة عند أحمد، وأبي داود؛ إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟، قال: «إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا»، وهذه واقعة حال ذُكرت في الصحيحين بدون ذكر الخنزير والخمر فيها، وغسلها من احتمال طبخ الخنزير وشرب الخمر فيها ضرب من النظافة لا يتعين أن يكون سببه نجاسة ما كان فيها وهو مجهول، والأصل في الأشياء الطهارة، وأبو ثعلبة هذا هو الخشني، أسلم عام خيبر أو قبله، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أواني أهل الكتاب، وعن الصيد ما يحل منه؟ وذلك قبل نزول آية حل طعام أهل الكتاب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر من غسل أوانيهم مبالغةً في النظافة التي كان يميل إليها، والتباعد عن الأنس بهم قبل تمكُّن الإسلام، وإلا فهو معارَض بالأحاديث الكثيرة، والروايات عن الصحابة في أكل طعامهم في أوانيهم، وجُبنهم، والتوضُّؤ والشرب من أوانيهم أيضًا، ولا سيما في أيام فتح بلادهم، ولو كان الصحابة ومَن بعدهم من السلف يتَوَقّون أوانيهم، فلا يأكلون، ولا يشربون فيها إلا بعد غسلها لَتواتر ذلك عنهم، بل ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وتوضأ عمر من جرة نصرانية، والتغليظ في معاملة المشركين أشد منه في معاملة أهل الكتاب.

وثبت أكل الصحابة رضي الله عنه للمري المصنوع من الخمر والسمك، ففي كتاب الصيد من صحيح البخاري أن أبا الدرداء قال في المري: ذبح الخمرَ النينانُ والشمسُ، والمري من التوابل المثيرة لشهوة الطعام، وهو بضم الميم وسكون الراء، وضبط في النهاية تبعًا للصحاح بتشديد الراء نسبة إلى المرّ، وهو الطعم المعروف، والنينان جمع نون وهو الحوت، وإسناد ذبح الخمر إلى السمك والشمس مجازي، معناه: أنهما ذهبا بطعم الخمر وإسكارها، كما كانوا يعبرون عن تأثير مزْجها بالماء إذا كثر بالقتل، كما قال حسان: إن التي عاطيتني فشـربتها ... قتلت قتلتَ فهاتها لم تقتل قال الحافظ في الفتح: وهذا الأثر سقط من رواية النسفي، وقد وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء، فذكره سواء، قال الحربي: هذا (مري) يعمل بالشام، يؤخذ الخمر، فيُجعل فيه المِلح والسمك، ويوضع في الشمس، فيتغير عن طعم الخمر، وذكر الحافظ طرقًا أخرى له، عن أبي الدرداء للطحاوي وعبد الرزاق، ثم قال: ورويناه في جزء إسحق بن الفيض من طريق عطاء الخراساني، قال: سئل أبو الدرداء عن أكل المري فقال: ذبحت الشمس سكر الخمر، فنحن نأكل لا نرى به بأسًا، قال أبو موسى: عبر عن قوة الملح والشمس، وغلبتها على الخمر وإزالتها طعمها ورائحتها بالذبح، إلخ.

ثم قال: قال: وكان أهل الريف من الشام يعجنون المري بالخمر، وربما يجعلون فيه أيضًا السمك الذي يربى بالملح، والإبزار مما يسمونه الصحناء، والقصد من المري هضم الطعام، فيضيفون إليه كل ثقيف أو حرِّيف؛ ليزيد في جلاء المعدة، واستدعاء الطعام بحرافته، وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر اهـ المراد مما أورده الحافظ، ومما ذكره عن بعضهم تعليل الحل بتخلل الخمر، ولا يصح إلا على التشبيه، وإلا فإن الخل مائع لا طعام.

هذا الأثر يدل على أن أولئك الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتقدون طهارة الخمر، ولو كانت نجسة لتنجس السمك والملح والإناء بها قبل أن تذبحها الشمس، ومتى تنجس السمك تعذَّر تطهيره عند جماهير الفقهاء إلا مَن يقول: إن استحالة العين، وزوال نتن النجاسة مطهر، وهذا القول يقتضي حل جميع الأدهان والأدوية التي تدخلها نجاسة إذا زال نتنها، بحيث لا يعد ذلك الشيء قذرًا لغةً، ولا عرفًا.

وهذا هو مدرك الحنفية، وهو مدرك صحيح، ولكن خرجوا عنه في بعض المسائل، ومن العجيب أن إخواننا علماء الهند الذين شددوا في واقعة الفتوى من فقهاء الحنفية فيما يظهر، ولكنهم لما اجتهدوا في المسألة كان اجتهادهم بعيدًا عن مدرك المذهب الذين تفقَّهوا فيه، ومثل هذا كثير.

حقيقة الخمر والكحول: الخمر كل شراب مسكر، هذا هو المختار عندنا على ما حققناه في التفسير، ولكن الفقهاء واللغويين اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى أن الخمر ما كان من عصير العنب إذا اشتد وغلا -زاد بعضهم: وقذف بالزبد- وعليه الحنفية الذين يقلدهم أكثر مسلمي الهند، وهذه الخمرة العنبية هي المحرمة عندهم بالنص قطعًا، ما قَلَّ منها وما كثر، وهي التي يعدونها نجسة نجاسةً مغلظةً، وأما سائر المسكرات فلهم فيها أقوال، ثالثها أنها طاهرة، وما عداها من المسكرات فأصل المذهب أن المحرم منها هو القدر المسكر، بل لهم فلسفة دقيقة في تحقيق كون الكأس الأخيرة أو الجرعة الأخيرة، التي حصل بها الإسكار هي المحرمة دون ما قبلها!، والجمهور يخالفهم في هذا بحقٍّ، رجحه بعضهم، ولكنه مذهب اجتهادي عل كل حال.

والتحقيق الصناعي أن الخمر نوعان: أحدهما- ما يُصنع بالتخمير، وهو وضْع الفاكهة الرطبة كالعنب والبسر، أو الجافة كالتمر والزبيب، أو الحب كالقمح والشعير، في الماء حتى يختمر، وكذا العسل، وخمره تسمى في اللغة البتع، ولهم في ذلك صناعة، بعضها بالنار، وبعضها بدونها، ويسمون هذا النوع في زماننا بالنبيذ، وهو أصناف كثيرة، ومنها ما له اسم آخر كالبيرا المتخذة من الشعير، واسمها العربي الجعة، والنبيذ بالعربية هو النقوع والنقيع، وهو الشراب الذي يكون مِنْ نَبَذَ؛ نَحْو زبيب أو تمر أو تين جاف في الماء أي طرحه فيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يشربونه قبل أن يشتد، ويصير مسكرًا؛ فإنه يكون حينئذ خمرًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب منه مدة ثلاثة أيام في الغالب، فإذا شعر بحموضته أذن بأن يشربه الخدم، وترك شربه احتياطًا، وقد فصلنا القول في ذلك في تفسير آية المائدة.

وأما الكحول -السبيرتو- فهو سائل قابل للاحتراق، سريع التبخُّر أو الطيران، يُستخرَج غالبًا من الخشب وجذور القصب وأليافه، وهو يوجد في جميع أنواع النباتات، ولا سيما الفاكهة، ويكثر جدًّا في قشر البرتقال والليمون، وفي كل ما يختمر من الأشياء كالعجين، ولا يُستخرج من الخمور لغلائها ورخصه، وهو أقوى المطهرات؛ فإنه يزيل النجاسات والأقذار التي تعسر إزالتها بالماء، وإنما يُستخرج لاستعماله في التطهير الطبي، وتحضير كثير من الأدوية، وحفظ بعض الأشياء من الفساد، وفي الأعطار والأصباغ والوقود والاستصباح وغير ذلك، وقد كلفنا بعض علماء الكيمياء والطب من ثقات المسلمين ببيان علمي فني سننشره فيه في ذيل هذه الفتوى، فهو ليس بشراب، ولا يمكن شربه؛ لأنه سُمٌّ قاتل.

نعم، إن هذا الكحول أو الغول هو المادة المؤثرة في الخمور التي لولاها لم تكن مسكرة، وأنه إذا وُضع في شراب غير مسكر بنسبة مخصوصة يصير مسكرًا، ولكن هذا لا يقتضي أن يسمى هو خمرًا لغةً، ولا شرعًا، ولا عُرفًا، كما أن المادة المؤثرة في قهوة البن التي يسميها الكاويون (كافيين)، والمادة المؤثرة في الشاي التي يسمونها (شايين) والمادة المؤثرة في التبغ (الدخان) التي يسمونها (نيكوتين)، إذا وُضعت في شراب آخر أو في طعام، يصير له مثل تأثير القهوة والشاي والتبغ، ولا يسمى بأسمائها، وكل ما يترتب على ذلك من الحكم الشرعي أن الشراب الذي يُوضَع فيه من الكحول ما يجعله مسكرًا يحرم شربه لإسكاره، ويدخل عندنا في عموم الخمر، وإن وُضع له اسم آخر، خلافًا للحنفية، ومَنْ على رأيهم من اللغويين وغيرهم، فلا يعدونه منها لغةً ولا حُكمًا من كل وجه.

والقائلون بنجاسة الخمر لم يعللوا حكمهم بأن فيها مادة نجسة هي علة نجاستها، ولم يكونوا يعلمون بوجود هذه المادة فيها، حتى نفرِّع على قولهم: إن كل ما توجد فيه يكون نجسًا، وإن كان في الواقع ونفس الأمر طيبًا وطهورًا، بل أقوى مزيل للنجاسات ومطهر للأشياء؛ فإن هذا قلب للحقائق، وإنما أرادوا فيما يظهر المبالغة في اجتنابها، والبُعد عن مظانّ استعمالها في غير الشرب؛ لئلا يكون ذريعة له.

ألا ترى أن الحنفية جعلوا مسألة النجاسة فيها تابعة لقوة الدليل على تحريم شربها، فقالوا: إن نجاسة خمر العنب مغلظة؛ لأنها هي المحرمة عندهم بالنص القطعي، وأما سائر المسكرات، فقيل طاهرة، وقيل نجسة نجاسة مغلظة، وقيل مخففة، والمعروف بالقطع الآن أن الكحول في الأشربة التي تسمى الروحية (كالعرقي والكونياك والوسكي) أكثر منه في خمرة العنب المسماة بالنبيذ، ولو كانت النجاسة تابعة لمقدار الكحول لوجب أن تكون نجاسة المسكرات المقطرة المسماة بالروحية أغلظ من نجاسة خمر العنب، ثم ألا ترى أن الشافعية ذكروا قولًا بطهارة الخمر المحترمة، وهم أشد الفقهاء تدقيقًا وتشديدًا في مسائل النجاسة! ثم إن جعْل مادة الكحول هي النجسة بنفسها، والعلة لنجاسة ما توجد أو تكثر فيه، يقتضي الحكم بنجاسة العجين المختمر، ونقيع التمر والزبيب، ولا سيما إذا أتى عليه يومان أو ثلاثة، وكان ذلك في بلاد حارة كالحجاز، وهو كالعجين المختمر طاهر بالإجماع، وكذا كل ما يوجد فيه من فاكهة ونبات، ولوجب تطهير اليد والسِّكِّين إذا قُشر بها الليمون والبرتقال.

فعُلم من هذا، ومن الملحق الفني الذي سنؤيده به، أن ما ذُكر في الفتوى الهندية في بيان حقيقة الخمر والكحول مترجمًا عن الإنكليزية قاصر.

وخلاصة القول أن الكحول مادة طاهرة مطهرة، وركن من أركان الصيدلة والعلاج الطبي والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يُحصى من الأدوية، وإن تحريم استعمالها على المسلمين يَحُول دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة، هي من أعظم أسباب تفوق الإفرنج عليهم كالكيمياء والصيدلة والطب والعلاج والصناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك قد يكون سببًا لموت كثير من المرضى والمجروحين، أو لطول مرضهم وزيادة آلامهم في أحوال كثيرة، ولا سيما حال الحرب.

وإنني أذكر مادة واحدة من مستحضرات الكحول منبِّهًا إلى بعض منافعها؛ ليقاس عليها غيرها، وهي (صبغة اليود)، فلهذه الصبغة من المنافع الكثيرة التي لا تشوبها أدنى مضرة ما يكفي لعدِّ تحريم استعمالها من أعظم الجنايات على المسلمين، فهي على كونها من المطهرات الطبية للجروح المانعة من عروض الفساد لها، الذي ربما يفضي إلى قطعها، تُستعمل علاجًا وإسعافًا في أمراض متعددة، وقد كانت والدتي أُصيبت برثية حادة (روماتزم)، عجزت بها عن المشي والصلاة واقفة، فعالجها الدكتور شرف الدين بك الطبيب التركي المشهور بصبغة اليود دهنًا وشربًا، بوضع خمس نقط في نصف كوب من الماء تشربه قبل الطعام، وأذن لها أن تزيد عدد النقط إلى عشر فشُفيت حتى تمكنت من أداء فريضة الحج بغير مشقة، وعالج به غلامًا عندنا أُصيب بالحمى التيفودية فشُفي بإذن الله.

وكثيرًا ما يسعل الأطفال عندنا في الليل حتى يحرمونا النوم، فإذا دهنَّا صدر الطفل بصبغة اليود مخففة بالكحول أو بعض أعطاره كالكولونيا سكن السعال في الحال.

فمَن ذا الذي يقول: إن دين الفطرة والحنيفية السمحة الذي من أهم أصوله القطعية بالنص اليسر ورفع الحرج؛ يحرم على المسلمين جميع منافع هذه المادة الكثيرة بدعوى مكابِرة للحس، هي جعْلها نجسة، وتسمية طيبها قذرًا، ودهانها للخشب المانع من امتصاصه للوساخة، والجاعل له في منتهى الجمال والنظافة رجسًا تُنزَّه عنه المساجد كالبول!، أبهذا يصدُق علينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم إننا بُعثنا ميسرين، ونكون ممتثلين لأمره: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»؟ إنني لو ذهبت أعدّ ما أعلم من منافع الكحول في الطب والصناعة لعددت عشرات منها، وإن ما أعلمه من ذلك دون ما يعلمه الأطباء والكيماويون، فتحريم هذه المنافع الكثيرة على المسلمين بمثابة أن يقول محرموها في كل منها إن الله تعالى خاطبنا بما يقتضي تركه اقتضاءً جازمًا، وإنه مما يعذب الله المسلمين على فعله، ويُثيبهم على تركه، والشبهة على ذلك أن فيه مادة أداهم اجتهادهم إلى أنها من الأقذار التي يجب التنزه عنها لأجل أن يكون المسلم طاهرًا نظيفًا!، وإن كانوا يرون بأعينهم أنها طهور مزيل للنجاسة، على أنها تتبخر أو تطير كما يقول العامة عندنا إذا عُرضت للهواء، فلا تبقى في نحو الثوب والإناء؛ وذلك أنها مركبة من عنصري الماء (الأكسجين والأدروجين) وغاز الكربون، فعينها تزول ألبتة دون النجاسات التي يقول الحنفية: إن ما تنجس بها يطهر بالهواء والشمس! فيا أيها المفتون بنجاسة الكحول، وتحريم استعمال كل ما يدخل فيه من أدوية وأصباغ وأدهان وأعطار، وقد اشتدت حاجة البشر إليها في هذه الأعصار، إنكم تحرمون منافع ثبت ثبوتًا قطعيًّا أن بعضها صار من الضروريات، وسائرها من الحاجيات أو من الكماليات، بحيث يجزم العالِم بأصول الشرع أنها في جملتها من فرائض الكفايات، وقد عمت بها النعمى، ولا أقول عمت بها البلوى، وإن مثلكم في القول بإمكان الاستغناء عنها كلها في هذا العصر بدليل الاستغناء عنها فيما قبله، كمثل مَن يقول بإمكان استغناء المسلمين عن أسلحة هذا العصر في الدفاع عن حقيقتهم، كما استغنى عنها مَن قبلهم! فاتقوا الله، واعلموا أن هذه التشديدات التي ما أنزل الله بها من سلطان، المخالفة للحقائق الثابتة بالحس والعقل والوجدان، قد نفَّرت الكثيرين من أهل هذا العصر عن الإسلام، وجعلته من أشد الحرج والإعنات، حتى صار بعض حكامهم يرون أنهم مضطرون إلى ترك شريعته، واتباع قوانين الإفرنج؛ لتكون لهم دولة عزيزة، وأمة راقية محترمة ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

فإذا ظهر لكم بما شرحناه أن فتواكم كانت غلطًا، فإن مما يُعلِي قدركم عند الله وعند الناس أن تصرحوا بذلك، وترجعوا إلى الحق، وتعلنوه للناس، كما كان يفعل سلفنا الصالحون رضي الله عنهم فقد صرح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على المنبر بأن ما كان عزم عليه من تحديد مهور النساء خطأ، وأن المرأة التي راجعته فيه هي التي أصابت، وإن ظهر لكم أنه خطأ فردوا ما أدلينا به من الحجج، وانشروا فتوانا على الناس كما نشرنا فتواكم؛ ليحكم سائر المسلمين بيننا وبينكم، ونحن مستعدون لرد ما نراه خطًا، واتباع ما نراه صوابًا ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ[١٧] الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17 - 18][1].

[1] المنار ج23 (1932) ص657-679.