• عدالة الصحابة عند أهل السنة

    هل الصحابة كلهم عدول أم لا؟

    أكثر أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وقال بعضهم: إنما كانت العدالة عامة قبل حدوث الفتن من قتل عثمان رضي الله عنه وما بعده، واستثنى بعضهم من قاتل عليًّا كرم الله وجهه.

    والذي أراه أن القول بعدالة جميع الصحابة على اصطلاح من لا يشترط في الصحبة طول العشرة، وتلقي العلم والتربية النبوية إفراط، يقابله في الطرف المقابل له تفريط الشيعة في تعديل نفر قليل منهم ولا سيما السائل، وطعنه على السواد الأعظم من جماعة نزل فيهم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الآية، وقوله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] وغير ذلك من الآيات، وورد من الأحاديث النبوية في تعديلهم والثناء عليهم، والنهي عن سبهم، وحظر بعضهم ما لا محل لذكر شيء منه في هذا الجواب الوجيز.

    ثم كان من سيرتهم المتواترة في نشر الإسلام في العالم، وإصلاح البشر به ما هو أكبر حجة علمية تاريخية على تفضيل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على جميع أصحاب الأنبياء والمرسلين، وتفضيل أمته على جميع الأمم، وهذا لا يمنع ارتكاب أفراد منهم لبعض الكبائر، أو الإصرار على بعض الصغائر، الذي يسلب صاحبه وصف العدالة، ولا يقول منصف أن مثل بشر بن أرطاة الذي رأى النبي طفلًا عدل أو مجتهد متأول فيما فعله من استباحة دماء من كانوا خيرًا منه، وهذا لا يبيح هتك حرمة أولئك الأخيار في جملتهم، كما فعل الأستاذ السائل في كتابه الكلمات الذي يُعَرِّف به نفسه حتى في إمضائه.

    والظاهر أنه يريد فتح باب هذه الفتنة بهذه الأسئلة الآن.

    كما طرقه منذ سنتين باقتراح المناظرة التي لم ينسها قراء المنار، وأنه بناها على زعمه أن كلًا من أهل السنة والشيعة يعتقد في الآخر أنه غير متبع سبيل المؤمنين! فأقسم عليك يا عبد الحسين بالله عز وجل، وبحق رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم وآله (ع م) عليك من الاتباع والأسوة الحسنة، أن تكف عن إثارة الشقاق بين عباد الله من هذه الأمة، فكفاها ما هي مبتلاة به من مهاجمة المستعمرين والملحدين لها في دينها ودنياها، وأسال الله تعالى لي ولك التوفيق لجمع الكلمة على ما أجمع عليه سلفها في خير عصورها، وجعل مسائل الخلاف مما يعذر فيه العلماء بعضهم بعضًا بالاجتهاد، وأن يجعل خير أعمالنا كلها خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه، وما كان ينبغي لك أن تدعو لي وحدي بحسن الخاتمة، كأنك مستغنٍ عن الدعاء بها لنفسك، والسلام على من اتبع الهدى. [1]

    [1] المنار ج34 (1934) ص117-118.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1005 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة