• العمرة أفضل أم التصدق على الفقراء؟

    إن السائل بلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا وقام بأداء فريضة الحج عام 78 ميلادية وحج مرة أخرى عام 1979 ميلادية ومنذ هذا التاريخ يقوم كل عام بأداء العمرة مع زوجته ويجد في هذه الرحلة راحة نفسية.

    ويقول: إنه قام بتربية جميع أولاده وتخرجوا من جميع الكليات وينوي هذا العام أن يؤدي العمرة كسابق عهده، ولكن بمناقشة مع عالم جليل إمام وخطيب مسجد في بورسعيد أفاده بأن أداءه لهذه العمرة ليس له أي معنى وخير له أن يصرف تكاليفها على أناس فقراء وأرسل إلينا بعد أن ختم سؤاله بقوله: إنني بهذه الرحلة أستعيد نشاطي من عناء العمل طول العام، حيث إنه يعمل بالتجارة فضلا عن العبادة في الأماكن المقدسة، فما حكم الشرع؟ هل يذهب لأداء العمرة فضلا وتطوعا كل عام أم ينفق تكاليفها على الفقراء؟

    قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].

    وقال صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ مَرَّةً فَمَنْ زَادَ فَتَطَوَّعَ». وقال -صلوات الله وسلامه عليه-: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». متفق عليه.

    معنى الآية الكريمة السابقة: أن الله تعالى جعل البيت الحرام مثابة للناس يعودون إليه شوقا بعد الذهاب عنه أي أن الله جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء إبراهيم -عليه السلام- في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37]. إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ[٤٠]﴾ [إبراهيم: 40].

    فهناك تطمئن الأفئدة وترتاح النفوس وتزول الهموم وتتنزل الرحمات وتغفر الزلات، ومعنى الحديث الأول: أن الحج فرض على القادر المستطيع مرة واحدة في العمر، فمن زاد فتطوع ونافلة في التقرب إلى الله، وكذلك العمرة مطلوبة في العمر مرة وتسمى الحد الأصغر وهي في رمضان أفضل لمن أرادها دون حج، ولا يكره تكرارها بل يندب ويستحب تكرارها للحديث الثاني: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ... إلخ». لأنها كما ورد تمحو الذنوب والخطايا. وقد أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات.

    أما بشأن التصدق على الفقراء والبائسين فقد روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

    وعن أبي عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». الحديث رواه مسلم وقال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٧٧]﴾ [الحج: 77].

    مما سبق يتبين أن الحج والعمرة ليسا واجبين على السائل بعد أداء الحج والعمرة الأولين بل يكونان تطوعا ونافلة في التقرب إلى الله، وقواعد الشريعة وحكمة الله تعالى في توجيه عباده إلى فعل الخير على أساس تقديم الأهم والأصلح، وذلك يقتضي بأن يقدم السائل وأمثاله مصالح وحاجات إخوانه المسلمين المعدمين الذين هم في مسيس الحاجة إلى ما يؤويهم وما يستعينون به على قضاء حوائجهم الضرورية فليس لله حاجة في الطواف ببيته من شخص يترك إخوانه البائسين فريسة للفقر والجهل والمرض؛ لأن المسلمين جميعا يجب أن يكونوا يدا واحدة يتعاونون على البر والتقوى وإذا تألم عضو من جماعة المسلمين يجب على إخوانه المسلمين أن يتجاوبوا معه ليزيلوا ألمه أو يخففوا عنه، وإننا نرى أنه من الأولى بالأخ السائل ما دام قد وفقه الله وأدى حجة الإسلام مرة، فأولى به أن يوجه ما يفيض عن حاجته إلى أوجه الخير والإنفاق على الفقراء والمساكين.

    فنسأل الله تعالى أن يضاعف له الأجر والثواب فإن يسر الله عليه واستطاع أن ينفق في وجوه الخير والبر وعنده ما يستطيع به الذهاب لأداء العمرة مرة بعد مرة فلا مانع شرعًا.

    وفقنا الله تعالى إلى فهم ديننا على الوجه الصحيح وألهمنا الرشد والقبول.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-
    1- العمرة مطلوبة في العمر مرة ويستحب تكرارها تطوعا.

    2- قضاء مصالح وحاجات المسلمين المعدمين أولى من العمرة.

    3- إذا استطاع المسلم أن ينفق في وجوه الخير والبر وعنده ما يستطيع به الذهاب لأداء العمرة فلا مانع شرعًا.

    بتاريخ: 7/2/1985

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 76 س:120 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: عبد اللطيف عبد الغني حمزة
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة