• المرأة البرزة وخطابتها على الرجال مكشوفة الوجه

    ما قولكم في النساء المتبرزات كالخطبة أمام الرجال مكشوفة الوجه؟ فإن جوزتم، فما مراد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك﴾ [الأحزاب: 28] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] إلى ﴿تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. أفتونا يا سيدي بيانًا شافيًا فلكم الشكر منا، ومن الله الأجر والثواب، والسلام.[1]

    قوله في السؤال المتبرزات غلط أو محرف أصله البرزات، فالتبرز الخروج إلى البراز (بالفتح) وهو الفضاء الواسع، وغلب استعماله في قضاء الحاجة.

    والبرزة (كضخمة) معناها المرأة البارزة المحاسن، وغلب استعماله عند العرب والمولدين بما نقله أصحاب المعاجم عن رواة اللغة كقول صاحب لسان العرب: قال ابن الأعرابي: قال الزبيري: البرزة من النساء التي ليست بالمتزايلة التي تزايلك بوجهها تستره عنك وتنكب إلى الأرض، والمخرمقة التي لا تتكلم إن كُلِّمت.

    وقيل: امرأة برزة متجالة تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون عنها.

    وفي حديث أم معبد: وكانت امرأة برزة تختبئ بفناء قبتها.

    أبو عبيد: البرزة من النساء الجليلة التي تظهر للناس ويجلس إليها القوم.

    وامرأة برزة موثوق برأيها وعفافها، ويقال: امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس إلى الناس وتحدثهم، من البروز وهو الظهور والخروج اهـ.

    وأم معبد التي ذكرها هي الخزاعية الصحابية التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الصدِّيق رضي الله عنه في حديث الهجرة في طريقهما من مكة إلى المدينة ومعهما خادمهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهما عبد الله بن أريقط (وكان مشركًا ثم أسلم) فسألوها عن لحم وتمر ليشتروا منها، فاعتذرت بالقحط وتمنت لو كان عندها قرآءٌ تضيفهما به، وكان بجانب خيمتها شاة عجفاء لا تستطيع الخروج إلى المرعى، فاستأذنها النبي صلى الله عليه وسلم بحلبها فقالت له: احلبها إن وجدت فيها حلبًا.

    فمسح ضرعها، ودعا الله تعالى، وحلبها فدرّت فسقى أم معبد، ثم من معه، ثم شرب على سنته إذ قال: «سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا»[2] ثم حلب وأبقى عندها اللبن لتسقي منه أبا معبد عند عودته، وقصتها معروفة في كتب الحديث والسير، واسمها (عاتكة بنت خالد الخزاعي) قيل: كانت مسلمة قبل مرور النبي صلى الله عليه وسلم بها، وقيل: أسلمت بعد ذلك، وعاشت إلى عام الرمادة في خلافة عمر رضي الله عنه.

    فإن كان مراد السائل من النساء البرزات، فلا حرج في خطبتهن سافرات، فقد كان كثير من نساء الصحابة ومن بعدهم برزات يحضرن صلاة الجماعة ومجالس العلم، ويخطبن الرجال، ويروين الحديث.

    وإن كان مراده بروز النساء للرجال كيفما كانت حالتهن وصفاتهن ومخالطتهن لهم، فالحكم يختلف باختلاف ذلك كما هو معروف، وإننا لنرى من بعض نساء مصر في بروزهن ما يتبرأ منه الإسلام، وكل دين وأدب وشرف.

    لم يرد في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نص في تحريم ما ذكرنا، ولا في سيرة نساء السلف الصالح شيء من منع المرأة أن تقف مكشوفة الوجه تخطب على الرجال فيما هو حق ومصلحة، وقد بيَّنا في كتابنا نداء الجنس اللطيف في حقوق النساء في الإسلام تحت عنوان: (آداب المرأة وفضائلها) جملة ما ورد في ستر النساء وملابسهن ومخالطتهن للرجال ومسألة حجب نساء الأمصار، وفسرنا فيه الآيتين الكريمتين اللتين ذُكِرَتا في السؤال وغيرهما بما يعلم منه جوابه مفصلًا، فليراجعها الرئيس الفاضل في المسائل 54 - 57 من صفحة 106 إلى 113 منه إن لم يكن قرأها بعد إرسال سؤاله إلينا، فإن بقي له بعد ذلك في الموضوع ما يبغي بيانه، فليتفضل بالسؤال عنه.

    [1] المنار ج34 (1934) ص440-442.
    [2] رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما بهذا اللفظ، وبدون كلمة: «شُرْبًا» أحمد والبخاري في التاريخ وأبو داود. المنار ج34 (1934) ص441. الحاشية.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1023 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة