• تخبط الشيطان من المس

    مولاي الأستاذ: جرى الحديث بيني وبين أحد إخواني العلماء في جمع من أهل المعرفة فيما يدعيه بعض الدجاجلة من القدرة على استخدام الأرواح، وتسخير الجن في قضاء الحاجات، وشفاء الأمراض، وقطع المسافات البعيدة في المدة الوجيزة، وغير ذلك، فأنكرت عليه قدرة الإنسان على شيء من ذلك، كما أنكرت أن يكون لهذه الأرواح سلطان على البشر إلا ما توسوس به إليه، فاستظهر علي بالآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] وحاول أن يتخذ منها دليلًا على تسلط الشيطان على الإنسان -فاحتكمت وإياه إلى الجزء الثالث من تفسير المنار، وبمراجعته وجدناكم قد اختصرتم القول في هذا الموضوع اختصارًا لا يشفي غلة المتطلع، فآثرت أن أتوجه بالسؤال لفضيلتكم علكم تبسطون القول في [مناركم] الأغر في موضوعنا هذا بما يشفي ويكفي، مع التفضل بالإجابة على ما يأتي.

    - هل الآية قاطعة في وجود هذا النوع من التسلط كما يقتضيه ظاهر التشبيه، وهل هناك دليل قاطع سواها؟

    [جواب المنار] تسخير الناس للجن وسلطان الجن على الناس: إن كنت قد اختصرت في الكلام على الجن والشياطين في تفسير آية آكلي الربا من الجزء الثالث، فقد أطلت في ذلك في تفسير آيات من سورة الأنعام والأعراف وغيرها، وفي مواضع من المنار، ولذلك أوجز هنا في الجواب فأقول: لو كان الجن مسلطون على الإنس بما يشاؤون من نفع وضر، وكان دجاجلة يسخرونهم في هذا كما يشاؤون لتحكم هؤلاء الدجالون في أموال الناس وأنفسهم، ولتنافس الملوك والأغنياء في اصطناعهم؛ ولكنا نراهم أحقر الناس وأفقرهم إلا من استطاع بدهائه أن يخدع بعض الأغبياء الجاهلين والنساء، فيسلب أموالهم بالحيل، كما ظهر في مصر في هذين العامين، وفي غيرهما عندما رفعت القضايا على بعض من اشتهروا باستخدام ملوك الجن، على أن كثيرًا من الناس حتى المتعلمين والأذكياء يخدعون بحوادث يخفى عليهم الدجل فيها، وإن لقوى نفس الإنسان تأثيرًا في كثير من الأمور بما يخالف المألوف المعروف، وهي شاذة لا تتخذ سننًا عامة.

    - إن آية تشبيه قيام آكلي الربا بقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس، لا تفيد دلالة قطعية على تسلط الجن والشياطين على الناس بما شاؤوا من نفع وضر، فإن كان التشبيه مبنيًّا على ما كان معهودًا عن العرب وغيرهم، ولا سيما النصارى من اعتقادهم أن بعض الجنون يكون بملابسة الشيطان للمجنون من غير أن يكون إقرارًا لهم عليه كما قال البيضاوي وغيره من المفسرين فالأمر ظاهر، وإن كان يتضمن إقرارهم عليه كما يقول آخرون، فهذه الملابسة غيبية لا تُعْرَف حقيقتها ولا سببها، ولا تدل الآية دلالة قطعية على أنها تكون بسلطة للشيطان عامة، أو خاصة هو مختار فيها، وربما كان الأقرب إلى العقل فيها أن الإنسان إذا عرض له ضعف في أعصابه واختل إدراكه ومزاجه، تحدث لنفسه مناسبة قوية بروح الشيطان الذي وظيفته الوسوسة، فيقوى تأثيره فيها بهذا النوع من الجنون، كما تقوى المناسبة بين جسد الإنسان وبعض ميكروبات الأمراض باختلال مزاج الجسم، فتلابسه بما لا تستطيعه في حالة قوة الجسم وسلامته، ولهذا جُرِّبَ شفاء هذا النوع من الجنون بالعلاج الروحاني الذي هو عبارة على توجه روح بشرية قوية ظاهرة إلى روح المجنون، بما يقويها ويطرد روح الشيطان منها، ومن وسائل هذا العلاج الدعاء والرقية، وهو المروي عن المسيح عليه السلام، وعمن دونه من الروحانيين، ووقع لنا شيء منه ذكرناه في مثل هذا البحث من المنار وتفسيره.[1]

    [1] المنار ج34 (1934) ص591-592.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1030 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة