• الوقف على المدرسين بالجامع الأحمدي

    سئل بإفادة واردة من مشيخة الجامع الأحمدي صورتها: نرجو بعد الاطلاع على نص وقفية المرحوم منشاوي باشا المرفقة صورته بهذا الإفادة عن الحكم الشرعي في المسائل الآتية: أولًا: يوجد من علماء الجامع الأحمدي من يشتغل بالتدريس بجامع المرحوم المنشاوي دون الجامع الأحمدي، فهل يستحقون نظرا إلى أن كلمة «المدرسين» تعتبر لقبا، وأنهم يصدق عليهم أنهم لم يشغلهم عن التدريس بالجامع الأحمدي كسب دنيوي، ونظرا إلى أن الواقف كان يقر ذلك لو جرى في أيامه، أو لا يستحقون نظرا إلى أن كلمة «المدرسين بالجامع الأحمدي» وصف لم يتحقق فيهم؟ ثانيًا: يوجد من علماء الجامع الأحمدي مدرسون انقطعوا عن التدريس بالجامع الأحمدي، واعتبرهم مجلس الأزهر الأعلى من المتقاعدين، وأقام بعضهم ببلده، إلا أنه بقي لهم مرتبات بالجامع الأحمدي، وحق في صندوق النذور به، فهل الحكم الشرعي أنهم يستحقون أو لا؟ ثالثًا: يوجد من علماء الجامع الأحمدي من يشتغل بإدارة التدريس لا بنفس التدريس كالشيخ والوكيل، فهل لا يستحقون نظرا إلى أن كلمة «المدرسين» في قوله: «العلماء المدرسين» تعتبر وصفا لا يتصفون به حين اشتغالهم بالإدارة، أو يستحقون نظرا إلى أن العرف يعتبر كلمة «المدرسين» لقبا، وعملهم الإداري لا بد منه لتحقق التدريس المطلوب؟ رابعًا: يوجد من العلماء من عملهم الأصلي مراقبة التدريس لا التدريس، ولكنهم في بعض الأحيان ينوبون عن المدرسين، فهل يستحقون نظرا لذلك، ولأنهم لم يشغلهم عن التدريس كسب دنيوي؛ بل عمل ديني يتعلق بالتدريس أو لا يستحقون؟ خامسًا: يوجد من العلماء من اشتغل بالتدريس بالجامع الأحمدي في أثناء العام، فهل يستحقون بنسبة مدة تدريسهم من السنة، وإن ظهرت الغلة بعد تدريسهم أو لا يستحقون، أو كيف الحال؟ وتفضلوا بقبول عظيم التحية وفائق الإجلال.

    صورة نص وقفية المرحوم المنشاوي باشا: «ويصرف ريعها كل عام ثلاثمائة جنيه من الجنيهات المصرية على السواء للعلماء المدرسين بجامع سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، الذين لم يشغلهم عن إلقاء دروسهم بالجامع المذكور أي عمل من الأعمال الكسبية الدنيوية الموجودين بطنطا أيام التدريس الرسمي، ولا يضر في ذلك تغيبهم لأداء فريضة الحج، وللأمور الشرعية، بحيث لا تنقطع نسبتهم عن الجامع المذكور بذلك التغيب، كما لا يضر تأخيرهم عن الدروس للمرض أو الهرم أو الزمانة التي أقعدتهم عن ذلك قعودا واضحا لجميع أهل محلته أو جلهم ما عدا المتوطنين منهم بطنطا الذين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، أو اتخذوا لهم ولعيالهم بيتا مستديما للتوطن به جميع أيام العام، فلهم ضعف من لم يكن بهذه الصفة من علماء الجامع الأحمدي، ويستثنى من المتوطنين المذكورين الذين جعل لكل منهم قدر حصتين من الحصص التي عمت جميع علماء الجامع الأحمدي من علماء هذا الجامع حاز أي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر، كنقد رتب له منه، أو جواز تدريس به، أو كسوة تشريف، فإنه لا يأخذ من هذا الوقف إلا قدر حصة واحدة، ولا يقر بالضعف المذكور -أعني الحصتين- إلا المتوطن المذكور الذي لم يحز الامتياز الأزهري جبرا لخاطره عما فاته من ذلك، مع قيامه بمدينة طنطا المستوجب لزيادة النفقة، ومن حاز لقب العالمية بعد فلا يزاحم أهل الاستحقاق فيما يتناولونه من ذلك، وعليه أن ينتظر، وإذا انحل نصيب من الأنصباء استحقه إن كان فذا، وإلا اشترك فيه الاثنان فما فوقهما بلا تفاضل».
     

    اطلعنا على خطاب فضيلتكم الوارد لنا بتاريخ 24 رجب سنة 1333 الموافق 7 يونيه سنة 1915 نمرة 65، وعلى صورة نص وقفية المرحوم منشاوي باشا المرفقة به المختص بالثلاثمائة جنيه التي شرط صرفها لحضرات العلماء المدرسين بجامع سيدي أحمد البدوي -رضي الله تعالى عنه-، ونفيد:

    أولًا: عن السؤال الأول: إن المراد بالمدرسين بجامع سيدي أحمد البدوي في كلام الواقف المذكور هو من يكون مشتغلا بالتدريس بالفعل كالمعتاد، ويكون منتسبا للجامع المذكور كالعادة في ذلك وموجودا بطنتدا أيام التدريس الرسمي إلا إذا طرأ عليه عذر من الأعذار التي بين الواقف في كتاب وقفه أنها لا تضر في ذلك على ما يأتي، ويكون الطلبة المقصودون بإلقاء الدرس منسوبين أيضًا للجامع الأحمدي على حسب المعتاد في الانتساب إليه، ولو كان إلقاء الدرس في مكان آخر غير الجامع المذكور كما يقضي بذلك العرف في مثل هذا، وكما يدل على اشتراط التدريس بالفعل وصف الواقف للعلماء بالمدرسين، وبقوله: (الذين لم يشغلهم عن إلقاء دروسهم بالجامع المذكور... إلخ) فمن لم يكن مدرسا بالفعل كالمعتاد، أو لم يكن منتسبا للجامع الأحمدي، أو لم يكن موجودا بطنتدا أيام التدريس الرسمي، ولم يقم به عذر من الأعذار التي قال الواقف إنها لا تضر في ذلك على ما يأتي -لا يستحق شيئًا في ذلك المبلغ، وعلى ذلك متى كان من يشتغل بالتدريس بالفعل بجامع المرحوم منشاوي باشا من علماء الجامع الأحمدي المنسوبين إليه كالعادة في ذلك، وكان الطلبة المقصودون بإلقاء درسه عليهم منسوبين كذلك للجامع الأحمدي، ولم يشغله عن إلقاء درسه أي عمل من الأعمال الكسبية الدنيوية كان مستحقا لنصيبه في المبلغ المذكور على الوجه الآتي.

    ثانيًا: عن السؤال الثاني: إن الواقف نص على أنه لا يضر تأخير من يتأخر من علماء الجامع الأحمدي عن الدروس للمرض أو الهرم أو الزمانة التي أقعدته عن ذلك قعودا واضحا لجميع أهل محلته أو جلهم، ما عدا المتوطنين منهم بطنتدا الذين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلى أن قال: (فلهم ضعف من لم يكن بهذه الصفة من علماء الجامع الأحمدي)، وعلى ذلك فمتى كان من انقطع من علماء الجامع الأحمدي عن التدريس بالفعل، واعتبرهم مجلس الأزهر الأعلى من المتقاعدين منقطعا عن التدريس بالفعل لعذر المرض أو الهرم أو الزمانة كان مستحقا لما شرطه له الواقف على ما يأتي، فمن كان منهم متوطنا بطنتدا لا يظعن عنها شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، أو اتخذ له ولعياله بيتا مستديما للتوطن به جميع أيام العام، ولم يحز أي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر التي بينها الواقف كان مستحقا لحصتين، كما يكون لغيره من علماء الجامع الأحمدي الأصحاء المتوطنين بطنتدا المشتغلين بالتدريس بالفعل على وجه ما ذكر حصتان أيضًا، إذا لم يحز أي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر التي بينها الواقف، وأما من كان منقطعا من علماء الجامع الأحمدي عن الدروس للمرض أو الهرم أو الزمانة، وكان متوطنا ببلد آخر غير طنتدا، ولم يتخذ له ولعياله بيتا مستديما للتوطن به فيها جميع أيام العام، فإنه يستحق لحصة واحدة مطلقا سواء حاز أي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر المبينة في كلام الواقف، أو لم يحز شيئًا منها، كما أن من يكون من علماء الجامع الأحمدي حائزا لأي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر كنقد رتب له منه، أو جواز تدريس، أو كسوة تشريف فإنه لا يأخذ من ذلك المبلغ إلا قدر حصة واحدة؛ عملا في ذلك كله بما قضى به شرط الواقف، مع العلم بأن انقسام المبلغ الموقوف على علماء الجامع الأحمدي حصصا على وجه ما ذكر إنما هو على عدد حصص العلماء الذين كانوا موجودين وقت صدور هذا الوقف دون الذين حازوا لقب العالمية بعد صدوره، فلو فرضنا أن عدد العلماء وقت صدور الوقف كان أربعين عالما، منهم عشرة كل منهم متوطن بطنتدا أو اتخذ له ولعياله بيتا مستديما للتوطن به جميع أيام العام، ولم يحز أي امتياز من امتيازات الجامع الأزهر، لا فرق فيهم بين المشتغل بالتدريس بالفعل، والمنقطع منهم لعذر المرض أو الهرم أو الزمانة فاستحق كل واحد من هؤلاء حصتين، فيكون مجموع حصصهم عشرين حصة، ومنهم خمسة عشر عالما قد انقطعوا عن التدريس لعذر المرض أو الهرم أو الزمانة، وتوطنوا ببلد آخر غير طنتدا، فاستحقوا خمس عشرة حصة، لكل واحد منهم حصة، ومنهم خمسة عشر عالما حاز كل واحد منهم امتيازا من الامتيازات التي بينها الواقف، فاستحقوا خمس عشرة حصة أيضًا، لكل واحد منهم حصة، فكان مجموع الحصص خمسين حصة، قسم المبلغ المذكور الذي هو الثلاثمائة جنيه على خمسين جزءا على وجه ما ذكر، فيعطى من كان له حصتان جزأين من خمسين جزءا من ذلك المبلغ، ومن كان له حصة واحدة يعطى جزءا واحدا من خمسين جزءا ينقسم إليها المبلغ المذكور، ويختص بذلك المبلغ علماء الجامع الأحمدي الذين كانوا موجودين وقت صدور الوقف ما داموا موجودين على قيد الحياة، وينطبق عليهم شرط الواقف على الوجه الذي بيناه. وكلما انحل نصيب من الأنصباء سواء كان ذلك النصيب حصة أو حصتين، وسواء كان انحلال ذلك النصيب بموت من كان يستحقه، أو بزوال الوصف الذي كان به مستحقا بمقتضى شرط الواقف -استحق ذلك النصيب من حاز لقب العالمية بعد صدور الوقف، فإن كان واحدا فقط استقل به وحده، وإن كان أكثر من واحد اشتركوا فيه بلا تفاضل، وكل من حاز لقب العالمية، واشتغل بالتدريس بالجامع الأحمدي على وجه ما قلنا وقت ظهور الغلة شارك فيها من قبله، وذلك كله عملا بقول الواقف: (ومن حاز لقب العالمية بعد فلا يزاحم أهل الاستحقاق فيما يتناولونه من ذلك وعليه أن ينتظر، وإذا انحل نصيب من الأنصباء استحقه إن كان فذا، وإلا اشترك فيه الاثنان فما فوقهما بلا تفاضل).

    ثالثًا: عن السؤالين الثالث والرابع: إن من اشتغل بإدارة التدريس لا بنفس التدريس كالشيخ والوكيل، أو اشتغل بمراقبة التدريس لا التدريس، ولكنهم في بعض الأحيان ينوبون عن المدرسين -فهؤلاء لا يستحقون شيئًا في ذلك المبلغ لعدم انطباق شرط الواقف عليهم، أما أولًا: فلأنهم ليسوا مدرسين بالفعل على حسب المعتاد، وأما ثانيًا: فلأنهم لم يتأخروا عن الدروس بسبب الأعذار التي بينها الواقف من المرض أو الهرم أو الزمانة.

    رابعًا: عن السؤال الرابع: إن العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس بالجامع الأحمدي في أثناء العام فطبعا لا يكونون إلا من الفريق الذين حازوا لقب العالمية بعد صدور الوقف، وقد علم الحكم فيهم مما سبق.

    المبادئ:-

    1- المراد بالمدرسين بالجامع الأحمدي في قول الواقف هو كل من يشتغل بالتدريس فعلا كالمعتاد ويكون منتسبا للجامع الأحمدي ولو قام بالتدريس في غيره.

    2- من كان منقطعا من علماء الجامع الأحمدي عن الدروس لمرض أو هرم أو زمانة وكان متوطنا بطنطا بصفة مستمرة، ولم يحز أي امتياز من الأزهر، فله حصتان من الوقف، أما إذا لم يكن متوطنا بطنطا، فيستحق حصة واحدة مطلقا.

    3- من اشتغل بإدارة التدريس لا بنفس التدريس كالشيخ والوكيل لا يكون من المستحقين في الوقف، لأنهم ليسوا مدرسين فعلا ولأن تأخرهم عن الدروس ليس عذرا من الأعذار التي بينها الواقف.

    بتاريخ: 16/6/1915

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 26 س:10 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد بخيت المطيعي
    تواصل معنا

التعليقات