• الوقف على أقارب الواقف استحقاقا وسكنى

    سئل في أن المرحوم العلامة الشيخ محمد الأمير الكبير وقف وقفًا كائنا بمصر بتاريخ 25 ذي الحجة سنة 1215، وسجل ذلك بسجل الباب العالي أنشأ مولانا الواقف المشار إليه وقفه وإرصاده المومى إليه من تاريخه أدناه على نفسه أيام حياته، ثم من بعد وفاته لله سبحانه وتعالى وانتقاله إلى دار الكرامة يكون ذلك وقفًا وإرصادا مصروفا ريعه على ولده فخر الأفاضل العظام عمدة العلماء الأعلام صدر المدرسين مفيد الطالبين بالإفهام شمس الدين محمد الأمير المالكي من أهل الإفادة والتدريس بالجامع الأزهر بمصر حالا دام عزه، وعلى كل من كان موجودا لمولانا العلامة الواقف المذكور من الأولاد لصلبه ذكورا وإناثا بالسوية بينهم، ثم من بعد كل منهم على أولاده، ثم على أولاد أولاده، ثم على أولاد أولاد أولادهم، ثم على ذريتهم ونسلهم وعقبهم، طبقة بعد طبقة ونسلا بعد نسل وجيلا بعد جيل. الطبقة العليا منهم تحجب الطبقة السفلى من نفسها دون غيرها بحيث يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره، يستقل به الواحد منهم إذا انفرد ويشترك فيه الاثنان فما فوقهما عند الاجتماع. على أن من مات منهم وترك ولدا أو ولد ولد أو أسفل من ذلك انتقل نصيبه من ذلك لولده أو ولد ولده وإن سفل، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك انتقل نصيبه من ذلك لإخوته وأخواته المشاركين له في الدرجة والاستحقاق، فإن لم يكن له إخوة ولا أخوات فلأقرب الطبقات للمتوفى من أهل هذا الوقف الموقوف عليهم. وعلى أن كل من انتقل بالوفاة من الموقوف عليهم قبل دخوله في هذا الوقف والإرصاد المعين أعلاه واستحقاقه لشيء من منافعه وترك ولدا أو ولد ولد أو أسفل من ذلك قام ولده أو ولد ولده وإن سفل مقامه في الدرجة والاستحقاق، واستحق ما كان أصله يستحقه أن لو كان الأصل حيًا باقيًا لاستحق ذلك يتداولون ذلك بينهم كذلك إلى حين انقراضهم أجمعين، فإذا توفي الواقف المذكور ولم يوجد له ذرية أو كانوا وانقرضوا، يكون ذلك وقفًا وإرصادا مصروفا ريعه في كل عام يصرف المتحصل منه آخر العام على أقارب الواقف المذكور أعلاه على حكم ميراثهم من الواقف لو كان حيًا ومات عنهم في ذلك الوقت لا فرق بين أقارب الأب وأقارب الأم، لكن كل ذلك بحكم الميراث الشرعي بين ذوي الفروض والعصبات وذوي الرحم عاما فعاما يتغير الحكم بتغير الأحوال وهلم جرا، إلى حين انقراض كامل أقارب الواقف المذكور، فإن لم يوجد أقارب الواقف أو كانوا وانقرضوا، كان ذلك وقفًا وإرصادا مصروفا ريعه على ما يبين فيه: فالثلثان من ذلك يصرف على السادة المجاورين برواق السادة الصعايدة بالجامع الأزهر، والثلث الثالث يصرف على السادة الفشنية بالجامع الأزهر المذكور، فإن تعذر الصرف لأحدهما صرف ريع ذلك الوقف للحرمين الشريفين حرم مكة المشرفة وحرم المدينة المنورة -على الحال بها أفضل الصلاة والتسليم- سوية بينهما فإن تعذر الصرف لذلك صرف ريع كامل الوقف والإرصاد المرقوم للفقراء والمساكين والأرامل والمنقطعين من المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، تجري الحال في ذلك كذلك وجودا وعدما تعذرا وإمكانا أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

    وشرط مولانا العلامة الشيخ محمد الكبير الواقف المشار إليه في وقفه هذا شروطا حث عليها وأكد في العمل بها، فوجب المصير إليها، منها: أن يبدأ من ريع ذلك بعمارته ومرمته وصلاحية أرض الأطيان لظهور منفعتها وما فيه البقاء لعينه والدوام لمنفعته ولو صرف في ذلك جميع غلته، وأن يدفع ما على العقار المحكر المذكور من الحكر لجهة وقف أصله على الحكم المسطور.

    ومنها: أن مولانا العلامة الشيخ محمد الأمير الكبير الواقف المشار إليه شرط النظر على كامل وقفه وإرصاده المذكور لنفسه الزكية أيام حياته، ثم من بعده يكون النظر على ذلك بين المستحقين من أولاد الواقف المذكور وذريتهم ونسلهم وعقبهم طبقة بعد طبقة ونسلا بعد نسل وجيلا بعد جيل على الحكم المسطور، كل منهم له التكلم على ذلك لا يتصرف أحدهم في شيء من ذلك إلا بعد اجتماعهم ومشاورتهم على ذلك واجتماع رأيهم جميعا، فإن اختلفوا في شيء من ذلك نظر الحاكم الشرعي في الرأي الأصوب يحقه، هذا في وجود الذرية ونسلهم وعقبهم على الحكم المسطور. وعند أيلولته لأقارب الواقف يكون النظر على ذلك لمن يكون شيخا على السادة المالكية وكبيرا عليهم بالجامع الأزهر وهلم جرا. وعند أيلولته لرواق السادة الصعايدة ورواق السادة الفشنية؛ فلكل من يكون شيخا عليهم وهلم جرا. وعند أيلولته للحرمين الشريفين فلناظرهما حين ذاك. وعند أيلولته للفقراء والمساكين فلرجل من أهل الدين والصلاح والعفة والنجاح يقرره في ذلك حاكم المسلمين الحنفي بالديار المصرية حين ذاك لينظر فيه بتقوى الله العظيم ويجريه على حكمه المسطور على النص والتقسيم.

    ومنها: أن الواقف المشار إليه شرط أن كل حليلة مات عنها مولانا الواقف وهي في فراشه بملك اليمين سواء كانت أم ولد أو مسبوق بعتقها ومن مات عنها وهي في عصمته بعقد النكاح بعد دخوله بها فلها السكنى في مكان لائق بها من أمكنة الوقف تختاره هي بلا أجرة، ولها زيادة على ذلك استحقاق مثل واحد من الذرية لصلبه ونسلهم وعقبهم في النظر واستحقاق المال عليهما في ذلك حكم الذرية اجتماعا وانفرادا وجدت ذرية أو لم توجد، كانت هي في مرتبتهم كل ذلك ما دامت عزبا كل منهم، فإن تزوجت إحداهن أو هن معا سقط حق كل من تزوجت منهن ولها ولباقي المستحقين بهذا الوقف من الذرية ونسلهم وعقبهم، وكذلك إن ماتت إحداهن أو هن معا فيعود استحقاقهن للذرية المذكورين وهلم جرا. ومنها: أن يصرف من ريع ذلك في كل شهر من شهور الأهلة من الفضة الأنصاف العددية ستون نصفا فضة وذلك على ما يبين: ما هو لرجلين من حملة كتاب الله تعالى يقرآن في كل يوم ما تيسر قراءته بسكن الواقف من القرآن العظيم عشرون نصفا فضة سوية بينهما، وما هو في قراءة قرآن عظيم الشأن وتفرقة خبز قرصة وتسبيل ماء عذب وخوص وريحان وصدقة يفرق ذلك ويسبل على تربة الواقف المذكور بعد وفاته في أيام الجمع والأعياد على العادة في ذلك في كل شهر أربعون نصفا فضة باقي ذلك.مات الواقف المذكور عن ولده الشيخ محمد الأمير الصغير وشقيقه الشيخ عبد الكريم، ثم مات ولده الشيخ محمد الأمير الصغير المذكور عقيما فانقرضت بموته ذرية الواقف وآل إلى شقيق الواقف الشيخ عبد الكريم المذكور، ثم مات هذا عن ولديه الشيخ محمد والشيخ أحمد فانفردا واستقلا بريع الوقف المذكور، ثم مات الشيخ محمد أولًا عن ولدين وهما: عبد الكريم وعبد العزيز، ثم مات الشيخ أحمد عن ولدين كذلك وهما: عبد السلام ومحمد، فكان هؤلاء وهم: عبد الكريم وعبد العزيز ولدا الشيخ محمد، وعبد السلام ومحمد ولدا الشيخ أحمد طبقة واحدة انفردوا واستقلوا بريع الوقف المذكور. ثم إنهم جميعا ماتوا على الترتيب الآتي معقبين أولادا موجودين، مات عبد الكريم عن ولده خليل، ثم مات عبد السلام عن ولده محمد وبنتيه: زينب وبهية، ثم مات محمد عن ولده مصطفى وبنته رقية، ثم مات عبد العزيز عن ولده عبد المجيد. فهل يستحقون جميعا ذكورا وإناثا في ريع الوقف المذكور أم الاستحقاق خاص بالذكور؟ وكيف تكون قسمة ريع الوقف بين المستحقين منهم؟ وهل منزل الواقف المذكور لسكنى المستحقين أم هو للاستغلال، حيث إن الواقف أطلق؟ أفندم.
     

    اطلعنا على هذا السؤال وعلى كتاب الوقف المذكور، ونفيد أنه حيث قال الواقف في كتاب وقفه: «فإذا توفي الواقف المذكور ولم يوجد له ذرية أو كانوا وانقرضوا يكون ذلك وقفًا وإرصادا مصروفا ريعه في كل عام يصرف المتحصل منه آخر العام على أقارب الواقف المذكور أعلاه على حكم ميراثهم من الواقف لو كان حيًا ومات عنهم في ذلك الوقت لا فرق بين أقارب الأب وأقارب الأم، لكن كل ذلك بحكم الميراث الشرعي بين ذوي الفروض والعصبات وذوي الرحم عاما فعاما يتغير الحكم بتغير الأحوال وهلم جرا إلى حين انقراضهم»، وحيث إن الواقف توفي عن ابنه المرحوم الشيخ محمد الأمير الصغير فقط، وعن شقيقه الشيخ عبد الكريم، ثم مات ابنه المذكور عقيما وآل ريع الوقف لشقيقه الشيخ عبد الكريم المذكور عملا بشرط الواقف المرقوم، وبوفاته انتقل الاستحقاق لولديه: محمد وأحمد الذين هما ابنا أخي الواقف عملا بالشرط المتقدم أيضًا، ثم بوفاة محمد عن ولديه: عبد الكريم وعبد العزيز، وأحمد عن ولديه: عبد السلام ومحمد؛ ينتقل الاستحقاق إليهم بالسوية؛ لكونهم أبناء ابني أخي الواقف إذ لو فرض أن الواقف كان حيًا ومات عنهم، فإنهم يرثونه بالعصوبة بالسوية بينهم، وقد جعل الاستحقاق للأقارب على حسب الاستحقاق في الإرث. وحيث إن عبد الكريم مات عن ابنه خليل، وعبد العزيز مات عن ابنه عبد المجيد، وعبد السلام مات عن أولاده: محمد وزينب وبهية، ومحمد مات عن ولديه: مصطفى ورقية. وحيث إننا لو فرضنا أن الواقف كان حيًا ومات عن المذكورين لانحصر إرثه في الذكور من أولاد أبناء ابني أخي الواقف دون الإناث؛ لأن الذكور هم العصبة والإناث من ذوي الأرحام. فعلى ذلك يكون مقتضى شرط الواقف -وهو أن يكون الاستحقاق في الوقف على حسب الاستحقاق في الإرث- أن العصبة مقدمون على ذوي الأرحام. وحيث إن خليل وعبد المجيد ومحمد ومصطفى هم عصبة الواقف؛ لأنهم أبناء أبناء ابني أخي الواقف الشقيق، ولا شيء لزينب وبهية بنتي عبد السلام بن أحمد بن عبد الكريم شقيق الواقف، ولا لرقية بنت محمد بن أحمد بن عبد الكريم شقيق الواقف؛ لأنهن بنات أبناء ابني أخي الواقف فهن من ذوي الأرحام المؤخرين في الميراث عن أصحاب الفروض والعصبة، وأما الجواب عن السؤال الثاني: فحيث ماتت المشروط لها السكنى في أي مكان من أمكنة الوقف فبموتها صارت جميع أمكنة هذا الوقف للاستغلال يقسم ريعها بين مستحقي هذا الوقف المذكورين بالسوية كشرط الواقف.

    والله أعلم.

    المبادئ:-

    1- الوقف على الأقارب على حكم الميراث يشمل أقارب الأب والأم مقيدا بحكم الميراث بين ذوي الفروض والعصبات ذوي الأرحام عاما فعاما يتغير الحكم بتغير الأحوال ويقتضي تقديم العصبة على ذوي الأرحام كالإرث تماما عملا بشرط الواقف.

    2- بموت المشروط له السكنى في أي مكان من أمكنة الوقف تصير جميع الأعيان للاستغلال ويقسم ريعها كله على جميع المستحقين.

    بتاريخ: 14/8/1917

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 186 س:14 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد بخيت المطيعي
    تواصل معنا

التعليقات