• وقف استحقاقي وسكنى

    سئل في واقف ‏أنشأ وقفه الصادر من محكمة مصر ‏الشرعية في 29 ذي الحجة سنة 1288 ‏على نفسه، ثم من بعده على من عينهم ‏بكتاب وقفه المرقوم، وقد شرط سعادة ‏الواقف المشار إليه في وقفه هذا شروطا ‏منها: أنه جعل المكان المعبر عنه بالسراي ‏المذكورة في وقفه هذا على من يكون ناظرا ‏على الوقف المذكور من الموقوف عليهم ‏من كل طبقة مستحقة لذلك، حيث قال هناك ‏ما نصه: (ومنها أن تكون السكنى بالمكان ‏المعبر عنه بالسراية المذكورة لمن يكون ‏ناظرا على الوقف المذكور من الموقوف ‏عليهم من كل طبقة مستحقة لذلك على ‏النص والترتيب المشروحين أعلاه إلى حين ‏انقراضهم أجمعين).

    ثم أنشأ سعادة الواقف المذكور وقفًا آخر ‏جعله على نفسه، ثم من بعده على من ‏عينهم بكتاب وقفه المرقوم الصادر في 2 ‏رجب سنة 1290 من محكمة الإسكندرية ‏الشرعية، وقد شرط الواقف في هذا الوقف ‏شروطا منها: أن الناظر على هذا الوقف ‏والمتكلم عليه من ذرية سعادة الواقف يقوم ‏بفتح بيت سعادة الواقف بعد وفاته -وهو ‏البيت المعبر عنه بالسراي في كتاب وقفه ‏السابق- ويجري ما كان معتادا إجراؤه فيه ‏حال حياة الواقف من تلقي الواردين إليه ‏والمترددين عليه ومؤانستهم وإكرامهم كل ‏بما يليق به، ويكون للناظر في نظير قيامه ‏بذلك ثلث غلة هذا الوقف زيادة عن ‏استحقاقه... إلخ ما نص وشرح بكتاب ‏الوقف الثاني المذكور.

    ‏ وقد توفي الواقف المذكور إلى رحمة الله ‏تعالى وآل استحقاق فاضل ريع وقفيه إلى ‏السيد إبراهيم بك الناظر الآن، والسيد ‏إسماعيل بك والسيد داود بك ‏والسيد توفيق بك والست بهية هانم والسيد أبو بكر بك والسيد علي ‏بك والسيد عمر بك، أولاد ‏المرحوم السيد محمد ابن ‏المرحوم السيد إسماعيل ابن ‏المرحوم أبي بكر سعادة ‏الواقف المومى إليه، وإلى الست نعيمة هانم ‏كريمة المرحومة الست ذيبا هانم كريمة ‏المرحوم السيد محمد ابن ‏المرحوم السيد إسماعيل ابن المرحوم ‏السيد أبي بكر سعادة الواقف ‏المذكور، وإلى الأميرة ماهوش عزيزة هانم ‏والأميرة أمينة بهروز كريمتي المرحومة ‏الأميرة فاطمة دولت هانم كريمة المرحومة ‏أمينة هانم كريمة المرحوم السيد أبي بكر سعادة الواقف المذكور.

    وقد ‏تعين في النظر على هذين الوقفين السيد ‏إبراهيم بك المذكور أولًا بمقتضى إعلام شرعي، وقد سكن السيد إبراهيم راتب الناظر ‏المذكور في منزل الواقف المعبر عنه ‏بالسراي في كتاب وقفه الأول المتقدم بيان ‏الشرط الوارد في شأنه وكان له مسكن آخر ‏بالقاهرة إلى أن أبعد الناظر المذكور في ‏أول فبراير سنة 1915 عن القطر المصري ‏بقوة قاهرة، ولم يزل متاعه وأثاثه وخدمه ‏وعمال دائرته ومتاع حرمه سمو الأميرة ‏ماهوش عزيزة هانم بالمنزل المذكور، وقبل ‏أن يبعد عن القطر المصري أقام حرمه ‏الأميرة ماهوش عزيزة هانم المشار إليها ‏وكيلة عنه في أعماله الخاصة وإدارة ما ‏تحت يده من الأوقاف الذي هو ناظر عليها ‏في كل ما يتعلق بها، وهي قائمة بذلك، ‏وجارية جميع الخيرات المشروطة بكتابي ‏الوقفين المرقومين، وقد ضم قاضي مصر ‏وزارة الأوقاف إلى السيد إبراهيم بك ‏المذكور لحين حضوره.

    فهل السكنى بالسراية المذكورة واجبة على ‏الناظر، ويستحق المشروط له ما دام قائما ‏بتنفيذ شرط الواقف من أعمال الواجبات ‏اللازمة للمترددين والواردين بالسراي ‏المومى إليها طبق شرطه، وإن لم يكن هذا ‏الناظر شاغلا لها بالسكنى؛ لأن الواقف لم ‏يحتم على النظار السكن بل أدار أمرها على ‏التخيير كما هو صريح الشرط المتقدم الذي ‏منه ما نصه: (ومنها أن تكون السكنى ‏بالمكان المعبر عنه بالسراية المذكورة لمن ‏يكون ناظرا... إلخ)؟ وعلى فرض تحتم ‏السكنى بها على الناظر فهل يعتبر كونه ‏ساكنا بها نظرا لوجود متاعه وأثاثه فيها ‏وإقامة حرمه بها؛ عملا بما نصوا عليه من ‏أنه لو حلف لا يسكن دار فلان يعتبر ساكنا ‏فيها ما بقي له فيها وتد، لا سيما وأن ‏الواقف المذكور كان في أدوار حياته متقلبا ‏في وظائف عديدة ما بين الوجهين القبلي ‏والبحري، وفي جهة كريد حينما ضمت ‏للحكومة المصرية، وفي جمرك ‏الإسكندرية، وفي مأمورية التحرير العمومي ‏بالجيزة، وفي مأمورية الأستانة مع والده ‏المرحوم الخديوي عباس باشا الأول... إلى ‏غير ذلك كما يعلم من الكشف المحرر من ‏دفتر محاسبة الخزينة لسعادة الواقف ‏المذكور نمرة 3، وذلك مما يستأنس به في ‏اعتبار غرض الواقف من هذا الشرط، وأنه ‏ليس المراد وجوب السكنى فعلا على النظار ‏بل المدار في ذلك على فتح البيت وإكرام ‏الواردين والمترددين به كما ذكر حال حياة ‏الواقف؟ وهل الوكيل عن السيد إبراهيم بك الناظر ‏يقوم ذلك الوكيل مقامه في تنفيذ شرط ‏الواقف مع ضم نظارة الأوقاف إلى الناظر ‏المذكور؟ وهل ثلث الغلة المشروط له في ‏وقفه الثاني يخرج من عموم ريع الوقف قبل ‏إخراج المصاريف اللازمة للوقف وإدارة ‏شؤونه، أو بعد إخراجها؟ وهل إذا لم يقم ‏الناظر بتنفيذ شرط الواقف يعود الثلث ‏المذكور للمستحقين ويوزع عليهم؟ وهل ‏يستحق الناظر العشر المشروط له في كتاب ‏وقفه الأول زيادة عن استحقاقه فيه وإن لم ‏يقرر هذا العشر القاضي؟ وهل يستحق ‏العشر أيضًا في وقفه الثاني إذا عمل ولو ‏بواسطة وكيله ولو لم يشترط الواقف له ‏شيئا فيه، أم كيف الحال؟ أفيدوا الجواب.
     

    اطلعنا على هذا السؤال، وعلى كتابي ‏الوقفين المذكورين، ونفيد أنه حيث شرط ‏الواقف السكنى بالمكان المعبر عنه بالسراي ‏لمن يكون ناظرا على الوقف من الموقوف ‏عليهم على وجه ما ذكر بالسؤال، وبكتاب ‏الوقف المؤرخ في 29 ذي الحجة سنة ‏‏1288 فإن السكنى غير واجبة على ‏الناظر في هذه السراي، بل له أن يسكن ‏فيها، وأن يسكن في غيرها، ولكن لا يجوز ‏له على كلا الحالين أن يستغلها؛ لأن ‏الموقوف على السكنى لا يجوز استغلاله، ‏وحينئذ ما دام الناظر قائما بتنفيذ شرط ‏الواقف من فتح بيت الواقف بعد وفاته، ‏وإجراء ما كان معتادا إجراؤه فيه حال حياة ‏الواقف من تلقي الواردين إليه والمترددين ‏عليه ومؤانستهم لكل بما يليق به على حسب ‏ما شرط الواقف بكتاب وقفه المؤرخ 2 ‏رجب سنة 1290 سواء قام بكل ما ذكر ‏بنفسه أو بمن ينوب عنه -استحق ما جعله ‏الواقف في نظير قيامه بذلك من ثلث غلة ‏هذا الوقف زيادة عن استحقاقه، ويستحق ‏ذلك كسائر المستحقين فيما فضل من ريع ‏الوقف صافيا بعد مصاريف العمارة ‏الضرورية والمؤن وأداء العشر أو الخراج ‏المضروب على العقار عملا بالمادة 374 ‏من قانون العدل والإنصاف أخذا من رد ‏المحتار والهندية وتنقيح الحامدية، ويؤخذ ‏جميع المصاريف العامة التي ترجع لشؤون ‏الوقف أولًا، ويقسم الصافي على جميع ‏المستحقين الذين منهم مستحق الثلث ‏المذكور زيادة عن استحقاقه. وأما العشر الذي شرطه للناظر في كتاب ‏وقفه الأول حيث قال فيه: (ومنها أن حضرة ‏الواقف المشار إليه شرط لمن يكون ناظرا ‏على الوقف المذكور عشر ريعه الفاضل ‏بعد مصروفاته زيادة عما يستحقه مع ‏المستحقين للوقف المذكور إن وجد من ‏يشاركه في ذلك الاستحقاق). اهـ، فالناظر ‏يستحق ذلك العشر من ريع الوقف الفاضل ‏بعد مصروفاته زيادة عما يستحقه مع ‏مستحقي الوقف كما صرح الواقف نفسه ‏بذلك في شرطه المذكور، وإن لم يقدره ‏القاضي؛ لأن الواقف له أنه يجعل للناظر ‏أجر المثل وأكثر من أجر المثل، وأما ‏القاضي فلا يجوز له أن يجعل للناظر أكثر ‏من أجر المثل كما صرح بذلك بالمادة 169 ‏من قانون العدل والإنصاف أخذا من تنقيح ‏الحامدية والإسعاف، وكذا بالمادة 179 منه ‏أخذا من تنقيح الحامدية ورد المحتار ‏والهندية والإسعاف. وأما استحقاق الناظر العشر في وقفه المبين ‏بكتاب وقفه الثاني المؤرخ في 2 رجب سنة 1290 إذا عمل -ولو بواسطة وكيله- ‏ولو لم يشترط له الواقف ذلك فنقول: قال ‏في الفتاوى الحامدية بصحيفة 207 جزء ‏أول طبعة أميرية سنة 1300 نقلا عن ‏البحر ما نصه: (وأما بيان ما له فإن كان ‏من الواقف فله المشروط ولو كان أكثر من ‏أجر المثل، وإن كان منصوب القاضي فله ‏أجر مثله، واختلفوا هل يستحقه بلا تعيين ‏القاضي؟ ونقل في القنية

    أولًا: أن القاضي ‏لو نصب قيما مطلقا ولم يعين له أجرا ‏فسعى فيه سنة فلا شيء له.

    ‏ وثانيا: أن القيم يستحق أجر مثل سعيه ‏سواء شرط له القاضي أو أهل المحلة أجرا ‏أو لا؛ لأنه لا يقبل القوامة ظاهرا إلا بأجر، ‏والمعهود كالمشروط. ووفق الخير الرملي ‏في حواشيه بحمل الأول على ما إذا لم يكن ‏معهودا). اهـ، وقال في قانون العدل ‏والإنصاف بمادة 170 أخذا من الإسعاف: ‏لا يكلف المتولي من العمل بنفسه إلا مثل ما ‏يفعله أمثاله في العادة من عمارة الوقف ‏واستغلاله ورفع غلاته وبيعها وصرف ما ‏اجتمع منها في وجوه الوقف... إلى آخر ما ‏بها. وصرح منه في المادة 163 أخذا من ‏رد المحتار أنه يجوز للناظر أن يوكل من ‏يقوم بما كان إليه من أمر الوقف، ويجعل له ‏من جعله شيئا. وقد صرح أيضًا في الفتاوى ‏الحامدية بصحيفة 208 جزء أول من ‏الطبعة المذكورة بأنه متى كان العشر من ‏كامل غلة الوقف هو قدر أجر مثله، ولم ‏يجعل له الواقف شيئا، له أخذه من كامل ‏الغلة قبل حساب المصارف. ومن ذلك يعلم ‏أن للناظر على الوقف المذكور أن يأخذ قدر ‏أجر مثله في وقفه الثاني إذا عمل ولو ‏بواسطة وكيله، ولو لم يشرط له الواقف ‏شيئا في نظير النظر ولم يعين له القاضي ‏أجرا إذا كان المعهود أنه لا يعمل إلا بأجر، ‏وله أن يأخذ كامل العشر قبل احتساب ‏المصارف إن كان ذلك قدر أجر مثله، ‏وبالجملة فالذي يأخذه هو قدر أجر مثله ‏سواء كان هو العشر من كامل الغلة قبل ‏احتساب المصارف، أو أقل من ذلك، وليس ‏له أن يأخذ أكثر من العشر من كامل الغلة، ‏وأما إذا لم يقم الناظر بفتح بيت سعادة ‏الواقف بعد وفاته ويجري به ما كان معتادا ‏إجراؤه فيه حال حياته من تلقي الواردين ‏إليه والمترددين عليه ومؤانستهم وإكرامهم ‏لكل بما يليق به لا بنفسه ولا بمن ينوب ‏عنه، فإن كان عدم قيامه بما ذكر لمانع ‏منعه من القيام بذلك ولم يكن بتقصير كأن ‏لم يوجد أحد يرد إلى بيت الواقف ولا يتردد ‏عليه مثلا -استحق الثلث المذكور عملا في ‏ذلك بما قضت به المادة 261 من قانون ‏العدل والإنصاف أخذا من الدر المختار ‏ورد المحتار عليه، وأما إذا كان عدم قيامه بما ذكر بتقصير ‏منه أقام القاضي غيره من ذرية الواقف ‏ليقوم بما ذكر، وعلى كل حال فلا يعود ‏الثلث المذكور لأحد من المستحقين؛ لعدم ‏النص من الواقف على ذلك، ولا استحقاق ‏إلا بالشرط.

    المبادئ:-

    1- إذا شرط الواقف السكنى في المكان الموقوف لمن يكون ناظرا على الوقف من الموقوف عليهم فلا يجب على الناظر أن يسكن فيها، بل له أن يسكن في غيرها، ولكن لا يجوز له على كلا الحالين أن يستغلها.

    2- إذا قام الناظر بتنفيذ شرط الواقف وإجراء ما كان معتادا حال حياة الواقف -حسب شرطه- فإنه يستحق ما جعله الواقف في نظير قيامه بذلك من ثلث غلة هذا الوقف زيادة عن استحقاقه.

    3- للناظر أن يأخذ قدر أجر مثله إذا عمل ولو بواسطة وكيله، ولو لم يشترط له الواقف شيئا، ولم يعين له القاضي أجرا، إذا كان المعهود أنه لا يعمل إلا بأجر.

    بتاريخ: 25/4/1918

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 143 س:15 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد بخيت المطيعي
    تواصل معنا

التعليقات