• أخذ الربا من الإفرنج في دار الحرب

    إن الربا انتشر في أرض جاوا في هذه الأيام انتشارًا لا عهد لنا به، حتى إن بعض الأساتذة الذين كانوا في مقدمة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمقاومين للربا خرجوا من المدارس وأصبحوا اليوم في مقدمة المرابين.

    فإذا سألناهم عن الدافع إلى هذا أجابونا بلسان واحد بأن صاحب المنار أفتى بجواز الربا على الإفرنج، وإذا رأينا أحدًا يرابي على الوطنيين أجابنا بأن موظفي الحكومة لا دينيين، وأننا في دار حرب.

    وقد أفتى صاحب المنار بجواز الربا في دار الحرب؛ فهل لما أشيع عن مناركم من صحة؟ إذا قلتم نعم، فستقفل الحوانيت، ويقف دولاب تجارة العرب بجاوا، ويتوجهون إلى الربا اعتمادًا على فتواكم؛ فما رأي فضيلتكم؟ أرجو الجواب في أول عدد من مناركم ليحق الحق ويزهق الباطل ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.[1]

    إن ما تعنونه من إفتائي بحل أخذ الربا من الإفرنج في دار الحرب ليس كما ذكرتم أو نقلتم، وإنما هو جواب عن سؤال ورد على المنار من مدير جريدة الوفاق (ببيتننروغ (جاوه) ونشر في (ج8 مجلد 28)[2]، الذي صدر في ربيع الآخر سنة 1346 «في فتوى بعض العلماء بحل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم، فهو حِلّ لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح».

    هذا موضوع الاستفتاء، والمستفتي فيه منكر له أشد الإنكار كما هو مبين بنص كلامه في السؤال؛ إذ جعل هذه الفتوى خطرًا على التوحيد ومقتضية لتحليل جميع المحرمات.

    وقد بينا في جوابه أصل الشريعة في إباحة أموال الحرب بإجماع المسلمين وما قيد العلماء به عمومه.

    ولم يخالفنا أحد في ذلك فراجعوا فتوانا في (ص575 من مجلد المنار 28)، فإن بقي في أنفسكم شبهة فيه فبينوه لنا.

    وقد كتبنا في آخره «إن تلك الفتوى لا خطر فيها على التوحيد ولا تقتضي تحليل شيء من المحرمات، ومن لا يطمئن قلبه للعمل بها فلا يعملن بها» اهـ.

    وجملة القول: أنني ما أفتيت في شيء انفردت به في هذا الموضوع، وإن الذين ذكرتم أنهم يستحلون أخذ الربا من المسلمين بدعوى أنهم «لا دينيين» أي كفار تعطيل وإباحة، لا يمكنهم أن يدَّعوا أن صاحب المنار أفتى بتكفيرهم ولا بأخذ الربا منهم، ولا بجعله حرفة للمسلمين، وإنما يتبعون أهواءهم، على أننا سنصدر إن شاء الله تعالى في هذا العام كتابنا في مباحث الربا والمعاملات المالية العصرية، التي نشرناها في مجلدات المنار بعد تلك الفتوى، فانتظروا فالمسألة ليس من البداهة بحيث يحررها المرابون والتجار، وخطر الاستدانة من الإفرنج بالربا أضعف مما تتصورون من عكسه، بل هو الذي جعل المسلمين أفقر الشعوب.

    [1] المنار ج35 (1936) ص 128-129.
    [2] انظر أعلاه الفتوى رقم 717.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1054 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة