• إجراء تعديل على مواد مشروع قانون الأوقاف

    أرجو الحكم على مواد مشروع قانون الأوقاف لسنة 1989م؟

    نظر مجلس الإفتاء في مشروع قانون الأوقاف والأسباب الموجهة له في عددٍ من الجلسات، وتتبع جوانب هذا المشروع ذات العلاقة بالأحكام الشرعية.

    وقد رأى المجلس ما يلي:

    أولًا: تعديل الفقرتين (أ) و(ج) من المادة (9)، لتصبح الفقرة (أ) على النحو التالي:

    أ- يتألف المجلس من: الوزير رئيسًا- الأمين العام عضوًا- المفتي العام للمملكة عضوًا- مفتي القوات المسلحة الأردنية عضوًا- عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية عضوًا- المدير العام لمؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام عضوًا- ممثل عن دائرة قاضي القضاة عضوًا- ممثل عن وزارة الداخلية عضوًا- ممثل عن وزارة البلدية عضوًا- ممثل عن وزارة الأشغال العامة عضوًا- ثلاثة أشخاص من المهتمين بالشؤون الإسلامية أعضاء.

    وتصبح الفقرة (ج) على النحو التالي:

    ب- يتم تعيين الأعضاء الثلاثة بقرار من مجلس الوزراء؛ بناء على تنسيب الوزير، لمدة سنتين قابلة للتجديد.

    ويأتي هذا التعديل المقترح لتشكيل المجلس لما يلي:

    - ضرورة الاهتمام بدعم المجلس بعددٍ من المُختصين في الأمور الشرعية؛ لأن الوظائف المُسندة للمجلس والصلاحيات التي يُمارسها في غاية الأهمية، وتتعلق بعددٍ من الجوانب الشرعية؛ لذا أقترح إضافة كلٍّ من: المفتي العام، ومفتي القوات المسلحة الأردنية، وعميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية إلى المجلس.

    - ضرورة الاهتمام باستثمار الأراضي الوقفية؛ لذا أُضيف مدير عام مؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام، باعتبار المؤسسة جهة تمويلية عامَّة، ينص قانونها على أنها تستثمر أموال الأيتام وفق أحكام الشريعة، مما يتيح مجالًا كبيرًا للتعاون في استثمار الأراضي الوقفية.

    ثانيًا: تضاف كلمة "غير الربوية" إلى الفقرة (ي) من المادة (10)، لتصبح كالتالي: "تعين المصارف والشركات المالية غير الربوية التي تحفظ أموال الأوقاف".

    وأضيفت كلمة "غير الربوية" باعتبارها واردة في القانون الحالي وفق آخر تعديل أقرَّه مجلس الأمة، بالإضافة إلى أن أموال الأوقاف يجب أن تبتعد عن الربا؛ للاعتبارات الشرعية الواضحة في هذا المجال.

    ثالثًا: تُعدَّل المادة (16) بحيث تصبح: "يُمنع ترتيب أحكار جديدة بجميع صورها على أراضي الأوقاف" عوضًا عن النص الوارد في المشروع؛ وذلك لأنه ربما يلتبس على منفذ القانون، فيفهم من النص الوارد في المشروع إلغاء الأحكار القائمة، ومنع ترتيب أحكار جديدة، والنص المقترح يرفع اللبس؛ لأن إلغاء الأحكار القائمة قد عالجته نصوصُ القانون المدني التي بينت حالات فسخ عقد التَّحكير، وحالات إنهاء الحكر بعد أن بينت المادة (1250) متى يصح التَّحكير، وكيف يتم، فهو لا يصح إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ محققة للوقف، ولا يتم إلا بإذن من المحكمة المخولة، ويُسجل بعد ذلك في دائرة التسجيل.

    وبينت المادة (1259) منه الحالات التي يجوز فيها إنهاء عقد التحكير، وهي:

    أ- إذا لم يدفع المُحتكر الأجرة السنوية مدة ثلاث سنوات متتالية.

    ب- إذا وقع مِن المُحتكر إهمالٌ جسيم في القيام بما يجب عليه نحو تعمير الأرض.

    ويتم الفسخ في الحالتين بحكم من المحكمة المُختصة.

    وبينت المادة (1260) الحالات التي ينتهي بها حقُّ الحكر، وهي:

    (أ) حلول الأجل المُحدد له.

    (ب) قبل حلول الأجل: إذا مات المُحتكر قبل أن يبني أو يغرس، إلا إذا طَلَبَ جميعُ الورثة بقاء الحكر، ويُشترط لهذه الحالة إذن المُتولِّي بذلك.

    (ج) قبل حلول الأجل: إذا استبدل الموقوف المحكر، ونزعت ملكيته للمصلحة العامة، وفي هذه الحالة يجب مراعاة ما للمُحتكِر من حقوق.

    (د) من المقرر فقهًا؛ استنادًا إلى نص الحديث النبوي: أن العقار الوقف -سواء كان أرضًا خالية، أو مبنيًّا، أو مغروسًا ومزروعًا- لا يُبتاع، ولا يُوهب، ولا يُورث، ولا يُرهن، بل يبقى على حكم ملك الله تعالى، أي: ملكًا عامًّا؛ ليستغل استغلالًا، وتنفق ثمرته في الجهة الموقوف عليها.

    (هـ) استمرت هذه الحال دهرًا، ثم في العصور الفقهية المذهبية الأولى لوحظ أن بعضًا أو كثيرًا من الأراضي الموقوفة الخالية جامدة، لا غلَّة لها، وليس في الوقف التابعة له غلّة فائضة تكفي لتعميرها واستغلالها، وهي مرغوبة للبيع، ولكن الوقف لا يباع، فابتكرت طريقة سميت بالتحكير، ويراد به إنشاء حق قرار عليها دائم سمّي "حكرًا"، مع بقاء عينها وقفًا، وخلاصته أن تُؤجَّر الأرض إجارةً لمدةٍ طويلةٍ، أو لمدةٍ تتجدد سنة فسنة بصورةٍ دائمةٍ، بأجرةٍ تتألف من مبلغين:

    - المبلغ الأول كبير، يُقارب قيمة الأرض، يأخذه جانب الوقف، ويستغله بشراء عقار ذي غلة، وهذا المبلغ يدفعه المُستحكِر مرةً واحدةً.

    - المبلغ الثاني ضئيل، أشبه بأجرٍ رمزي يُدفع سنويًّا لبقاء الأرض مملوكة للوقف ومأجورة؛ كيلا تُدَّعى ملكيتها للمُستأجر بتقادم الزمن.

    (و) وبهذا التحكير يُصبح للمُستحكِر حقُّ البناء على الأرض مع حقِّ البقاء، ما دام يدفع الأجر السنوي بما يُعادل أجر المثل، إذ الأرض لا تزال رقبتُها للوقف، فإذا غلا سعرها وأجرها عما دفع فيها مُقدَّمًا يجب حينئذٍ أن يزيد الأجر السنوي الرمزي المُقسط لحفظ حق الوقف وحق البقاء، هذا دون أن يجوز نزع الأرض من المُستحكر، مبررًا بأن عقار الوقف مُعدّ للإيجار بصورةٍ دائمةٍ، ولا يجوز للمُتولي سكناه.

    وفي العقارات غير المُستحكرة استقرت فتوى الفقهاء على أن المُستأجر إذا كان يدفع أجر المثل في كل سنةٍ بحسبها إذا غلت الأجور لا يجوز للمتولي إخلاؤه والإيجار لغيره، فحقّ البقاء في الحكر يخرج هذا التخريج ما دام المُستحكر يدفع أجر المثل السنوي.

    ويبدو أن حق الحكر هو أقدم حقوق القرار العينية التي أُنشئت على العقارات الموقوفة، وقرر الفقهاء أحكامها، بدليل أن الإمام الخصاف (ت261هـ) تكلم عن الحكر في كتابه "أحكام الأوقاف"، وهو من الطبقة العليا من فقهاء الحنفية.

    (ز) وعليه فلا يجوز إنهاء عقد الحكر بناءً على رغبة أحد الطرفين، مراعاةً لمصلحة وحقوق الطرف الآخر المُتعلقة به؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُونَ عِندَ شُرُوطِهِم»[1]، وقوله: «لا ضَرَرَ، وَلا ضِرارَ»[2]، مع مراعاة حالات الفسخ والإنهاء المبينة آنفًا؛ إذ لها ما يُبررها شرعًا.

    إن تصفية الحقوق من الأحكار القائمة على أراضي الأوقاف له محاذير في الظروف الحاضرة؛ لأن رقبة هذه العقارات الموقوفة هي أوقاف مُسجلة حفظت فيها الملكية الإسلامية في فلسطين من التسلط اليهودي بقدر الإمكان، وليس من المصلحة الآن قطع علاقة الوقف بها لقاء عوضٍ ضئيلٍ، وصيرورتها ملكًا قابلًا للانتقال إلى أي جهةٍ كانت، ولا سيما إذا لاحظنا أن مزية الاحتفاظ بالرقبة لجهة الوقف هي أن صاحب حق القرار إذا مات لا عن وارثٍ تعود الأرض وما عليها إلى جهة الوقف.

    رابعًا: تُحذف المادة (23) التي نصها: "لا يجوز الوقف إلا على جهة برٍّ لا تنقطع ابتداء"، وذلك للأسباب التالية:

    1- يتبين من دلالة المادة (23) من المشروع منع إنشاء ما يُسمَّى بالوقف الذري، مع أن الوقف بنوعيه الخيري والذري مشروع منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ولم يكن التفريق بين الوقف الخيري والذري معروفًا في ذلك العهد، بل كانت الأوقاف معروفة بالصدقات، وتشمل نوعيها المعروفين اليوم: بالخيري والذري.

    وقد كان وقف عمر رضي الله عنه -الذي يُعتبر أساسًا لما جاء بعده- موزعًا بين جهات البرِّ وذوي القربى، وكذلك فإن كبار الصحابة مثل: أبي بكر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وقفوا دورهم وأراضيهم وأموالهم في أماكن مختلفة على أولادهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يُنكر ذلك أحدٌ منهم، فيكون إجماعًا منهم على مشروعية هذا الوقف.

    وقد أورد صاحب "الإسعاف"[3] آثارًا كثيرةً في وقف كبار الصحابة على أولادهم، ومنها الأثر الآتي: قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: شهدتُ عمر بن عبد العزيز ورجل يُخاصم إليه في عقارٍ حُبِسَ -وقف- لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تجوز الصدقة لمَن لا يأتي ولم يَدْرِ أيكون أم لا؟ فقال عمر رضي الله عنه: أردت أمرًا عظيمًا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا بكر وعمر كانا يقولان: "لا تجوز الصدقة ولا تحل حتى تُقبض"، قال عمر بن عبد العزيز: الذين قضوا بما تقول هم الذين حبسوا العقار والأرضين على أولاد أولادهم: عمر وعثمان وزيد بن ثابت، فإياك والطعن على مَن سلفك، والله ما أحبّ أني قلتُ ما قلتُ وأنَّ لي جميع ما تطلع عليه الشمس أو تغرب. فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن لي به علمٌ. فقال عمر: استغفر ربك، وإيَّاك والرأي فيما مضى من سلفك، أوَلَم تسمَعْ قول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي مالًا أحبّه. فقال صلى الله عليه وسلم: «احْبِسْ أَصْلَه، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَه»، ففعل، فلقد رأيتُ عبد الله بن عبيد الله يلي صدقة عمر وأنا بالمدينة والٍ عليها، فيُرسل إلينا من ثمرته[4].

    2- لا يوجد في الأردن مشكلات ناتجة عن الوقف الذُّرِّي كما حدث في بعض الدول العربية والإسلامية التي ألغت هذا الوقف الذُّرِّي، مع أن عددًا من العلماء في تلك الدول قد عارض هذا الإلغاء بشدةٍ بحججٍ قويةٍ؛ لمُخالفته لأحكام الشريعة.

    والمشكلات التي بررت بها تلك الدول إلغاء الوقف الذُّرِّي كان بسبب انحراف الناس بأوقافهم عن الجادة المُستقيمة التي رسمها الإسلام، وتعود إلى سوء إدارة الوقف، وسوء المُتولين عليه، وهذا لا يُعالَج بمنع إنشاء الوقف الذُّرِّي، وإنما بوضع ترتيبات إدارية صحيحة مدروسة للتولية والإدارة ومحاسبة المُتولِّين.

    3- إن كثيرًا من الأوقاف الخيرية القائمة كانت عند إنشائها أوقافًا ذُرِّيةً ثم آلت إلى أوقاف خيريةٍ فيما بعد ذلك؛ لأنَّه يُشترط في جميع الأحوال أن ينتهي الوقفُ إلى جهة برٍّ لا تنقطع، مهما كان نوعه ابتداءً، ففي منع إنشاء الوقف الذُّرِّي تأثيرٌ كبيرٌ على إنشاء الوقف الخيري، وهذا يحد من عمل الخير الذي حضّت عليه الشريعةُ الإسلامية.

    ولهذا يُكتفى بما جاء في الفصل الثالث من الباب الثاني من القانون المدني المؤقت رقم (43) لسنة 1976م، المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم (2645)، تاريخ (1/ 8/ 1976م).

    والله تعالى أعلم.

    بتاريخ: 3/ 2/ 1410هـ، الموافق: 3/ 9/ 1989م.
    [1] علقه البخاري بصيغة الجزم في "صحيحه"، كتاب "الإجارة"، باب رقم (14) "أجر السمسرة"، والحديث مروي عن جماعة من الصحابة. قال ابن تيمية: هذه الأسانيد -وإن كان الواحد منها ضعيفًا- فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا. "مجموع الفتاوى" (29/ 147)، وحسنه ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (2/ 69).
    [2] رواه ابن ماجه في "السنن"، كتاب "الأحكام"، باب "من بنى في حقه ما يضر بجاره"، حديث رقم (2340)، حسنه النووي في "الأذكار" (502).
    [3] هو برهان الدين إبراهيم بن موسى الطرابلسي الحنفي، المتوفى سنة (922هـ)، واسم كتابه: "الإسعاف في أحكام الأوقاف".
    [4] نقله برهان الدين الطرابلسي في "الإسعاف" (ص5) الطبعة الهندية، عن كتاب الفقيه الحنفي أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني المشهور بـ "الخصّاف".

التعليقات

فتاوى ذات صلة