• حقيقة الجن والشياطين

    من رجال العلم والتقوى في بلادنا العلامة المقدس الشيخ محمد بن علي قويسم المتوفى سنة 1114 وله فضائل مأثورة وتآليف مشهورة أحسنها وأكملها الكتاب المسمى «سمط اللآل في معرفة الرجال» في أحد عشر جزءًا في القالب النصفي الكبير. ترجم فيه لنخبة أهل الإسلام، وخصوصًا لرجال الشفا للقاضي عياض. وقد جاء فيه بالجزء الرابع عند تعرضه للكلام على الجن والشياطين ما يستفاد منه اختلاف علماء الإسلام في ماهية هاته العناصر التي نسمع بها ولا نراها، فمن قائل: إنها أجسام هوائية قابلة للتشكل، ومن قائل: إنها أجسام غير متحيزة ولا حالَّة في متحيز، ومن قائل: إن الشيطان هو عبارة عن القوة الغضبية التي في الإنسان. وإلى هذا الرأي ذهب جماعة من الفضلاء منهم حجة الإسلام الغزالي، وقد نقل الشيخ قويسم المذكور آنفًا في جملة أخذه ورده في هذا الموضوع حديثًا عزاه للنصير الطوسي نقله في شرح كتاب الإشارات هذه عبارته: «ما من مولود ولد في بني آدم إلا ولد معه قرينه من الشيطان» فهل لكم معرفة بصحة هذا الحديث؟ وعلى تقدير صحته نطلب الإفادة بتأويله لأنه إذا أخذ على ظاهر عبارته يبقى الفكر معه متحيرًا؛ إذ تعلمون أن علماء الإحصاء يقدرون سكان المعمورة بألف وخمسمائة مليون من الأنفس، فإذا كان لكل واحد منهم قرين من الشياطين؛ فلا مشاحة في أن إحصاء الجغرافيين كاذب لأنهم أغفلوا منه النصف، ثم إنه على فرض صحة وجود شيطان لكل إنسان فهل إذا مات الإنسان تبعه شيطانه للقبر، أو بقي عالة على إخوانه الشياطين؟ وفي هذه الحال يمكن الجزم بأن أكثر بلاد الله شياطينًا في هذا اليوم هي بلاد الشرق الأقصى حيث نيران الحرب محتدمة بين روسيا واليابان، لأنه في كل يوم تزهق أرواح الألوف من البشر، ولم نسمع بموت شيطان واحد من الشياطين المولودة مع العساكر التي اقتطفتها يد الفناء من شجرة الشباب[1].

    أفيدونا يما عندكم من العلم عن ماهية الشياطين، وخصوصًا عن القول الذي توفق لفهمه الإمام الغزالي ولكم الشكر سابقًا ولاحقًا» اهـ.

    الجن والجان والجِنة بالكسر مأخوذة من مادة ج ن ن، وهذه المادة تدل على الستر والخفاء.ىقال في القاموس: «وكل ما ستر عنك فقد جُنّ عنك»[2] بضم الجيم، ويقال أيضًا: أجن عنه واستجن، ومنه الجنين: الولد مادام في البطن. وأطلق لفظ الجان على ضرب من الحيات، قالوا: هي الحية البيضاء إلى صفرة التي توجد في الدور. والشيطان في اللغة كل عاتٍ متمرد حتى من الدواب، والشاطن: الخبيث. والشيطان: الحية الخبيثة، قال جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزل ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانًا وقال الراغب: كل قوة ذميمة للإنسان شيطان. أقول: ومنه قولهم: ركب شيطانه: إذا غضب، ونزع شيطانه أي كبره. ومادة شطن تدل على البعد والإيغال في الشيء، ومنها شطن البئر وهو الحبل الذي يُسقى به. وبئر شطون بعيدة القعر، وشطن في الأرض شطونًا دخل إما راسخًا وإما واغلًا. وتدل على المخالفة والمواربة، يقال: شطن صاحبته: إذا خالفه عن نيته ووجهه، وكذلك يفعل العتاة الخبث. وقيل: إن الشيطان مشتق من شاط يشيط أي احترق غضبًا، فهذه اللغة تدل على أن اللفظين (جن وشيطان) وضعا لأشياء معروفة.

    وكانت العرب تعتقد كسائر الأمم أن في الكون عالمًا خفيًّا عاقلًا سموه الجن، وقالوا: إن منه الخيار الصالحين والشرار الشياطين، وجاء الوحي يخاطبهم بما يعتقدون في الجملة لا في التفصيل. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. وقد ورد لفظ الشيطان والشياطين كثيرًا في القرآن، ومنه ما فسروه بالأِشرار الخبثاء كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 14]، وكانوا يعتقدون أن من هذا العالم ما يلابس النفوس فيلقي فيها الخواطر، ومنه الهاجس الذي يلقن الشعراء الشعر. إن هذا الاعتقاد قديم في البشر لا يُعرف تاريخه، وفي أناجيل النصارى أن الشياطين كانت تدخل في الناس فتؤذيهم، وأن المسيح عليه السلام كان يخرجها منهم، وكانت اليونان تعد الجن والشياطين من عالم الأرواح، وكذلك الروم (الرومانيون) وجعلوهم على ثلاث طبقات: طبقة الآلهة ورئيسهم الخالق الأكبر، وطبقة توابع الأمم والشعوب والمماليك والبلاد وكان لجني رومية تمثال من الذهب، والطبقة الثالثة: توابع الأشخاص. وكان الهنود القدماء يقسمونهم إلى جن أخيار وجن أشرار. ولبقية الأمم والشعوب عقائد متقاربة فيهم. وكان الناس يأخذون كل ما يسمعونه من ذلك بالتسليم إلا بعض الفلاسفة الذين حكَّموا الدليل والتعليل في ذلك، فأنكر بعضهم الجن، وبعضهم سلَّم بأن الجن من العالم الروحاني أو الهوائي، حتى إذا ما انتشرت العلوم المادية في أوربا صار يضعف هذا الاعتقاد في الناس المشتغلين بهذه العلوم والمقلدين لهم والمتأثرين بحالهم. على أن أخبار رؤية الجن أو سماع أصواتهم والإحساس بهم كثيرة في كل أمة، ولكن أكثرها باطل وزور، وبعضها صحيح رواية، ولكن لا يعسر على المنكر أن يحمله على ضروب من التأويل ترجع في الغالب إلى أن الوهم يُري صاحبه التخيل حقيقة محسوسة. ولا يزال الكثيرون من علماء أوربا وعقلائها يعتقدون بالجن وعلاقتهم بالإنس. وقد حدثني واحد من كبار عمال الحكومة منهم هنا بأن رجلًا كان يستحضر الشياطين في لوندره، وقد حضر مجلسه هناك بعض الكبراء والعلماء فأحضر لهم شيطانًا سمعوا كلامه، ولكن لم يفهموه فقالوا له: ما هذه اللغة التي ينطق بها؟ قال: إنها الأفغانية. أما إنكار شيء ونفيه لعدم الإحساس به فمما يمنعه العقل، ولو أنكرنا كل ما لم نطِّلع عليه وندركه بالحواس لما توجهت نفوسنا إلى اكتشاف هذه المجهولات الكثيرة كالكهربائية وغيرها مما نرى آثاره أعجب مما يعزى إلى الجن.

    والقاعدة العقلية أن عدم وجدان الشيء لا يقتضي عدم وجوده، فتكذيب جميع أصناف البشر في الاعتقاد بوجود عالم خفي لا تظهر آثاره إلا نادرًا لبعض الناس، بناءً على أن المكذب لم يدرك ذلك بحواسه غير سديد ويعجبني قول الدكتور فانديك[3] في كلامه على الحواس الخمس: «لو كانت لنا حواس أخرى فوق الخمس التي لنا لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمس التي نملكها، ولو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما هي لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا وهي على حالتها الحاضرة». ومما ذكره من الأمثلة لهذا قوله: «ولو كان سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتًا تأتينا من عالم غير هذا الذي نحن فيه»[4] إلخ.

    ولم يقل هذا وحده بل قاله غيره، ويقوله كل عاقل. وقد أعجبنا منه أنه جعله في المسألة الأولى من الجزء الأول من كتابه (النقش في الحجر) الذي ألفه للمبتدئين. فإن قيل: نسلم أن العاقل لا ينكر وجود شيء لعدم علمه أو إحساسه به، ولكنه أيضًا لا يثبته بغير دليل، وما يذكر من أخبار الجن عند جميع الأمم لم يقم عليه دليل، بل يجزم العقل في بعضه أنه كذب وزور؛ نقول: هذا قول حق، والدليل منه عقلي، ومنه حسي، ومنه الخبر الصادق الذي عرفنا به تاريخ الأولين والآخرين. وما في العالم من الأمور التي شاهدها غيرنا وأخبر فصدقنا، وإن علم أكثر الناس بالخبر أكثر من علمهم بالاختبار. فإن كان أكثر ما ينقل عن الناس من أخبار الجن ظاهر البطلان فإن بعضه ليس كذلك، وعندنا الخبر اليقين فيه، وهو خبر الوحي الذي دلت الآيات البينات على صدق من جاء به وهو لم يخبر بشيء محال في نظر العقل أو مجريات العلم، وأعني بالوحي هنا القرآن.

    وأما أخبار الأناجيل في إخراج الشياطين من الناس فإنه ليس لها سند متصل وإنما وجدت بعد المسيح بزمن طويل، وهي منقطعة الإسناد إليه، وإن اشتهرت بعد ذلك. وكذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق الرواية. وجملة ما في القرآن أن في الكون عالمًا عاقلًا خفيًّا يقال له الجن، وأن منه المؤمن والكافر والصالح والقاسط، وأنه يرى الناس ولا يرونه، وأن شياطين الجن مثارات للوساوس الضارة التي تسوّل للإنسان الشر وتزين له الشهوات القبيحة، ولم يرد فيه شيء ينبئ بعدد الجن ولا بحقيقتهم، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ[١٥]﴾ [الرحمن: 15]. لا يدل على الحقيقة، كما أن خلق الإنسان من تراب ومن حمأ مسنون لا يدل على حقيقته. ويحتمل أن يكون ذلك على حد قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]. وإذا كان هذا العالم لا يُرى فلا يرد علينا إهمال الإحصائيين له، ولا سكوتهم عمن يموت ويولد من أفراده.

    أما حديث القرين فقد أخرجه أحمد ومسلم عن ابن مسعود بلفظ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ». ومسلم من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ» قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَأَنَا، إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ». ضبط الجمهور فأسلم بالفتح على أنه فعل ماضٍ من الإسلام، وقيل: هو مضارع للمتكلم من السلامة أي فأسلم من وسوسته. ورواه الطبراني من حديث المغيرة وابن حبان والبغوي وابن قانع والطبراني عن شريك بن طارق، وليس له غيره نحو حديث عائشة.

    ولم أجد أحدًا من المحدثين رواه باللفظ الذي نقله صاحب سمط اللآلي عن شرح الإشارات، وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي وابن حبان: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ». واللَّمة بالفتح الإلمام بالشيء، وللغزالي في كتاب شرح عجائب القلب من الإحياء كلام فيها يعبر فيه عن المَلَك بسبب إلهام الخير، وعن الشيطان بسبب خاطر الشر. ولو سمي الشيطان هنا قوة الشر وداعيته؛ لكان له من اللغة شاهد ودليل، كما علمت مما ذكرناه في أول الجواب عن الراغب. ولكن لا يمكن أن ينطبق هذا القول على كل ما ورد في الجن. على أن القوى العامة أمور مجهولة لم يصل البشر إلى اكتناه أمرها وكشف سرها. ولا فرق بين أن يكون معنى الحديث: إن لكل امرئ في نفسه داعية إلى الشر تسمى الشيطان، وهي قوة من القوى المدبرة للنفس، وبين أن يكون معناه أن بعض العوالم الخفية التي لا تحس تتصل بالنفوس المتوجهة إلى الشر فتزين لها خواطره ودواعيه، فإن داعية الشر نجدها في أنفسنا لا ننكرها، ولكننا لا نعرف حقيقة سببها هل هو قوة أم هو شيء خارجي يتصل بالنفس المستعدة له فيؤثر فيها كما تؤثر العوالم الخفية المسماة بلسان الطب (ميكروبات) بالمستعدين للمرض، فتحدثه فيهم ولا تحدثه في غير المستعدين، وإن ألمت بهم. ولو قيل لنا قبل اكتشاف هذه الأحياء (الميكروبات): إن السل والطاعون وغيرهما من الأمراض والأوبئة يحدث بسبب عوالم مادية صغيرة سريعة النمو في بدن المستعد للمرض لعددناه من الخرافات أو الخيالات. وقد تقدم لنا في المنار أن هذه الميكروبات من الجن[5].

    أما كون التأثير في النفوس كالتأثير في الأجسام بحسب الاستعداد فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[٣٦]﴾ [الزخرف: 36] أي من يعرض عن القرآن وهدايته إلى مخالفته تكون له داعية الشر المعبر عنها بالشيطان قرينًا ملازمًا. هذا هو الظاهر، ولكن ورد في سبب نزول هذه الآية أن المراد بالشيطان شيطان الإنس. أخرج ابن أبي حاتم عن محمد ابن عثمان المخزومي أن قريشًا قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلًا يأخذه فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله إلخ، وكذلك نرى لكل شرير شيطانًا أو أكثر من قرناء السوء. وجملة القول أن الوحي نطق بأن في الكون جنًا لا نراهم، وكل ما قيل في حقيقتهم فهو رجم بالغيب، وما ورد في ذلك ممكن، فيجب الإيمان به من غير تأويل، ولا يصدنا عن ذلك خرافات الناس في الجن فإنها أشياء يتوارثونها ما أنزل الله بها من سلطان.

    [1] المنار ج7 (1904) ص702-707.
    [2] القاموس المحيط، ج4 ص212.
    [3] الدكتور كرنيليوس فان ديك، مستشرق أميركي طبيب، كان من معلمي الكلية الأميركية في بيروت، له كتب كثيرة باللغة العربية، توفي سنة 1895هـ.
    [4] كرنيليوس فان ديك. النقش على الحجر - في الطبيعة والعلم، بيروت، المطبعة الأمريكانية، 1903 (الطبعة الثانية) ص7-8. «هذا» وردت «العالم» في المنار.
    [5] أجاب على سؤال حول الدليل على وجود الجن بقوله: «وإننا نعد من نوع الجن هذه الأحياء الصغيرة التي لا تُرى إلا بالنظارات المكبرة» فاللفظ اللغوي (جن) يتناولها. وفي الحديث القائل بأن الطاعون من وخز الجن ما يدل على ذلك. والله أعلم. المنار ج6 (1903) ص267.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 111 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة