• مشاركة الشيطان للناس في الأموال والأولاد

    المرجو من حضرة السيد إفادتنا عن معنى قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: 64] لأني اطلعت في تفسير الخازن فوجدته يفسر المشاركة في الأولاد -وهو غرضنا من السؤال- بجملة أقوال منها أنها الموءودة وأولاد الزنا والتسمية بعبد العزى ونحوه. ومنها أيضًا -وهو موضع الريب- أن الشيطان يشارك الرجل في مباشرة زوجته إذا لم يقل: بسم الله عند المباشرة، ويقع منه كل ما يقع من الرجل فيأتي الولد من ماء الرجل وماء الشيطان. ثم عُزي إلى ابن عباس أن رجلًا سأله عن امرأته قائلًا: إنها استيقظت وفي... شعلة نار، فقال: هذا من وطء الجن. فيُعلم من هذا أن الشيطان قد ينفرد بالمباشرة، وحيث إن هذا كان من أكبر مواضع الجدال هنا، وأن أناسًا غير قليلين يؤكدون زعمهم أن أحد التوأمين يتشكل في صورة القط حتى يبلغ، وما ذلك إلا لكونه من نسل الشيطان في الأصل؛ لم أر حلًا لهذا المشكل إلا رفع هذا الموضوع إلى حضرتكم راجيًا الإفادة عن المعتمد الصحيح، وما عليّ إلا رفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يديمكم ملجأ للسائلين.
     

    الاستفزاز: الاستخفاف، والإجلاب بالخيل والرَجل: تمثيل لتسلط الشيطان على من يغويه كما رجحه الإمام الرازي، وذكره من قبله من المفسرين وجهًا، وأما المشاركة في الأموال والأولاد فجماهير المفسرين على أن المراد بها الإغواء بالحمل على كسب الحرام والتصرف والإنفاق في الحرام، وهذه الكلية التي ذكرها البيضاوي وغيره تشمل كل الجزئيات التي ذكرها بعضهم وزيادة. والإغواء بالحمل على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، والإشراك فيه كتسميته بعبد العزى، والحمل على العقائد الباطلة والأفعال القبيحة والحرف الذميمة. هذا ما قالوه واعتمدوه، ويمكن اختصاره بأن يقال: إن المشاركة في الأولاد عبارة عن الإغواء في أمر اختيار المرأة والاتصال بها، وفي كيفية تربية الولد؛ فمن يختار فاسدة الأخلاق والأعراق افتتانًا بجمالها أو يتصل إليها بالحرام، ويهمل هو وإياها تربية ولده العقلية والنفسية حتى ينشأ ضالًا فاسقًا فإنما يفعل ذلك بوسوسة الشيطان وإغوائه ومشاركته إياه في هذا الأمر العظيم، وهو أمر الولد من أحدهما الوسوسة بالإغواء، ومن الآخر اتباع الشهوة وسوء الاختيار. فالآية مبينة لمجامع وساوس الشيطان وإغوائه، والأمر فيها للتكوين كقوله تعالى للشيء: كن؛ أي تعلق إرادته بكونه ووجوده. وحاصل المعنى أن الله خلق الشيطان وكوّنه على هذه الصفة وهي الوسوسة وتزيين القبيح الضار في هذه الأمور، وهي لا تبين حقيقة الشيطان، وهل هو داعية للشر في النفس تقوى وتضعف بحسب الاستعداد، أو هي داعية خارجية كما هو الظاهر. وما نقله الخازن وغيره عن ابن عباس غير صحيح ولا يعقل ألا يكون الشيطان من عالم الحس له أعضاء كأعضاء الإنسان. وهو مخالف لنص القرآن. ولو صح لكان كل من يترك التسمية يشاركه الشيطان، فتجد امرأته النار الذي وجدته تلك المرأة وهو ظاهر البطلان[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص707-708.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 112 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة