• حديث النفس بالطلاق

    يقول السائل أنه متزوج من عامين وأنه مريض بمرض يحتاج إلى الراحة، وأنه بعد أن يعاشر زوجته جنسيا يشعر بتعب شديد بسبب مرضه، وفي أحد الأيام بعد مواقعته زوجته شعر بالتعب فهجر حجرة نومها وعزم على أن ينام في حجرة ثانية -أي أن ينفصل في نومه عنها-، إلا أن عقله يخاطره باطنا أن ينفصل، وأنه لا يذكر هل قال ذلك لزوجته أو لا، ونام منفصلا عنها لمدة عشرة أيام، وبعدها عاد لينام في فراش زوجته وخالطها وجرت الحياة بينهما طبيعية ولكن الألم عاوده شأنه في ذلك عقب المباشرة الجنسية لزوجته فانفرد عنها في النوم مرة أخرى ونوى الانفصال عنها وقال لها: «سننفصل، وكل منا حر في حياته» ثم استمرا على الانفصال في نومهما طوال أسبوعين، ثم واصلها جنسيا وعادت حياتهما لمجراها الطبيعي وعاوده الألم والتعب مرة أخرى، ثم نوى الانفصال أيضُا وقال لزوجته: «سننفصل، وكل منا حر في حياته» ثم نام في حجرته وانفصل عنها، وبعد أسبوع تقريبًا قالت له زوجته: هل كنت تنوي فعلا في كل مرة أن ننفصل؟ فأجابها: نعم، فقالت له: إنه لا يمكننا أن نعود لبعض مرة أخرى، وسأل الطالب: هل هذه المرات تعتبر طلاقًا مع أنه لم ينطق في أي مرة لفظ الطلاق؟ ولكن في نفس الوقت كان ينوي باطنا الانفصال بمعنى الطلاق، وقد قال لها في مرتين: «سننفصل» بمعنى أن كلا منا حر في حياته، ولا يذكر هل قال لها ذلك في المرة الأولى أم لا؟

    لفظ الطلاق قد يكون صريحًا منجزا كقول الزوج لزوجته: «أنت طالق»، وقد يكون كناية منجزة مقترنة بنية، والطلاق غير مضاف ولا معلق ولا مقترن بما يفيد التسويف والتأخير مثل السين وسوف كقوله لها: «أنت حرة» أو «الحقي بأهلك» أو «انفصلي عني» مع نية الطلاق لهذه الألفاظ، وأنه في الحالتين: الصريح المنجز والكناية المنجزة مع النية يقع بهما الطلاق، ولا يقع بغير لفظ إلا إذا كتب الزوج الطلاق باسم الزوجة ونواه مقترنا بالكتابة، أو إذا طلق الأخرس زوجته بالإشارة؛ لأن الإشارة والكتابة تقومان مقام اللفظ مع نية الطلاق سواء في الصريح أو الكناية، وقد أخذ بهذا القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 في المادة الخامسة منه المعمول به في القضاء المصري، أما الحديث النفسي بالطلاق أي بمجرد نية الطلاق فقط بدون تلفظ به فيرى سائر فقهاء المذاهب -عدا رأي مرجوح لبعض فقهاء المذهب المالكي- أن الطلاق بمجرد النية فقط لا يقع، هذا وقد استدل فقهاء المذاهب على أن الطلاق بمجرد النية فقط -أي بالحديث النفسي بدون لفظ- لا يقع بما رواه النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به»، وبما رواه أيضُا النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى تجاوز عن أمتي كل شيء حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل»، وفي رواية أخرى له أيضُا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي ما وسوست به وحدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به»[1] ، ولما كان الظاهر من السؤال أن السائل لم ينطق بلفظ الطلاق الصريح المنجز «أنت طالق» كما لم ينطق بلفظ الكناية المنجزة «ننفصل» بل قال لزوجته مرتين كل مرة على حدة «سننفصل» فإن هذا اللفظ وإن اعتبر من كنايات الطلاق إلا أنها كناية غير منجزة؛ لاقترانها بحرف السين فلا يقع بها الطلاق ولو اقترنت بنية باطنا. وبهذا يعلم الجواب إذا كان الحال كما ورد بالسؤال.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-

    1 - لا يقع الطلاق بالحديث النفسي ولا بنيته دون التلفظ به وذلك عند سائر فقهاء المذاهب عدا رأي مرجوح لبعض فقهاء المذهب المالكي.

    2 - قول الرجل لزوجته (سننفصل) لا يقع به طلاق لأنه وإن كان من كنايات الطلاق إلا أنها كناية غير منجزة لاقترانها بحرف السين حتى ولو اقترنت بنيته باطنا.

    بتاريخ: 10/2/1980

     

    1) يراجع في هذا كتاب المغني لابن قدامة جزء 8 صفحة 273: صفحة 283، وكتاب: مواهب الجليل شرح مختصر ‏خليل جزء 4 صفحة 58، وشرح صحيح الترمذي للإمام ابن العربي المالكي جزء 5 صفحة 156، وحاشية سنن ‏النسائي لجلال الدين السيوطي جزء 8 صفحة 157، 158.‏

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 340 س: 113 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة