• صرف ريع أوقاف الزوايا والحرمين والأشراف في التعليم

    ما قولكم أطال الله بقاءكم في الأوقاف الموقوفة على الزوايا والحرمين الشريفين والأشراف وغيرها مما لا يعود نفعه على مصلحة عامة شرعية؟ هل يجوز جمعها وصرف ريعها في إقامة مدرسة أو مدارس كلية خاصة بالمسلمين تزاول بها العلوم العصرية[1]؟

    الأصل في الأوقاف أن يصرف ريع الأعيان الموقوفة على ما وقفت لأجله من البر والخير، وأن لا يحول إلى جهة بر أخرى إلا إذا تعذر وضعه في موضعه، وقد قال أكثر علمائنا: إن شرط الواقف كنص الشارع؛ أي لا يغير، ولكن بعضهم أبطل هذا القول بالأدلة القوية، وجوّز صرف ريع الموقوف على شيء غير محمود شرعًا، إلى ما هو خير منه فراجع تفصيل ذلك في (ص210) من مجلد المنار الخامس[2] ومنه تعلم حكم الموقوف على الزوايا والحرمين. وأما الموقوف على الأشراف، فلا وجه لحرمانهم منه، بدعوى أنه ليس من المصالح الشرعية العامة، إذ لم يقل أحد من المسلمين بأن الوقف لا يجوز إلا على المصالح العامة. أما ما يجول في فكر السائل من وجوب انتفاع المسلمين من الأوقاف القديمة التي قصد بها الخير والنفع، وهي الآن لا تكاد تفيد، بل منها ما هو ضار ومعين على الإفساد، فإنه يجول في أفكار عقلاء الأمة في كل مكان، لا سيما الذين أحسوا بالحاجة إلى العلم.

    وهم يرون أن بعض التكايا والزوايا، قد أمست مأوى الفساق والكسالى الذين ينقطعون عن أعمال الدين والدنيا، ويلجأون إلى هذه التكايا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، ويشربون الخمور ولا يقصرون في سائر ضروب الفجور. فلا شك أن إعانة أمثال هؤلاء -على بطالتهم وجهالتهم وفسقهم- من أكبر المعاصي، والإنفاق عليهم من ريع الأوقاف الخيرية، مما يعلم بالضرورة أنه غير مقصود للواقفين رحمهم الله تعالى.

    ثم إن هذه الأوقاف الخيرية على قسمين: منها ما أوقف على جهة بر مخصوصة بشروط معروفة، كالموقوف على زوايا وتكايا عامرة فيمكن للنظار أن يشترطوا لقبول الناس في هذه التكايا أن يتعلموا ما ينفعهم وينفع الناس بهم، مع المحافظة على شروط الواقفين الموافقة للشرع.

    ومنها ما جهلت شروطه أو تعذرت إقامتها كأن يندرس المكان أو يزول المكين، فهذه هي التي ينبغي لعقلاء الأمة أن يسعوا في الاستعانة بها على إنشاء المدارس العالية، التي تتعلم فيها الأمة ما تعتز به في دينها ودنياها معًا، وهي في كل قطر إسلامي كافية لذلك لولا أهواء الرؤساء الغاوين من الأمراء والفقهاء، الذين أذلوا هذه الأمة وأفسدوا عليها أمر دينها ودنياها، كما أذل أمثالهم كل أمة ذلت، وأفسدوا كل ملة فسدت. وإن أمثال هذه الأماني لا تتم لعقلاء المسلمين إلا إذا كثروا وصار لهم من النفوذ والتأثير في نفوس العامة ما يمكنهم من الأمور العامة.

    فإن الرؤساء الغاوين لا يقهرون العقلاء المصلحين إلا بقوة الرأي العام الذي أخضعته لهم التقاليد والأوهام، ولذلك تراهم يحاربون المصلحين بتبغيضهم إلى العوام، إن لم يتمكنوا من الانتقام منهم بالنفي أو الإعدام.

    [1] المنار ج7 (1904) ص778-779.
    [2] المنار ج5 (1902) ص210.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 119 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة