• حكم الرواتب المتحصلة من العمل في بنك ربوي

    شخص عمل في بنك ربوي لمدة 28 عامًا، ثم تاب إلى الله تعالى، ماذا يصنع بمكافأة نهاية الخدمة، وبراتب التقاعد من الضمان، وبالمبالغ التي ادخرها من عمله في البنك الربوي، وبالأصول التي اشتراها من عمله الربوي: كالبيت، علمًا بأنه ليس له مصدر آخر من الدخل؟

    وآخر يعمل في البنك، ولغاية الآن عمل ثلاث سنوات، فماذا يفعل -إن أراد أن يتوب- بحصته من الضمان الاجتماعي، وبحصته من صندوق الادخار، وبالمبالغ التي ادَّخرها من عمله الربوي، وبالأصول التي اشتراها من عمله الربوي: كالسيارة؟

    العمل في البنوك الربوية فيه تفصيل تابع لصفة العمل المقصود:

    فإذا كان عمل الموظف في البنك الربوي بعيدًا عن مباشرة الفوائد الربوية، وليس فيه إعانة مباشرة عليها: فلا بأس في عمله ولا حرج، كما لا حرج عليه في قبض مكافأة نهاية الخدمة، ورواتب الضمان الاجتماعي.

    أما إذا كان عمل الموظف في البنك مباشرًا للفوائد الربوية، وفيه إعانة عليها: فلا يجوز له ذلك؛ لقول الله عز وجل: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].

    وفي "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله عنه قال: "لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا، ومُؤْكِلَهُ، وكَاتِبَهُ، وشَاهِدَيْهِ، وقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»"[1]، فما كسبه من رواتب ومكافآت بسبب هذه الوظيفة مال حرام لا يحل له أكله، بل يجب عليه التوبة منه، بالإقلاع عنه، والندم على ما فات منه، والاستغفار، والعزم على عدم العودة إليه، وما تبقى منه بين يديه وجب عليه التخلص منه بإنفاقه في وجوه البر والخير.

    ولكن لا حرج عليه أن يستبقي لنفسه وعياله ما يحتاجه من أصول: كمنزل، ومركب، وما يحتاجه من نقدٍ لنفقة معيشته، فقد قال الإمامُ الغزالي رحمه الله: "له أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرًا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجودٌ فيهم، بل هم أولى مَن يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضًا فقير" انتهى من "إحياء علوم الدين".

    وأما الرواتب المتحصلة من تقاعد الضمان الاجتماعي فلا حرج عليه أن ينتفع بها مطلقًا، فقد سبق لمجلس الإفتاء إصدار القرار رقم (133) بجواز الاشتراك في الضمان الاجتماعي بناء على أن "صندوق الضمان الاجتماعي هو جزء من بيت مال المسلمين (المال العام)، وبذل المال لهذا الصندوق هو تبرع ومشاركة في إثراء بيت المال الذي يعود بالنفع على جميع المسلمين"، فإذا كان ما يدفع على سبيل التبرع، وكان المدفوع من المال الحرام، فلا يقتضي حرمة التقاعد الذي يصرفه صندوق الضمان الاجتماعي للمشترك؛ فالعقد ليس عقد معاوضة حتى يُقال: إن عوض الحرام حرام، وإنما هو عقد تبرع وإحسان لغرض تحقيق التكافل، فالواجب على مَن اشترك بأموال محرمة أن يتوب من كسبه المحرم، ولا حرج عليه في الانتفاع بالتقاعد المقتطع له بعد ذلك، خاصةً في حالة الجهل.

    والله تعالى أعلم.

    بتاريخ: 14/ رجب/ 1433هـ، الموافق: 4/ 6/ 2012م.

     

    [1] "صحيح مسلم" (1598).

التعليقات

فتاوى ذات صلة