• أخذ الأجرة على القرآن

    قرأنا في مناركم نقلًا عن الأستاذ الإمام عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] إلخ الوجوه التي يعتبر أخذ المال فيها محرمًا، وفيها ما يؤخذ على العدد المعلوم من سورة يس - وأن القراءة لا تحقق إلا إذا أريد بها وجه الله خالصة، فإذا شابت هذه النية شائبة فقد أشرك بالله غيره في عبادته بالتلاوة - وكذا من يقرأ القرآن لأخذ الأجرة لا غير، فإذا لم تكن، لا يقرأ. وعلم من ذلك أن الحرمة على المعطي والآخذ، فإذا كان الأول يعطي بمحض إرادته، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» فكيف تكون الحرمة؟ وكيف الجمع بين القولين؟ والحديث كما لا يخفى رواه البخاري عن ابن عباس في (كتاب الطب) وهو حجة الشافعي (كما سمعنا) على جواز أخذ الأجرة على القراءة، وحجة أبي حنيفة على جواز أخذها على الرقى. أسعفونا بالجواب فأنا كالظمآن ينتظر ورود الماء، ولكم الفضل أولًا وآخرًا[1].

    حمل بعض العلماء الأجر في الحديث على الثواب لأجل الجمع، وخصه بعضهم بالرقية، وينبغي أن تكون صلحًا على شفاء لديغ، فإن شفي استحق الراقي الأجرة كما كانت واقعة الحال، لأن ما جاء على خلاف القياس لا يقاس عليه، وقد تقدم الكلام على الرقية بالقرآن، ونفعه في شفاء المرضى أو عدم نفعه في الكلام على المسائل الزنجبارية[2]. ومنها يعرف أنه على خلاف القياس.

    ومن الأحاديث المعارضة له ما رواه أحمد والبزار من حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ». ورجاله ثقات.

    وما رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ» وما رواه أبو داود من حديث سهل بن سعد وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ‏قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ السَّهْمُ يتَعَجَّلُ أَجْرُهُ وَلَا يتَأَجَّلُ»، وما رواه أيضًا من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي فقال: «اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ» فهذا وما ذكر في التفسير كافٍ في بيان الحق، وجعل حديث الرقية خاصًّا بتلك الواقعة وما كان في معناها، وهي تدل على أن الأجرة كانت محرمة، فإن الراقي لما أخذ الشاء أنكر عليه رفاقه من الصحابة حتى أتوا النبي وأذن لهم بأكلها، وكانوا استضافوا أولئك العرب من المشركين فلم يضيفوهم، فرقى أحدهم لهم سيدهم وكان لديغًا على أن يعطوه القطيع إذا شفي. فأنت ترى أنهم كانوا مضطرين ومحتاجين، ولا يقال أن المعطي يعطي برضاه فإن العقد فاسد، وهذه شبهة مستحل الربا. والشافعي لم يقل ما ذكروا، وإنما هو بحث للشافعية في صحة الإجارة وعدمها.

    [1] المنار ج7 (1904) ص855-856.
    [2] المنار ج7 (1904) ص388-393.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 127 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة