• دعوى الولاية والتصرف في الكون

    أولًا: ظهر في بلدة الإبراهيمية رجل يسمى الشيخ... بالتصوف ومشيخة الطريق، فأخذ عليه العهد نحو ثمانين شخصًا لما له من الشهرة بالصلاح، فراودت نفسي أن آخذ عليه العهد وأتخذه مرشدًا، فلما اجتمعت مع أحد تلامذته وسألته عن أحوال هذا الأستاذ؛ أقسموا لي بالله ثلاثًا أنه يوجد في تلامذته من تفوق رتبته رتبة سيدي أحمد البدوي، وأن له التصرف في الكون، فأنكرت ذلك عليه فسألني

    ثانيًا: أتنكر ذلك؟ فقلت له: نعم. فأجابني بأنه لا بد من أن يصيبك مرض شديد لأنك مصر على إنكار التصرف، فصرت منتظرًا حدوث المرض كما أوعدني فلم يحصل، فهل يجوز لنا أن ننكر على هذا شرعًا أم لا؟ بينوا لنا.
     

    جاء في كتب العقائد أنه لا يجب على أحد أن يصدق بأن فلانًا بعينه من أولياء الله تعالى وإن ظهرت الخوارق على يده.

    وإننا نذكر لك ما جاء في اللوائح عند شرح قوله: وكل خارق أتى عن صالح ... من تابع لشـرعنا وناصح فإنها من الكرامات التي ... بها نقول فاقف للأدلة قال في تفسير الصالح: وهو الولي العارف بالله وصفاته حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات من ذكر وأنثى إلخ. وقال في تفسير ناصح: لله ولرسوله ولكتابه ولشريعة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتى بها عن الله، وناصح لأئمة المسلمين وخاصتهم وعامتهم فإن الدين النصيحة إلخ. ثم قال في سياق النقل عن ابن حمدان حقيقة الكرامة، ولا تدل على صدق من ظهرت على يده فيما يخبر به عن الله تعالى أو عن نفسه، ولا على ولايته لجواز سلبها وأن تكون استدراجًا له، يعني أن مجرد الخارق لا يدل على ذلك، ولذلك قال: ولا يساكنها ولا يقطع هو بكرامته بها، ولا يدعيها، وتظهر بلا طلبه تشريفًا له ظاهرًا، ولا يعلم من ظهرت منه هو أو غيره أنه ولي لله تعالى غالبًا بذلك وقيل: بلى.

    ولا يلزم من صحة الكرامات ووجودها صدق من يدعيها بدون بينة أو قرائن خالية تفيد الجزم بذلك، وإن مشى على الماء أو في الهواء أو سخرت له الجن والسباع حتى تنظر خاتمته وموافقته للشرع في الأمر والنهي. فإن وجد الخارق من نحو جاهل فهو مخرفة ومكر من إبليس وإغواء وإضلال. فهذا نص عالم من أشد الناس انتصارًا للكرامات وإنكارًا على منكريها من المسلمين كالأستاذ أبي إسحق الإسفراييني والشيخ عبد الله الحليمي من أئمة الأشاعرة وغيرهم من الفرق.وتفسيره للولي يؤخذ من لفظه فإن معناه الناصر والموالي، ولا يكون ناصرًا لدين الله ومواليًا له إلا بالعلم والعمل بالكتاب والسنة والنصيحة لله ورسوله بإقامتهما، والنصيحة لأئمة المسلمين وهم السلاطين والأمراء الذين يحرم منافقو هذا الزمان نصيحتهم ويلعنون الناصح لهم، ولعامتهم.

    ثم إنه يذكر أن الولي لا يدعي الكرامة ولا هي تكون باختياره وتصرفه، ولكن إذا وقع له أمر خارق للعادة حقيقة يحمل على أنه إكرام من الله وعناية منه به، ولكن ما كل من يظهر على يده الخارق يكون وليًّا، بل ربما يكون ذلك استدراجًا له، وإذا كان جاهلًا أو عاصيًا فإننا نجزم بأن ما ظهر على يديه استدراج له ليزداد إثمًا، هذا إذا لم يظهر لنا أنه حيلة وشعوذة، ولذلك اشترط رحمه الله العلم الجازم بوقوع الخارق.

    فكيف حال هؤلاء الأدعياء الجهلاء الذين يخدعون العوام بدجلهم وحيلهم، ويهددون ضعفاء العقل بالأمراض والمصائب إذا هم أنكروا عليهم حتى كأن الكرامات صناعة لهم وسلاح يحاربون به الناس لأكل أموالهم بالباطل والسيادة عليهم بالبهتان.

    لا تصدق أحدًا يدّعي الولاية أو الكرامة أو يبثّ التلامذة والأعوان لدعواها، وإن أنذر بعض الناس بالمرض فمرض، فإن الدعيَّ دعيّ، ولا يغرنك ما تكتبه الجرائد التي تسمى إسلامية عن بعض أهل الجاه منهم. وأنكر عليهم وانصح للمسلمين بالإعراض عنهم، ووالِ من والى الله ورسوله بالعلم والعمل والنصح للمسلين. وتبرأ من العصاة الجاهلين[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص858.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 129 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة