• توبة الآيس

    ما تقولون في توبة الآيس هل تصح أم لا؟ صرح كثير من العلماء بصحة توبته وقبولها عند الله استدلالًا ببعض الأحاديث مع أنهم قائلون بعدم صحة الإيمان وقت اليأس، وفرقوا بينهما بأن التوبة تجديد عهد، والإيمان إنشاء عهد لم يكن، وبوجوه أخرى سوى هذه. وآية ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18] بظاهرها تنادي على خلاف ذلك. نحن نطلب رأيكم في ذلك، عمركم الله سبحانه وتعالى.
     

    إن الله تعالى ما ذكر في هذه الآية الذين لا توبة لهم عنده إلا بعد أن ذكر الذين تقبل توبتهم في الآية التي قبلها بصيغة الحصر وهي: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا[١٧]﴾ [النساء: 17] والمعنى ظاهر فصيح لا تعارضه تلك الأقيسة. وما ورد في بعض الأخبار من أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر فهي واردة في معرض الزجر عن اليأس من رحمة الله والترغيب في التوبة ما دام الإنسان حيًا. وهو الواجب على المسلم إذا هو قبل الغرغرة مكلَّف بجميع الأحكام الشرعية بشروطها، ومنها وجوب التوبة إذا كان عاصيًا. ولكن افرض أن الكتاب العزيز لم يبين هذه المسألة بهذا الإيضاح الذي نراه في الآيتين، بل وكلها إلى أفهام الناس وعقولهم، فهل يتصور عقلك أن التوبة تتحقق ممن حضره الموت وأيقن بمفارقة الدنيا؟ أليس معنى التوبة الرجوع عن المعصية إلى الطاعة مع التأسف على ما مضى، والعزم على الاهتداء والاستقامة فيما يأتي طوعًا واختيارًا لطاعة الله على معصيته؟ وهل هذا معقول ممن حضره الموت؟ ثم إن الحكمة من بعثة الرسل وإنزال الشرائع هي إصلاح الأرواح وترقيتها بالإيمان الصحيح والعمل النافع ليصلح حال الناس في الدنيا ويكونوا أهلًا لجوار الله تعالى في الآخرة مع أصحاب الأرواح العالية من الملائكة والنبيين، والتوبة من الكفر أو من المعاصي عند حضور الموت لا تفيد صاحبها شيئًا من هذه الحكمة، فهي ندم عند استقبال الآخرة كالندم في الآخرة لا يفيد لأن وقت العمل قد فات، ولكن من يتوب قبل حضور الموت أي قبل الشعور بنزوله به ويأسه من الحياة، فلا بد أن تكون نفسه قد أعرضت عن باطلها الأول وأذعنت بقبحه وتوجهت إلى الحق والخير، وهي ترجو العمل به لأملها بالحياة، وهذا صفاء في النفس وارتقاء عظيم تستفيد به لأنها قد ارتقت عن طبقة الأشرار، وإن عاجلها الموت عقيبه فلم تتمكن من العمل الصالح الذي توجهت إليه، ولكنها لا تكون في مرتبة الذين عملوا وأصلحوا ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[٢١]﴾ [الجاثية: 21].

    وهنا بحث أدق من هذا وهو: هل يصرّ الإنسان على عمل السيئات والمعاصي ثم يتوب قبيل الموت توبة صحيحة ترتقي بها روحه عن أرواح الأشرار؟ وبعبارة أخرى: هل جرت سنة الله تعالى بأن النفس التي تكيفت بأفعال الشر والخبث تدريجًا حتى صارت أخلاقها وصفاتها سيئة وملكاتها رديئة تنقلب فجأة إلى ضد ما تكيفت به؟ المعروف في علم النفس هو ما يستفاد من آيتي التوبة المشار إليهما في السؤال والجواب فإن قوله: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] يفيد أن الحكمة بالقرب عدم تأثر النفس بالإصرار، ويفيده أيضًا قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17] أي بسفه عارض كسورة غضب أو ثورة شهوة أي لا بالميل الغريزي إلى الشر والخلق المطبوع، ولذلك لم يأت بهذا القيد في آية من يقبل توبتهم.

    ومن قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٨١]﴾ [البقرة: 81].

    وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[١٤] كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[١٥]﴾ [المطففين: 14 - 15] ومن حديث النكتة السوداء.

    ومن قول السلف: المعاصي بريد الكفر.

    وعلم النفس والأخلاق يفيدنا أن الملكات التي تنطبع في النفس بالعمل هي صفة للنفس كصفات الجسد، وأن مقاومة الأخلاق السيئة إنما تكون بترك العمل الذي هو أثر الخلق الذميم، والمواظبة على عمل يضاده زمنًا طويلًا مع التكلف ليحدث في النفس وصف يضعف ذلك الوصف ويغلب عليه، ومن عني بتهذيب نفسه أو غيره في الكبر ولو بمقاومة بعض العادات والأخلاق يعرف صعوبة هذا الأمر وتعسره.

    نعم إن من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فتزاحمت في نفسه آثار الخير وآثار الشر يرجى أن يغلب في آخر عمره أثر الخير بتوفيق الله تعالى، كما قال تعالى في بعض المتخلفين عن الجهاد من المؤمنين في واقعة تبوك: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٠٢]﴾ [التوبة: 102] وربما كانت توبة الكافر من الكفر قبيل الموت أقرب إلى المعقول لأن الإيمان مسألة عقلية، إذا زالت الشبهة وقامت الحجة يزول الكفر ويستقر الإيمان حالًا.

    وإذا طلبت زيادة النور في هذا المقام فعليك بمطالعة كتاب التوبة للإمام الغزالي وما كتبه في معنى (سوء الخاتمة) نعوذ بالله منها في باب الخوف من الجزء الرابع من الإحياء.

    ولا تأخذ بظواهر أقوال بعض الفقهاء وتعليلاتهم اللفظية كقولهم عهد جديد وعهد قديم وغير ذلك. والله أعلم. وسنجيب عن سؤالك الآخر في جزء آخر إن شاء الله تعالى[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص897-899.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 131 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات