• التزام الفرد العادي مذهبًا من المذاهب الفقهية المعروفة

    هل يلزم المسلم أو المسلمة الجديدة اتباع مذهب معين من مذاهب الفقه المعروفة: حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي؟ وإذا لزم ذلك فهل يجوز له أو لها اختيار المذهب الفقهي كما يريدان؟ وماذا عن مذهب المرأة، هل تُلزم عند الزواج باتباع المذهب الفقهي للزوج؟

    اتباع مذهب من المذاهب الفقهية (الأربعة أو غير الأربعة) ليس بلازم ولا واجب شرعًا، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يوجب الله ولا رسوله اتباع أبي حنيفة أو مالك أو غيرهما. إنما أوجب اتباع الكتاب والسنة، فهما المصدران المعصومان اللذان لا يضلان ولا يخطئان، وكل أحد بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويترك. وقد ثبت أن الأئمة المتبوعين أنفسهم نهوا عن تقليدهم. على أنه من المقرر لدى الفقهاء: أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب من يفتيه.

    ويراد بالعامي: من لم يبلغ درجة النظر في أدله الأحكام، والقدرة على الموازنة بينها، ومعرفة قويها من ضعيفها، فهذا ليس له مذهب، لأن اختيار مذهب يعني ترجيح أصوله على أصول غيره، وهذا لا يقدر عليه إلا العالم المتمكن الذي بلغ درجة النظر والترجيح.

    وأما من عداه فهو العامي الذي قالوا: إن مذهبه مذهب من يفتيه من العلماء، فكلما عرضت له قضية يجهل حكمها سأل عنها أي عالم من علماء الشرع المعتبرين، فأفتاه بحكمها وفق اجتهاده إن كان مجتهدًا، أو وفق مذهبه إن كان مقلدًا، فعلى السائل أن يأخذ بفتواه ويتبعه فيما أجابه فيه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في شأن قوم: «أَلا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شَفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»[1]. وإذا نشأ المسلم العامي في بلد ووجد كل علمائه يتبعون مذهبًا معينًا فلا مانع أن يتبع المذهب السائد في بلده، لأنه في الواقع يتبع علماء البلدة، وهذا مذهبهم. ولكن يجب عليه ألا يتعصب لمذهبه، ولا ينتقص المذاهب الأخرى، وإذا ظهر له ضعف مذهبه، ووهن أدلته في مسألة من المسائل، وقوة مذهب آخر، فعليه أن يدع مذهبه في هذه المسألة الضعيفة الدليل، ويتبع المذهب القوي والراجح، فالمسلم الحق أسير الدليل يتبعه حيثما كان. وقد روي عن أبي حنيفة قوله: هذا رأينا، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه.

    وقال مالك: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر (وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم).

    وقال الشافعي: إذا صح الحديث فخذوا به واضربوا بقولي الحائط. وكل مسلم حر في اختيار المذهب الذي يراه أوفق وأولى، وليس من اللازم أن يتبع الابن أباه، أو تتبع المرأة زوجها في مذهبه. والذي نرجحه ونراه أرفق بالمسلمين الجدد: ألا يلتزموا بمذهب معين، فهذا ُيضيق عليهم كثيرًا مما وسع الله فيه، ولا مبرر لأن نفرض عليهم المذهبية الضيقة، وحسبهم الدخول في الإسلام الرحب بنصوصه ومقاصده، فقد يضيق بهم مذهب ويسعهم آخر، ويعسّر عليهم مذهب وييسّر عليهم غيره، ونحن مأمورون بالتيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، وخصوصًا مع الداخلين الجدد في دين الله تعالى.

    والخلاصة أن المسلم الجديد أو المسلمة الجديدة ليسا مُلزَمين بالتمذهب، وإن تمذهبا لسبب أو لآخر، فليس بلازم أن تتبع الزوجة مذهب زوجها.

    من فتاوى الدورة الأولى/سراييفو- البوسنة والهرسك/24-26 ربيع الثاني 1418هـ، الموافق لـ28-30 أغسطس 1997م.
     

    المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

    رقم الفتوى: 19 (19/1) تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة