• معنى الفرقة الناجية الوارد في الحديث

    نرجو من أعضاء المجلس الموقر أن يتعرضوا بالشرح لتوضيح مسألة الفرقة الناجية الواردة في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك لما ابتلي به المسلمون هنا من ادعاء طائفة من الناس بأنها هي الفرقة الناجية، وأن باقي المسلمين هلكى، وقد شاعت هذه الفتنة وانتشرت، ولا شك أن بيان المجلس في هذا الشأن له قيمته ووزنه.
     

    المقصود به حديث معاوية بن أبي سفيان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ»[1]. وروي كذلك عن آخرين من الصحابة، وفي أكثر الروايات (فرقة) بدل (ملة)، كما أن في بعضها عدم ذكر (كلها في النار إلا واحدة)، واختلف علماء الحديث في صحته، وجوابنا عن معناه على مذهب من صححه كما يلي: ذكر الحديث الافتراق على العدد المذكور ولم يعين فرقة من تلك الفرق، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم جميع تلك الفرق من أمته، وكأنه عليه الصلاة والسلام قصد إلى التحذير من التفريق بعده وأمر بالاعتصام بالجماعة، فجاء الوعيد (كلها في النار) لذلك، وورود الوعيد بالنار على عمل يواقعه المسلم من الأعمال غير الصالحة لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المفكرة ما يدرأ عنهم العذاب، كما قد يعفو الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ومن الواجب ملاحظته: أنه لا يجوز إلحاق الوعيد بالنار بطائفة معينة من طوائف المسلمين، لأن الحديث لم يعين ذكر هذه الطائفة أو تلك، وكما لا يجوز تعيين طائفة بالنار لا يجوز تعيين طائفة بالنجاة يوم القيامة. والذي على المسلمين هو الاجتهاد بالبعد عن أسباب التفريق والاختلاف، وأن يكونوا إخوانًا كما أمرهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويقصدوا إلى إصابة الحق من دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وينصحوا لعموم المسلمين. ولا يحل لأحد أن يستعمل هذا الحديث لإثارة المشاكل بين المسلمين، فإن النصوص من الكتاب والسنة صريحة قاطعة بوجوب الولاء للمسلمين وحبهم والصدق في النصيحة لهم، فلا يجوز ترك هذا الأمر المقطوع به من دين الإسلام والتعلق بفهم خاطئ في تفسير هذا الحديث. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

    من فتاوى الدورة الثانية/دبلن- أيرلندا/19-21 جمادي الآخرة 1419هـ، الموافق لـ9-11 أكتوبر 1998م.

    [1] حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/72، 425) وغيره.

    المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

    رقم الفتوى: 24 (4/2) تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة