• حقوق الذميين ومعاملة الأجانب

    كتب محمد فريد وجدي في كتابه تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية في بحث واجبات المسلمين بالنسبة للذميين، أي أهل الكتاب الذين هم في ذمة المسلمين في صحيفة 86: «وقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أعظم أُسوة يجب أن نأتسي بها في معاملة الأجانب عن ديننا ومخالفي معتقداتنا، فإنه عليه أشرف التحية والسلام كان يحضر ولائمهم ويغشى مجالسهم، ويشيع جنائزهم، ويعزيهم على مصائبهم»[1]. ونحن لم نطلع على ذلك في كتاب غير كتابه المذكور. ولا ندري: أيجوز ذلك أم لا، وخصوصًا تشييع جنائزهم، فإنه صلى الله عليه وسلم على ما نعلم، نُهِيَ عن ذلك بقوله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]. وهذا وإن نزل في حق الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، إلا أنه يدخل فيهم سائر الكفار قياسًا بدليل قوله عز وجل، عقيب ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ[٨٤]﴾ [التوبة: 84][2]. فجئنا إلى حضرتكم سائلين أن تبينوا لنا: هل صح أنه صلى الله عليه وسلم فعل ما نقلنا آنفًا من الكتاب المذكور، وهل جاز لنا أن نفعل ذلك اقتداء بأثر نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن صح ذلك وجاز لنا أن نفعل، فما هو الجواب عن الآية الكريمة المذكورة؟ أفيدونا بذلك آجركم الله تعالى.

    ما ذكره فريد أفندي في كتابه غير صحيح على إطلاقه. وقد بيَّنا غير مرة أنه لا يجوز الاعتماد على ما يُذكر في الكتب من الأحاديث والسنة، إلا إذا كانت مَعْزُوَّة إلى مخرِّجيها من المحدثين ليعرف صحيحها من غيره. وعبارة فريد أفندي تدل على أن ما ذكره كان سنة متبعة، ولو كان كذلك، لاتفق الفقهاء أو أهل الأثر منهم على القول بوجوبها أو سنيتها. نعم ورد في العيادة حديث صحيح ذكرناه في المجلد السابع[3]، وفيه حديث ضعيف عند البيهقي عن أنس: «كان إذا عاد رجلًا على غير الإسلام لم يجلس عنده، وقال: كيف أنت يا يهودي كيف أنت يا نصراني» ولا يُحتج به.

    وأي حجة لنا على حسن معاملة المخالفين لنا في الدين أقوى من قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8] إلخ، ومن إباحة طعام أهل الكتاب والتزوج منهم، ومن وجوب حماية الذمي والمعاهد وغير ذلك مما هو معلوم، فلا حاجة إلى أن نعزو إلى السنة ما ليس منها، ونوجب على المسلمين ما لم يوجبه الله تعالى عليهم مما ذكر في السؤال. أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ [التوبة: 84] الآية، فهو نهي عن جعل المنافقين كالمسلمين في أحكام الدين الظاهرة والاستدلال به على تحريم تشييع جنازة الكافر أو زيارة قبره غير ظاهر، ولم أرَ أحدًا من علماء السلف وأئمة الدين استنبط ذلك منها.

    ولكن بعض المفسرين المتأخرين رأى أن من الاحتياط عدم زيارة قبر الكافر؛ لأنه يشبه أن يكون من القيام المذكور في قوله ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] وإن أجاز الزيارة كثير من العلماء، بل نقل بعضهم جوازها عن أكثر العلماء لأنها للعبرة. والصواب أن القيام المنهي عنه هو ما كان معهودًا من القيام على القبر بعد الدفن للدعاء والاستغفار.

    ولا شك أنه يحرم على المسلم أن يشارك غير المسلمين في كل عمل من أعمال دينهم، وأنه يباح له أن يجاملهم فيما ليس من أعمال دينهم ولا مخالفًا لديننا. وقد ذكرنا في المجلد الماضي وغيره كثيرًا من أحكام معاملات المسلمين لغيرهم، وفيها من التساهل ما نفتخر به على جميع الملل، فلتراجع [4].


    [1] المنار ج8 (1905) ص150-151.
    [2] وردت في المنار «وبرسوله».
    [3] المنار ج7 (1904) ص26-27. انظر أعلاه الفتوى 31.

    [4] المنار ج8 (1904) ص11: وص26: وص136.
     

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 143 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة