• الاحتفال بليلة النصف من شعبان

    يقول السائل:

    1- نقوم منذ أمد بعيد بالاحتفال بليلة النصف من شعبان، وذلك باجتماع أهل القرية شيبة وشبابا وأطفالا ونساء بالمسجد لصلاة المغرب، وعقب الصلاة نقوم بقراءة سورة (يس) ثلاث مرات يعقب كل مرة قراءة الدعاء بالصيغ التي وردت في القرآن الكريم والدعاء للإسلام والمسلمين، وكنا سابقا ندعو بدعاء نصف شعبان المعتاد وذلك بطريقة جماعية وجهرية، وقد استبدلناه بالدعاء من القرآن الكريم.

    فما رأي الدين في الاحتفال بليلة نصف شعبان بهذه الصورة؟

    2- نقوم بالاحتفال بالمناسبات الدينية المختلفة، مثل الاحتفال بليلة القدر، والإسراء والمعراج، والمولد النبوي الشريف... إلخ، وذلك باجتماع نخبة من المشايخ والعلماء لإلقاء بعض المحاضرات الدينية لهذه المناسبات، مع إقامة بعض المسابقات والابتهالات الدينية، مع الاستعانة بسماعات خارج المسجد وداخله، وعمل زينات خارج المسجد بالأنوار، وأحيانا نقوم بتصوير الحفلة بالفيديو مع عمل جلسة خاصة للسادة العلماء عبارة عن منضدة وكراسي للجلوس في مواجهة الحاضرين داخل المسجد، مع توزيع بعض المشروبات والحلويات، وتكريم حفظة ومحفظي القرآن الكريم وعمال المساجد المجتهدين.

    فما رأي الدين أيضًا في الاحتفال بهذه الصورة؟

    أولًا: ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، ورد في ذكر فضلها عدد كبير من الأحاديث يعضد بعضها بعضا ويرفعها إلى درجة الحسن والقوة، فالاهتمام بها وإحياؤها من الدين ولا شك فيه، وهذا بعد صرف النظر عما قد يكون ضعيفا أو موضوعا في فضل هذه الليلة.

    ومن الأحاديث الواردة في فضلها: حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «فقدت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ذات ليلة، فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء، فقال: يا عائشة، أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فقلت: وما بي ذلك، ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب». رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.

    وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». رواه الطبراني وصححه ابن حبان.

    وعن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا يومها؛ فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا كذا ألا كذا...؟ حتى يطلع الفجر». رواه ابن ماجه.

    ولا بأس بقراءة سورة (يس) ثلاث مرات عقب صلاة المغرب جهرا في جماعة؛ فإن ذلك داخل في الأمر بإحياء هذه الليلة، وأمر الذكر على السعة، وتخصيص بعض الأمكنة أو الأزمنة ببعض الأعمال الصالحة مع المداومة عليها أمر مشروع ما لم يعتقد فاعل ذلك أنه واجب شرعي يأثم تاركه، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا».

    متفق عليه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وفي هذا الحديث على اختلاف طرقه دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك). اهـ.

    وقال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: (واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين: أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المسجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.

    والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها بخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم). اهـ المراد منه.

    وعلى ذلك: فإحياء ليلة النصف من شعبان على الصفة المذكورة أمر مشروع لا بدعة فيه ولا كراهة، بشرط أن لا يكون على جهة الإلزام والإيجاب، فإن كان على سبيل إلزام الغير وتأثيم من لم يشارك فيه فإنه يصبح بدعة بإيجاب ما لم يوجبه الله ولا رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهذا هو المعنى الذي من أجله كره من كره من السلف إحياء هذه الليلة جماعة، فإن انتفى الإيجاب فلا كراهة.

    ثانيًا: الاحتفال بالمناسبات الدينية المختلفة أمر مرغب فيه ما لم تشتمل على ما ينهى عنه شرعًا؛ حيث ورد الشرع الشريف بالأمر بالتذكير بأيام الله تعالى في قوله عز وجل: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، وجاءت السنة الشريفة بذلك، ففي صحيح مسلم «أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يصوم يوم الإثنين من كل أسبوع ويقول: ذاك يوم ولدت فيه».

    وفي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قدم المـدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟، فقالوا: هذا يوم عظيم؛ أنجى الله عز وجل فيه موسى وقومه وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: فنحن أحق وأولى بموسى منكم». فصامه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأمر بصيامه.

    وعليه: فالاحتفال بالمناسبات الدينية على الصورة المذكورة أمر مشروع لا كراهة فيه ولا ابتداع، بل هو من تعظيم شعائر الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[٣٢]﴾ [الحج: 32].

    والله سبحانه وتعالى أعلم.


    المبادئ:-
    1- تخصيص بعض الأمكنة أو الأزمنة ببعض الأعمال الصالحة مع المداومة عليها أمر مشروع ما لم يعتقد فاعل ذلك أنه واجب شرعي.

    2- الاحتفال بالمناسبات الدينية ومنها إحياء ليلة النصف من شعبان جماعة في المسجد أمر مشروع لا بدعة فيه ولا كراهة، بشرط أن لا يكون على جهة الإلزام والإيجاب.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 2335 لسنة 2005 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة