• حكم الفوائد الثابتة على الودائع والشهادات

    أرجو بيان الحكم الشرعي في الفائدة الثابتة التي تدفعها البنوك على الودائع وشهادات الاستثمار وشهادات الإيداع.

    اختلف الفقهاء منذ ظهور البنوك في العصر الحديث في تصوير شأنها؛ طبقا لاختلاف أهل القانون والاقتصاد في ذلك التصوير فيما إذا كانت العلاقة بين العملاء والبنك هي علاقة القرض كما ذهب إليه القانونيون، أو هي علاقة الاستثمار كما ذهب إليه الاقتصاديون.

    والاختلاف في التصوير يبنى عليه اختلاف في تكييف الواقعة؛ حيث إن من كيفها قرضا عده عقد قرض جر نفعا؛ فكان الحكم بناء على ذلك أنه من الربا المحرم، ثم اختلفت الفتوى: فرأى بعضهم أن هذا من قبيل الضرورات التي يجوز للمسلم عند الاضطرار إليها أن يفعلها بناء على قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)؛ أخذا من عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173].

    ورأى بعضهم أنه ليس من باب الضرورة؛ حيث إن الضرورة تعرف شرعًا بأنها: (ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك)، وبعض هؤلاء رأى الجواز من قاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة)، ومن سلك في التكييف مسلك الاستثمار فبعضهم عدها من قبيل المضاربة الفاسدة التي يمكن أن تصحح بإجارة، وبعضهم ذهب إلى أنها معاملة جديدة وعقد جديد غير مسمى في الفقه الإسلامي الموروث فاجتهد فيه اجتهادا جديدا كما اجتهد فقهاء سمرقند في عقد بيع الوفاء باعتباره عقدا جديدا، وكما اجتهد شيخ الإسلام أبو السعود في عقد المعاملة وحكم بحلها كما حكم الأولون بحل الوفاء؛ وذلك لمراعاة مصالح الناس ولشدة الحاجة إليها؛ ولاستقامة أحوال السوق بها، ولترتب معاش الخلق عليها، ولمناسبتها لمقتضيات العصر من تطور المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة وزيادة السكان وضعف الروابط الاجتماعية وتطور علوم المحاسبة وإمساك الدفاتر واستقلال الشخصية الاعتبارية عن الشخصية الطبيعية وغير ذلك كثير.

    فالحاصل أن الخلاف قد وقع في تصوير مسألة التعامل في البنوك ومع البنوك وفي تكييفها وفي الحكم عليها وفي الإفتاء بشأنها.

    والقواعد المقررة شرعًا: أولًا: أنه إنما ينكر ترك المتفق على فعله أو فعل المتفق على حرمته، ولا ينكر المختلف فيه.

    ثانيًا: أن الخروج من الخلاف مستحب.

    ثالثًا: أنه من ابتلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز.

    ومن المعلوم من الدين بالضرورة حرمة الربا حيث وردت حرمته في صريح الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على تحريمه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٢٧٥]﴾ [البقرة: 275].

    وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه» رواه البخاري ومسلم.

    ولكن الخلاف حدث فيما إذا كان هذا الحاصل في واقع البنوك من قبيل الربا المحرم شرعًا، أو أنه من قبيل العقود الفاسدة المحرمة شرعًا أيضًا، أو أنه من قبيل العقود المستحدثة، والحكم فيها الحل إذا حققت مصالح أطرافها، ولم تشتمل على ما حرم شرعًا.

    وبناء على ما سبق: فإنه يجب على كل مسلم أن يدرك أن الربا قد حرمه الله سبحانه وتعالى، وأنه متفق على حرمته، ويجب عليه أن يدرك أن أعمال البنوك اختلف في تصويرها وتكييفها والحكم عليها والإفتاء بشأنها، وأن يدرك أن الخروج من الخلاف مستحب، ومع ذلك فله أن يقلد من أجاز ولا حرمة عليه حينئذ في التعامل مع البنك بكافة صوره أخذا وإعطاء وعملا وتعاملا ونحوها.

    ومما ذكر يعلم الجواب.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-
    1- يجب على كل مسلم أن يدرك أن الربا قد حرمه الله سبحانه وتعالى، وأنه متفق على حرمته.

    2- اختلف الفقهاء فيما إذا كان الحاصل في واقع البنوك من قبيل الربا المحرم شرعًا، أو أنه من قبيل العقود الفاسدة المحرمة شرعًا أيضًا، أو أنه من قبيل العقود المستحدثة، والحكم فيها الحل إذا حققت مصالح أطرافها، ولم تشتمل على ما حرم شرعًا.

    3- من القواعد المقررة شرعًا: أ) إنما ينكر ترك المتفق على فعله أو فعل المتفق على حرمته، ولا ينكر المختلف فيه.

    ب) الخروج من الخلاف مستحب.

    جـ) من ابتلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 138 لسنة 2005 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة