• الحكم الشرعي في القاديانية

    يقول السائل: توجد في بلدنا سريلانكا جماعة تسمى القاديانية، أو الأحمدية، تنشر بين الناس بعض المعتقدات التي ليس لها أساس من الشرع الشريف، ولم نجد لها أصلا في الكتاب والسنة.

    فنرجو من سماحتكم بيان الحكم الشرعي في هذه الجماعة.

    القاديانية طائفة منسوبة إلى قرية قاديان إحدى قرى مقاطعة البنجاب بالهند، وقد أسسها رجل يدعى "غلام أحمد القادياني"، وهو من الفرس أو المغول، ويقال: إن آباءه من سمرقند، وقد ولد سنة 1839م في قرية قاديان، ونشأ في أسرة خائنة عميلة للاستعمار؛ حيث كان أبوه "غلام مرتضى" صاحب رابطة وثيقة بالحكومة الإنجليزية، وكان صاحب كرسي في ديوانها، وفي سنة 1851م انضم أبوه إلى معاونة الإنجليز ضد بني قومه ودينه، وأمدهم بخمسين جنديا وخمسين فرسا.

    وبعد أن درس "غلام أحمد" بعض الكتب الأردية والعربية وقرأ جانبا من القانون شغل وظيفة في بلدة "سيالكوت" ثم أخذ ينشر كتابه "براهين أحمدية" في عدة أجزاء، وكان قد بدأ دعوته الأثيمة سنة 1877م، وفي سنة 1885م أعلن أنه مجدد، وفي سنة 1891م ادعى أنه المهدي وأنه المسيح الموعود، وأخذ يقول: "أنا المسيح، وأنا كليم الله، وأنا محمد وأحمد معا"، ولذلك كان يدعي أنه أفضل من جميع الأنبياء.

    ومات "غلام أحمد" في 26 مايو سنة 1908م في مدينة "لاهور"، ودفن في قرية "قاديان".

    وكان القادياني ماكرا في مزاعمه وتضليله؛ فهو حين ابتدع القاديانية وحمل كبر الإثم فيها لم يجاهر بعداوة الإسلام، ولم يصرح بالخروج عليه، بل بدأ بمظهر التجديد والتطوير، ثم انتقل إلى فكرة المهدوية، ثم انتقل إلى ادعاء أنه يوحى إليه، لا على أنه نبي مستقل مرسل، بل على أنه نبي تابع، كهارون بالنسبة لموسى عليهما السلام.

    ثم أخذ في تأويل نصوص القرآن الكريم تأويلا منحرفا فاسدا، لتحقيق مآرب لديه، ثم تعاون تعاونا بعيدا مع الاستعمار والمحتلين، وأصدر فتواه الأثيمة بأن الجهاد قد انتهى وأصبح منسوخا؛ ولذلك لا يجوز رفع السلاح من المسلمين ضد الإنجليز المحتلين للهند، بحجة أنهم خلفاء الله في الأرض.

    وقد جاء بعده ابنه وخليفته واسمه "محمود" ليروج مزاعم أبيه، ويواصل مسيرة الكفر من بعده فيقول: "إننا نكفر غير القاديانيين؛ لأن القرآن يخبرنا أن من ينكر أحدا من الرسل يكفر، وعلى هذا من ينكر أن "غلام أحمد" نبي رسول يكفر بالله".

    وجاء ابنه الثاني ليزيد الطين بلة فقال: "كل من يؤمن بموسى ولا يؤمن بعيسى أو يؤمن بعيسى ولا يؤمن بمحمد فهو كافر، وكذلك من لا يؤمن بغلام أحمد فهو كافر".

    وتزعم كتب القاديانية أن الله أوحى إلى غلام أحمد فقال له: "الذي يحبني ويطيعني وجب عليه أن يتبعك ويؤمن بك، وإلا لا يكون محبا لي، بل هو عدو لي، وإن أراد منكروك ألا يقبلوا هذا، بل كذبوك وآذوك، فنجزيهم جزاء سيئا، وأعتدنا لهؤلاء الكفار جهنم سجنا لهم".

    ومن عقائد القاديانية الباطلة أن النبوة لم تختم بسيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بل تقول القاديانية: "نعتقد أن الله لا يزال يرسل الأنبياء لإصلاح هذه الأمة وهدايتها على حسب الضرورة.

    وهذا كفر صريح مخالف لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا[٤٠]﴾ [الأحزاب: 40]، ومخالف لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا نبي بعدي»، رواه البخاري.

    ومن فسق القاديانية تهجمها على مقام الأنبياء والرسل، وعلى الخلفاء الراشدين، والصحابة الطاهرين، وتطاولها على حرمة سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، فيقول مبتدع القاديانية مثلا: "يقولون عني بأني أفضل نفسي على الحسن والحسين، فأنا أقول نعم، أنا أفضل نفسي عليهما، وسوف يظهر الله هذه الفضيلة".

    ومن ضلال القاديانية تحريفهم وتخريفهم في تأويل آيات القرآن المجيد، والأمثلة على ذلك يضيق عنها هذا المجال لكثرتها؛ ومنها أنهم يعلقون على الآية الكريمة من سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[١]﴾ [الإسراء: 1]، فيقولون: إن المقصود من المسجد الأقصى هنا ليس هو مسجد بيت المقدس كما أجمع أهل التفسير والتاريخ، بل المراد به هو مسجد قاديان؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أسري به إلى هذا المسجد الذي يقع في شرقي قاديان، ويشبه "غلام أحمد" هذا المسجد ببيت الله الحرام، ويزعم أن مسجد قاديان هو الذي أنزل الله تعالى فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97].

    ومن تخريفه في تأويل القرآن الكريم أنه يتعرض لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، فيزعم لنفسه أنه المراد بمحمد، فيقول المخبول: "محمد هنا هو أنا؛ لأن الله سماني في هذا الوحي محمدا ورسولا، كما سماني بهذا الاسم في عدة مقامات أخرى"، ولم يتورع عن تسجيل هذا في كتابه: "تبليغ رسالة".

    ويواصل سفاهته حينما يقول: "أنا المقصود بقول القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[١٠٧]﴾ [الأنبياء: 107]"، ويقول كذلك: "أنا المقصود بقول القرآن في سورة الصف: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]".

    ومن فجور القاديانية أنها حاولت صرف أتباعها عن منزل الوحي، وعن الكعبة المشرفة، وعن المسجد الحرام، فاتخذت من قرية قاديان قبلة وكعبة لهم بدل الكعبة المطهرة في مكة، وجعلوا فريضة الحج في نحلتهم الضالة هي حضور المؤتمر السنوي للقاديانية في قرية قاديان، ويقول كبيرهم غلام أحمد: "المجيء إلى قاديان هو الحج".

    وكذلك بنى القاديانيون مدينة صغيرة في باكستان الغربية وسموها ربوة وجعلوها مركزا لدعوتهم، وألقوا عليها ظلالا من الهيبة والتقديس.

    ويزعم غلام أحمد أنه قد نزل عليه من عند الله قرآن اسمه الكتاب المبين، وأنه قد نزل عليه أكثر مما نزل على الأنبياء، وقد نشر طائفة من الكتب الخبيثة المليئة بالمزاعم والأوهام، ومنها هذه الكتب: براهين أحمدية، وإزالة الأوهام، وحقيقة الوحي، وسفينة نوح، وتبليغ رسالة، وخطة إلهامية.

    ومن تضليل القاديانية أنها تسمي نفسها "الأحمدية" تمويها وتضليلا وإيحاء كاذبا بأنهم ينتسبون إلى أحمد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، والحقيقة أنه نسبة إلى المفتري المتنبئ غلام أحمد.

    وقد لجأ القادياني إلى توهين شوكة المسلمين أمام المستعمرين، وإلغاء الجهاد ضد المحتلين، ولذلك أخذ يدعو بأنه لا جهاد في الإسلام بعد الآن، ويعلل لذلك فيقول: "إن الله خفف شدة الجهاد في سبيل الله بالتدريج؛ فكان يبيح قتل الأطفال في عهد موسى، وفي عهد محمد ألغى قتل الأطفال والشيوخ والنساء، ثم ألغى الجهاد نهائيا في عهدي".

    ويقول: "اليوم ألغي الجهاد بالسيف ولا جهاد بعد هذا اليوم، فمن يرفع بعد ذلك السلاح على الكفار ويسمي نفسه غازيا يكون مخالفا لرسول الله الذي أعلن قبل ثلاثة عشر قرنا إلغاء الجهاد في زمن المسيح الموعود، فأنا المسيح، ولا جهاد بعد ظهوري الآن، فنحن نرفع علم الصلح وراية الإحسان".

    ويعود ويقول في موطن آخر: إني أفنيت أكثر حياتي في تأييد الحكومة الإنجليزية، ومخالفة الجهاد، وما زلت أجتهد حتى صار المسلمون أوفياء مخلصين لهذه الحكومة.

    ولم يكتف غلام أحمد المتنبئ القادياني بما ابتدعه واخترعه واصطنعه من تحريف للدين، بل قال كذلك: إن الصلاة لا تجوز خلف أي مسلم، بل لا بد أن يكون قاديانيا، ونص عبارته هي: "هذا هو مذهبي المعروف، أنه لا يجوز لكم أن تصلوا خلف غير القادياني، مهما يكن ومن يكن، ومهما يمدحه الناس، فهذا حكم الله، وهذا ما يريده الله.

    وإن المتشكك والمذبذب داخل في المكذبين، والله يريد أن يميز بينكم وبينهم".

    والقاديانية تأخذ بالتقية والمخادعة، فيجيزون أحيانا الصلاة خلف غير القادياني للمصلحة بشرط إعادة الصلاة مرة أخرى.

    ولقد كتب شاعر الإسلام محمد إقبال سلسلة مقالات في بيان أكاذيب القاديانية وكشف أضاليلهم وأباطيلهم، وكان ذلك في وسط الثلاثينيات من القرن الماضي، وكتب غيره من العلماء والدعاة والباحثين، ولكن القاديانية ظلت على غيها وبغيها، يساندها الاستعمار، واستغلت القاديانية قلة الوعي الإسلامي، وانتشار الجهل بالدين فيما حولها، وتأثير الأحوال الاجتماعية المختلفة وتهيئتها الجو المناسب لتقبل الخرافات والجهالات والأوهام.

    وخلاصة القول في القاديانية أنها لعبة استعمارية خبيثة، تظاهرت بالانتماء إلى الإسلام والإسلام منها براء، وقد استطاع المكر الاستعماري أن يسخر هذه النحلة الضالة المضلة لتحقيق أغراضه التي كانت تعمل دائما على تشويه الإسلام وإضعاف المسلمين، ولكن الإسلام سيبقى على الرغم من أعدائه ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- القاديانية لعبة استعمارية خبيثة، تظاهرت بالانتماء إلى الإسلام والإسلام منها براء.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 603 لسنة 2007 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات