• حكم الاهتزاز عند سماع وقراءة القرآن

    ما حكم الاهتزاز عند سماع وقراءة القرآن، في ضوء ما يقال من أنه فعل لم يؤثر عن سلف الأمة، وما ذكره أبو حيان الأندلسي في تفسيره من أن الاهتزاز وتحريك الرؤوس عند قراءة القرآن هو نزعة يهودية سرت إلى أولاد المسلمين في مصر عند حفظهم للقرآن؟ وهل الاهتزاز في الذكر عموما أمر محرم أو هو بدعة من البدع المنهي عنها؟

    الاهتزاز: افتعال من الهز، وهو مطاوع له؛ تقول: هززته فاهتز، فالأصل فيه أنه انفعال لمؤثر.

    والمراد بالاهتزاز عند تلاوة القرآن: التحرك والانعطاف يمينا وشمالا أو أماما وخلفا عند تلاوة القرآن أو سماعه، سواء أكان ذلك فعلا أو انفعالا أو عادة، فالاهتزاز الانفعالي ناتج عن الوجد، وغير الانفعالي يقصد به التواجد، أو تنشيط النفس وإحضارها، وهو أمر جرى عليه المسلمون في كافة الأعصار والأمصار عند تلاوة القرآن وحفظه؛ سماعا أو قراءة.

    والاهتزاز على كلا الوجهين جائز شرعا؛ لأنه إما أثر من آثار الخشوع، أو باعث عليه، وفي تحريمه تضييق لما وسعه الشرع لقارئ القرآن ومستمعه من الانفعال والتأثر عند سماع القراءة، والتعبير عن الإحساس بالمعاني والانفعال عندها ومشاركة الجوارح للقلب في ذلك.

    أما الاهتزاز انفعالا: فقد دلت نصوص الشريعة المطهرة على أنه محمود حصوله وممدوح من حصل منه؛ فقد أثنى الله تعالى على عباده الذين توجل قلوبهم وتقشعر جلودهم عند القرآن الكريم؛ فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن، وذلك يشمل التلاوة والسماع معا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ[٣٤] الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 34 - 35]، وقال جل جلاله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[٢٣]﴾ [الزمر: 23].

    وهذا نص صريح من الله تعالى على أن ما يحصل للجلود عند قراءة القرآن من القشعريرة ثم لين الجلود والقلوب إلى ذكر الله هو من الهداية التي من الله تعالى بها على القارئ والسامع، والمعنى في ذلك أن الأثر الظاهر من انفعال قارئ القرآن أو سامعه بما يقرؤه أو يسمعه أمر مستحسن شرعا، وحينئذ فليس ذلك قاصرا على مجرد اقشعرار الجلد -وهو اهتزاز جزئي-، بل كل ما يورثه الانفعال من أثر ظاهر على الجوارح حركة أو اهتزازا هو أمر محمود مشروع لا حرمة فيه، بل هو من هداية الله تعالى وتوفيقه لمن أحسن تدبر معاني كتابه الكريم، وتأثر بجلال كلامه العظيم، فظهر أثر ذلك على جوارحه وجسده.

    قال الإمام الرازي في تفسيره (5/ 294، ط. دار إحياء التراث العربي): "المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط" اهـ.

    بل إن الله تعالى جعل الحركة عند ذكره وتنزل كتابه من أوصاف الجمادات أيضا؛ فقال سبحانه واصفا الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74]، وقال عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21].

    وفي المقابل فقد ذم الله تعالى في الآية التي قبلها أصحاب القلوب القاسية التي لا تنفعل ولا تتحرك لذكر الله تعالى؛ فقال عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: 22]، وقال الله تعالى في وصف المنافقين: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4]، وقال سبحانه وتعالى ينعي الخمود وعدم التأثر عند تلاوة القرآن الكريم: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ[٥٩] وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ[٦٠] وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ[٦١]﴾ [النجم: 59 - 61]، وذلك على تفسير "السمود" بالخمود؛ كما نقله الماوردي والقرطبي وغيرهما في التفسير عن المبرد.

    وأما الاهتزاز تواجدا أو عادة: فهو أقل مرتبة من الاهتزاز الانفعالي؛ فليس التواجد كالوجد، ولكنه وإن لم يكن ناتجا عن تأثر وانفعال إلا أن فيه إشراكا للجوارح مع القلب واللسان في تدبر القرآن، والتدبر وسيلة للتأثر، وتحريك الرأس عند القراءة مما يعين على الخشوع، كما أنه قد يكون أثرا له أيضا، وفيه استنهاض للهمم وإيقاظ للقلب، بل وكثير من الناس يفعلونه عن غير قصد، ولا يخفى أن تطلب ما يعين على الخشوع والحضور في الذكر والقراءة مستحب شرعا ما دام ذلك خاليا من الرياء أو التصنع.

    قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين (2/ 304، ط. دار المعرفة): "إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة؛ لأن التباكي استجلاب للحزن والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط، فكل سرور مباح فيجوز تحريكه، ولو كان ذلك حراما لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يزفنون (أي: يرقصون)، وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك" اهـ.

    ويرى بعض العلماء أن الحركة إذا لم تكن عن وجد حاصل فهي ممنوعة؛ لما فيها من مخالفة الظاهر للباطن، وإيهام الحضور وحصول الوجد، ولأنها مدعاة للرياء والتصنع.

    وهذه المحاذير لا خلاف في ذمها شرعا، وإذا اشتملت الحركة في الذكر أو القراءة على شيء منها فهي ممنوعة شرعا، لكن المنع فيها إنما هو منصب على القصد الفاسد لصاحبه، وليس من لازم الحركة حال الذكر أن تكون كذلك، بل لها أغراض أخرى صحيحة تجعل جوازها مع صحة قصد صاحبها أمرا راجحا؛ كالقصد إلى استنهاض الهمم وإيقاظ القلب.

    يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" (3/ 537- 539، ط. دار طيبة): "الوجود عند القوم: هو الظفر بحقيقة الشيء، والوجد: هو ما يصادف القلب ويرد عليه من واردات المحبة والشوق والإجلال والتعظيم وتوابع ذلك، والمواجيد عندهم: فوق الوجد؛ فإن الوجد مصادفة، والمواجيد ثمرات الأوراد، وكلما كثرت الأوراد قويت المواجيد، والوجود عندهم فوق ذلك وهو الظفر بحقيقة المطلوب، ولا يكون إلا بعد خمود البشرية وانسلاخ أحكام النفس انسلاخا كليا... فالمراتب أربعة؛ أضعفها: التواجد، وهو: نوع تكلف وتعمل واستدعاء، واختلفوا فيه: هل يسلم لصاحبه أم لا؟ على قولين: فطائفة قالت: لا يسلم لصاحبه وينكر عليه؛ لما فيه من التكلف والتصنع المباين لطريق الصادقين، وبناء هذا الأمر على الصدق المحض.

    وطائفة قالت: يسلم لصاحبه إذا كان قصده استدعاء الحقيقة لا التشبه بأهلها، واحتجوا بقول عمر -رضي الله عنه- وقد رأى رسول الله وأبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر وما قبلوا منهم من الفداء: "أخبراني ما يبكيكما؛ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت"، ورووا أثرا: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»، قالوا: والتكلف والتعمل في أوائل السير والسلوك لا بد منه؛ إذ لا يطالب صاحبه بما يطالب به صاحب الحال، ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم، والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة، والمواجيد لمن يتأوله من أحكام باطنة" اهـ.

    ويقول الشيخ عبد الكبير الكتاني في "نجوم المهتدين، بأدلة استحباب الذكر على طريقة المشايخ المتأخرين، برفع الأرجل من الأرض والاهتزاز شوقا لرب العالمين" (ص: 68]، ط. تحقيق: د.

    محمد حمزة الكتاني): "ذكر السلمي في رقائقه عن بعض المشايخ أنه: كان يستدل بهذه الآية في حركة الواجد في وقت السماع والوجد: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا[١٤]﴾ [الكهف: 14]، وكان يقول: إن القلوب مربوطة بالملكوت، تحركها أنوار الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع، ووراء هذا: تواجد لا عن وجد، فهو مناط الذم؛ لمخالفة ما ظهر لما بطن، وقد يقرب فيه الأمر إلى القصد لاستنهاض العزائم وإعمال الحركة في يقظة القلب النائم: "يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا"، لكن شتان ما بينهما!" اهـ.

    والتحقيق أنه ليس في الشرع ما يمنع الحركة في الذكر والقراءة ولو كان ذلك على سبيل التواجد أو العادة ما دام ذلك غير مناف للخشوع، بل ذلك مباح شرعا؛ عملا بكون الإباحة هي الأصل في أفعال العباد، والمنع خلاف الأصل، وأن العبرة في أمر الذكر حيث يجد المسلم قلبه، بل قد ورد في عموم أدلة الشريعة وخصوصها ما يدل على جواز الحركة أثناء الذكر والقراءة: فالله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]، ويقول سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61]، وهذا أمر مطلق بالذكر والقراءة؛ فيقتضي جواز الذكر على جميع الأحوال التي لم يأت الشرع بالنهي عنها، ويدخل في الذكر أيضًا قراءة القرآن فإنها أفضل الذكر، ومن المقرر أن الأمر المطلق يقتضي عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، فتخصيص حالة بالجواز دون حالة أخرى تحكم لا دليل عليه، ومنع الذكر والقراءة على حالة لم يمنعها الشارع ابتداع في الدين؛ لأنه تضييق لما وسعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

    ومن هذه الآيات ونحوها فهم الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم العموم ومشروعية الذكر على كل الأحوال، فأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم في "تفاسيرهم" عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41] قال: "لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر؛ فان الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]؛ بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال".

    وإسناد هذا صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإن نسخة علي بن أبي طلحة عنه من صحيح التفسير.

    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "العجاب في بيان الأسباب" (1/ 207، ط. دار ابن الجوزي): "وعلي صدوق لم يلق ابن عباس، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه؛ فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة" اهـ.

    كما أن الذاكر أو القارئ إذا أراد أن ينتقل أثناء ذكره وقراءته من حالة إلى أخرى -من قعود إلى قيام مثلا- لزم من ذلك الحركة، ولا يخرج بذلك عن حد الامتثال في الآية، ولا قائل بوجوب سكوته وانصرافه عن القراءة أو الذكر حينئذ.

    وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال -وهو في قبة يوم بدر-: «اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم، فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله؛ ألححت على ربك، وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[٤٥]﴾ [القمر: 45]».

    ورواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" عن عكرمة عن عمر -رضي الله عنه- ولفظه: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[٤٥]﴾ قلت: وأي جمع يهزم ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثب في الدرع وثبا وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[٤٥]﴾، فعلمت أن الله تبارك وتعالى سيهزمهم.

    والشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قرأ هذه الآية حال وثوبه؛ أي: قفزه؛ فرحا وسرورا بوعد الله تعالى له، وهذا دليل على جواز الحركة أثناء قراءة القرآن.

    وأخرج البخاري في صحيحه أيضًا من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقرأ على ناقته أو جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع.

    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (8/ 584، ط. دار المعرفة): "قيل: كان ذلك بسبب كونه راكبا، فحصل الترجيع من تحريك الناقة، وهذا فيه نظر؛ لأن في رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي: وهو يقرأ قراءة لينة، فقال: "لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن"، وكذا أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" عن أبي النضر عن شعبة" اهـ.

    وبوب لذلك الإمام البخاري بقوله: "باب القراءة على الدابة"، قال الإمام أبو الحسن ابن بطال في "شرح البخاري" ([10]/ [268]، ط. مكتبة الرشد): "إنما أراد بهذا الباب والله أعلم ليدل أن القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة في كتاب الله تعالى، وهو قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ[١٣] وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ[١٤]﴾ [الزخرف: 13 - 14]" اهـ.

    والشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قرأ القرآن حال تحرك الناقة، وفي ذلك دليل على مشروعية القراءة أثناء الحركة، وهي تتلاقى مع الحركة أثناء القراءة؛ لأن القاعدة: أن كل ما هو متلقيك فأنت متلقيه، ولا فرق بين دخول القراءة على الحركة أو دخول الحركة على القراءة إلا قصد إيقاظ الهمة واستحضار القلب في الثانية، ولو كانت القراءة تتنافى مع الحركة أو كانت الحركة فيها ممنوعة لما أمر الله تعالى بذكر نعمته وقراءة كلامه عند الاستواء على الدابة، ولما قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال ركوبه على الناقة، بل كان ينتظر حتى يترجل عنها أو حتى تسكن؛ إذ ليس في ذلك ضرورة توجب إباحة المحظور.

    ومن هذا الجنس: قراءة القرآن الكريم في الطواف؛ فقد استحبها جمهور الفقهاء سلفا وخلفا، قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 82، ط. المطبعة المنيرية): "مذهبنا: استحباب قراءة القرآن في الطواف، وبه قال جمهور العلماء، قال العبدري: هو قول أكثر الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عطاء ومجاهد والثوري وابن المبارك وأبي حنيفة وأبي ثور، قال: وبه أقول" اهـ.

    ومنه أيضًا ما ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم- من قراءة القرآن حال المشي؛ كقول أبي موسى الأشعري لمعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- لما سأله: "كيف تقرأ القرآن؟"، قال: "قائما، وقاعدا، وعلى راحلته، وأتفوقه تفوقا"، أخرجه البخاري في صحيحه، ورواه أبو عوانة في "مستخرجه" ولفظه: "أقرؤه قائما، وقاعدا، وماشيا، وراكبا، وعلى فراشي، وعلى كل حال؛ أتفوقه تفوقا"، وروى الإمام مالك في "الموطأ": "أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن"، فلم تكن حركة المشي في الطواف أو في غيره لتحول دون القراءة فيه.

    والتفرقة هنا بين الحركة بسبب القراءة ومطلق الحركة المقارنة لها بسبب آخر: لا معنى له؛ لأن فرض الدعوى أن للقراءة هيئة توقيفية معينة واردة في السنة النبوية وهدي السلف الصالح لا تجوز إلا بها، وأن الحركة فيها تنافيها، فإذا ثبتت الحركة مع القراءة عن صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته ومذاهب حملته انتقضت الدعوى.

    وأخرج الإمام أحمد في مسنده وابن حبان من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: "كانت الأحباش يرقصون بين يدي رسول -الله صلى الله عليه وآله وسلم- ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح".

    وأصله في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- دون قولهم "محمد عبد صالح".

    وهذه الجملة مدح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من جملة الذكر، وقد أقرهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على قولها وهم يلعبون بحرابهم في المسجد.

    قال الحافظ القاضي عياض رحمه الله تعالى في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (3/ 310، ط. دار الوفاء): "فيه أقوى دليل على إباحته -أي: ما فعله الأحباش من الرقص-؛ إذ زاد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على إقرارهم أن أغراهم" اهـ وفيه سقط مستدرك من التراتيب الإدارية للشيخ عبد الحي الكتاني (2/ 141، ط. دار الكتاب العربي).

    وأخرج الإمام أحمد والطبراني والبزار ورجاله موثوقون من حديث شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «هل فيكم غريب؟» فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب فقال: «ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله».

    فالأمر النبوي برفع الأيدي عند التهليل يدل على أن مطلق الحركة عند ذكر الله تعالى جائزة، ولم يكن ذلك انفعالا، بل كان رمزا للتوحيد وإشراكا للجوارح مع القلب واللسان، وفيه معنى التواجد، بدليل أنه قدمه في الذكر على الذكر ولم يجعله منوطا بحصول الوجد فيه.

    وأخرج الإمام أحمد ‏في "المسند"، والنسائي في "السنن الكبرى"، والبزار في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، وابن أبي عاصم في "السنة" وغيرهم -وأصله في الصحيحين- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآيات يوما على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هكذا بيده ويحركها؛ يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه "أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم"، فرجف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر حتى قلنا: "ليخرن به".

    وفي رواية ابن ماجه في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير" قال: ويتمايل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهذا نص في تمايل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال قراءة القرآن وتحريك أطرافه الشريفة؛ انفعالا لمعاني آياته، وتأثرا بجلالها وعظمتها؛ سواء أكان تحرك المنبر بسبب تحركه صلى الله عليه وآله وسلم، أو معجزة له صلى الله عليه وآله وسلم.

    قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/ 320): "وأما حركة المنبر تحته: فيحتمل أن تكون لحركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوقه بهذه الإشارة، ويحتمل أن يكون تحرك من ذاته لحركته عليه السلام؛ مساعدا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حركته عليه وهيبته لما يسمع من عظمة الله تعالى كما حن له الجذع، فيكون من جملة علامات نبوته وآياته" اهـ.

    كما روي ذلك من فعل الصحابة أيضا؛ فروى الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "التهجد وقيام الليل" وفي كتاب "مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام" -ومن طريقه: الدينوري في "المجالسة"، والخطيب البغدادي في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وابن الجوزي في "التبصرة"- قال: أنبأنا علي بن الجعد: أخبرني عمرو بن شمر: حدثني إسماعيل السدي قال: سمعت أبا أراكة.

    ورواه أبو نعيم في "الحلية" -وعلقه ابن قتيبة في "عيون الأخبار"- عن مالك بن مغول، عن رجل من جعفي، عن السدي، عن أبي أراكة قال: صليت مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- صلاة الفجر، فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: "والله، لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجدا وقياما يتلون كتاب الله؛ يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين"، ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك، حتى ضربه ابن ملجم عدو الله الفاسق.

    وذكر الله تعالى يشمل قراءة القرآن الكريم، بل هو أعظم الذكر، فيصح الاستشهاد به حينئذ على الاهتزاز حال القراءة.

    وهذا الأثر فيه عمرو بن شمر الجعفي، وهو ضعيف متهم بالرفض عند المحدثين، إلا أنه قد يحتمل إذا احتيج إليه في باب لا يتعلق ببدعته، وكذبه إنما هو في مذهبه لا في روايته، وقد نفى الحافظ البيهقي كونه معروفا بالوضع أو بالكذب، كما اتهمه بذلك بعض المحدثين، وإنما قصاراه الضعف في الرواية؛ فساق في "شعب الإيمان" روايته عن جابر الجعفي في دعاء الختم بعد أن ضعفها وقال (3/ 428، ط. مكتبة الرشد): "وقد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدعوات وفضائل الأعمال، متى ما لم تكن من رواية من يعرف بوضع الحديث أو الكذب في الرواية" اهـ، وساق له رواية أخرى عنه أيضًا (4/ 15) وذكر أن لها شواهد، وقد اشترط على نفسه في أول كتابه (1/ 84) "الاقتصار على ما لا يغلب على القلب كونه كذبا" اهـ.

    وأمره أخف في غير الأحاديث المرفوعة المنكرة التي يتفرد بها عن الثقات؛ فقد روى عنه المحدثون من الآثار فيما يخالف بدعته؛ كالإمام الحافظ أبي زرعة الرازي رحمه الله: قال البرذعي في "سؤالاته" (2/ 690، ط. الجامعة الإسلامية): "شهدت أبا زرعة يروي بابا فيمن سب الصحابة؛ حدثنا عن عمرو الجعفي وعن جابر الجعفي، فقلت له بعد ذلك في عمرو الجعفي، فتبسم وقال: ما هو عندي في موضع يروى عنه، إلا أني احتجت إلى حديثه في الباب فاحتملته، ولم أنسبه كراهية أن يعرف فأنسب إلى أني رويت عن مثله، قلت: هو عمرو بن شمر؟ قال: نعم، وأنا أستغفر الله" اهـ.

    والحافظ أبو زرعة لا يروي عن كذاب، وإنما استغفر تنزها وتورعا، لا أنه قارف ذنبا بروايته عنه، وإلا فقد أخذها الرواة عنه ولم يعلم باستغفاره هذا إلا من سأله.

    ومن هذه الروايات: ما أخرجه الدارقطني في "فضائل الصحابة" من روايته عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي قال: "أجمع بنو فاطمة -عليهم السلام- على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول"، وأخرج أبو نعيم في "الحلية" من روايته عن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر! بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا وينالون أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم إني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله تعالى بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم أكن استغفر لهما وأترحم عليهما؛ إن أعداء الله لغافلون عنهما".

    ولما استنكر الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (1/ 383، ط. دار المعرفة) حديثا مرفوعا رواه أسيد بن زيد، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن عامر، في فضل عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قال: "ورواته الثلاثة رافضية، ولكن لا يتهمون في نقل فضل عائشة رضي الله عنها" اهـ، وإنما كان منكرا لتفردهم بهذا الحديث المرفوع عن الشعبي دون سائر أصحابه الثقات.

    وكذلك الحال هنا؛ فإن أثر أبي أراكة هذا فيه تفضيل للصحابة -رضي الله عنهم- وبيان علو منزلتهم على من بعدهم، وليس هذا مما يتهم به، كما أن بعض من فسر جرحه -كالحاكم وأبي نعيم- أنكروا عليه روايته عن جابر الجعفي، وليس هذا الأثر منها، وقد رواه عنه علي بن الجعد عند ابن أبي الدنيا، ومالك بن مغول، وكتبه عبد الله بن نمير كما ذكره ابن عدي في "الكامل"، والخطيب في "الموضح".

    قال الحافظ الإمام يحيى بن معين كما في تاريخه برواية الدوري، رقم: 2759: "قال لي ابن نمير: سمع مالك بن مغول من عمرو بن شمر حديث أبي أراكة".

    على أن عمرو بن شمر لم ينفرد به عن السدي؛ فقد تابعه عمر بن سعد النصري فيما رواه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (2/ 86)، وهو أبو حفص ابن أبي الضيزم الكوفي من بني نصر بن قعين، روى عنه إسماعيل بن موسى الفزاري، وموسى بن إسماعيل ابن بنت السدي، وعبد الله بن الوضاح الكوفي وكناه، ومحمد بن الجنيد عند الطبراني في "المعجم الكبير" (24/ 147)، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (6/ 158) وضعف له حديثا تفرد به، وذكره العقيلي في "الضعفاء" (3/ 162، ط. دار المكتبة العلمية)، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (6/ 112، ط. دائرة المعارف الهند)، وأبو عبد الله ابن منده في "الكنى والألقاب" (ص: 217، ط. مكتبة الكوثر)، وابن ماكولا في "الإكمال" (1/ 390، ط. دار الكتاب الإسلامي)، ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، وروى له الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" (2/ 404، ط. دار الكتب العلمية) وقال عنه: مجهول، وشرطه أن لا يروي عن كذاب كما سبق.

    فهذه متابعة لعمرو بن شمر في روايته عن السدي، ومع أنها مختصرة لم يرد فيها محل الشاهد إلا أن فيها تقوية لأصل الرواية في كونها معروفة عن السدي، وغالبا ما يختصر المحدثون الحديث فيكتفون بذكر طرفه إذا كان معروفا عندهم.

    أما أبو أراكة: فهو ابن مالك بن عمرو بن عامر بن ذبيان بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قسر؛ القسري البجلي، كان شريفا من التابعين، وأبو أراكة: اسمه؛ كما قاله ابن دريد في "الاشتقاق" (1/ 517، ط. مكتبة الخانجي)، وقيل اسمه: عامر، كما جزم به أبو المنذر العوتبي العماني [ت: 511هـ] في "الأنساب"، وهو زوج بنت جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- كما ذكر ابن حزم في "الجمهرة" (2/ 388، ط. دار الكتب العلمية)، وصاحب دار أبي أراكة بالكوفة وله فيها قصة مع سيدنا علي كرم الله وجهه، وأبوه مالك له إدراك كما قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (6/ 273، ط. دار الجيل)، وقد وثقه ابن حبان (الثقات 5/ 584، ط. دار الفكر)، ولم يضعفه أحد من المحدثين، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/ 336)، وروى عنه: إسماعيل السدي، والركين بن ربيع، والمنهال بن عمرو عند ابن أبي حاتم في التفسير (10/ 3291، ط. المكتبة العصرية).

    وأثر أبي أراكة هذا معروف عند قدماء المحدثين ومحدثيهم؛ فذكره ابن معين، وكتبه ابن نمير، ورواه مالك بن مغول وعلي بن الجعد، وتتابع المحدثون على روايته وإيراده قديما وحديثا، وتلقوه بالقبول، من غير أن يقدح في صحته أحد منهم أو يدعي بطلانه أو أنه مخالف لما عرفه التابعون وتابعوهم ورواة الآثار من وصف الصحابة رضي الله عنهم.

    ولو كان فيه ما ينكر رواية أو دراية لبادروا إلى نفيه أو القدح فيه.

    فساقه الحافظ ابن الجوزي في "التبصرة" محتجا به على فضل الصحابة، وفي كتابه "صفة الصفوة" (1/ 331، ط. دار المعرفة) الذي اختصره من "حلية الأولياء" للحافظ أبي نعيم؛ وذكر فيه وصف الصالحين وسيرهم، تاركا ما لا يصح من الأحاديث والآثار.

    ونسبه الحافظ ابن رجب الحنبلي لسيدنا علي على جهة القطع به فقال في "جامع العلوم والحكم" (ص: 447، ط. دار المعرفة): "وصف علي يوما الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم" اهـ.

    وأورده الحافظ ابن كثير الشافعي في "البداية والنهاية" (8/ 7، ط. دار إحياء التراث العربي) من غير أن يتعقبه بنقد أو جرح.

    وهو موجود في المصادر الشيعية أيضا؛ فهو في كتاب "سليم بن قيس الهلالي" (ص: 110)، والكافي للكليني (2/ 236)، و"الإرشاد" (ص: 161) و"المجالس" (ص: 105) للمفيد، وأورده الشريف الرضي في "نهج البلاغة" فيما جمعه من كلام سيدنا علي رضي الله عنه، كما في "مصادر نهج البلاغة وأسانيده" 2/ 191- 192، ط. دار الأضواء.

    وقد ورد عن بعض الصحابة ما يشهد لأثر أبي أراكة: فروى أبو بكر الخلال في العلل -كما في "المنتخب من علل الخلال" للموفق بن قدامة المقدسي (رقم 222)- عن الشعبي، قال: "سأل رجل محمد ابن الحنفية، فقال له: أخبرني كيف بسق أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ حتى لا يذكر أحد من الصحابة بفضل إلا قال الناس: أبو بكر، أبو بكر؛ أكان أكثرهم صلاة؟ قال: لا، قال: أفكان أكثرهم صياما؟ قال: لا؛ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفاضل، كانت في أبي بكر خصال ثلاث لم تكن في واحد من الصحابة: أما الأولى: فكان إذا ذكر الله في مجلسه، أو ذكره هو، اهتز كما تهتز السفعة، وتضاءل إجلالا لله، وتعظيما له، وهيبة لذكره.

    وأما الثانية: فكان إذا خير بين أمرين، أحدهما فيه غناه وغنى عقبه، والآخر لله فيه رضا، اختار الذي فيه لله رضا، وإن كان فيه فقره وتلفه.

    والثالثة: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لما قبض حزن الناس عليه، وحزن أبو بكر فزاد حزنه عليه، فما زال جسمه يذوب ويحري -أي: ينقص-، حتى لحق الله" اهـ.

    وقوله في أول الأثر "لم تكن في واحد من الصحابة" أي بالقدر الذي كانت عليه في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وليس ذلك نفيا محضا لاتصاف الصحابة بها.

    وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن": عن الحسن قال: "قرأ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ[٧] مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ[٨]﴾ [الطور: 7 - 8]، فربا منها ربوة عيد منها عشرين يوما".

    وروى أبو عبيد في "فضائل القرآن"، ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط": عن سليمان بن سحيم -وهو تابعي يروي عن جماعة من الصحابة كما في الثقات لابن حبان ([4]/ [310])- قال: أخبرني من رأى عمر -رضي الله عنه- يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: أصيب الرجل؛ وذلك لذكر النار إذا مر بقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا[١٣]﴾ [الفرقان: 13]، أو شبه ذلك.

    والحركة عند قراءة القرآن وسماعه أمر معهود عند العلماء والقراء قديما وحديثا - ففي ترجمة الإمام المقرئ أحمد بن معتب بن أبي الأزهر المالكي [ت: 277هـ]، وهو من فقهاء أصحاب سحنون، قال أبو العرب: كان ثقة ثبتا، نبيلا، عالما بالحديث والرجال، حسن التقييد، سمع منه الناس.

    قال القاضي عياض رحمه الله في "ترتيب المدارك" ([1]/ [503]، ط. دار الكتب العلمية): "قال ابن اللباد: حضرت مشهد الذكر يوم السبت، لسبع خلون من ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين، وأحمد بن المعتب رحمه الله تعالى حاضر، وكان له بكاء ونوح، وكان القراء إذا علموا به تحركوا وعبروا وأخذوا في التعبير، فلما وصلوا تحرك وبكى، ثم قرأ قارئ: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف: 68] الآية بل الآيات الثلاث، فصاح صيحة شديدة ثم سقط على وجهه، فأقام ساعة، فلما كان بعد العشاء الأخير توفي رحمه الله تعالى، وفات كثيرا من الناس الصلاة عليه لكثرتهم، ونودي على جنازته: أيها الناس لا تفوتكم جنازة أحمد بن معتب شهيد القرآن" اهـ.

    - ويذكر الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (3/ 211، ط. دار الكتب العلمية) عن الحافظ أبي بكر الباغندي [ت: 312هـ] أنه كان يسرد الحديث من حفظه ويهذه مثل تلاوة القرآن للسريع القراءة، وكان يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، وحدثنا فلان، وهو يحرك رأسه حتى تسقط عمامته، ولا يخفى أن من الأحاديث ما فيه ذكر وقرآن.

    - ويذكر القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (2/ 143) في ترجمة الإمام الحافظ الحجة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد المالكي [ت: 386هـ] -إمام المالكية في عصره، وجامع مذهب الإمام مالك رضي الله عنه- أن من تآليفه: "رسالة فيمن تأخذه عند قراءة القرآن والذكر حركة".

    - وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميله يمنة ويسرة، كما يصفه تلميذه عمر بن علي البزار في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" (ص: 36، ط. المكتب الإسلامي).

    وقد أفتى بجواز الاهتزاز والميل في الذكر وعند قراءة القرآن الكريم جماعة من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية المتبوعة: فمن الحنفية: العلامة ابن كمال باشا [ت: 940هـ] حيث نقل عنه العلامة ابن عابدين في رد المحتار (4/ 259- 260، ط. دار الفكر) قوله: ما في التواجد إن حققت من حرج ... ولا التمايل إن أخلصت من باس فقمت تسعى على رجل، وحق لمن ... دعاه مولاه أن يسعى على الراس ومن المالكية: الإمام الفقيه أبو القاسم بن علي بن خجو الحساني المالكي [ت: 956]هـ]؛ حيث يقول: "ورد ما يوجب التسليم لمن اهتز ورقص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، والوجل: هو الاضطراب والاهتزاز، والرقص منه، ولا حرج على المغلوب ولا على المساعد له" اهـ نقلا عن كتاب نجوم المهتدين، في دلائل الاجتماع للذكر على طريقة المشايخ المتأخرين، برفع الأرجل من الأرض والاهتزاز شوقا لرب العالمين للعلامة الكتاني (ص: 69).

    وأما الشافعية: فالمعتمد عندهم في الاهتزاز عند القراءة الكراهة داخل الصلاة ما لم يصل إلى حد الحركة الكثيرة عرفا، وأما خارجها فهو مندوب كما يفيده كلام العلامة ابن حجر الهيتمي، وهو المعتمد، ومنهم من قال بأن الاهتزاز خارج الصلاة خلاف الأولى، وبعضهم قال بالكراهة.

    قال العلامة زين الدين المناوي الشافعي [ت: 1031هـ] في "فيض القدير" (2/ 79، ط. دار الكتب العلمية): "سئل جدي شيخ الإسلام يحيى المناوي رحمه الله: هل الاهتزاز في القرآن مكروه أو خلاف الأولى؟ فأجاب: بأنه في غير الصلاة غير مكروه ولكن خلاف الأولى، ومحله: إذا لم يغلب الحال واحتاج إلى نحو النفي في الذكر إلى جهة اليمين والإثبات إلى جهة القلب، وأما في الصلاة فمكروه إذا قل من غير حاجة" اهـ.

    وقال شيخ الإسلام أبو المكارم نجم الدين الغزي العامري الشافعي [ت: 1061هـ] في كتابه "حسن التنبه لما ورد في التشبه" (ق: 269/ ب، مخطوط بالمكتبة الظاهرية): "إذا كان لغرض التفتيح في نفس القارئ، أو كان في قراءته أو سماعه متدبرا لمعانيه فأثر فيه التدبر هذه الحركة عن طرب أو رغبة أو رهبة، فهذه حركة محمودة لا بأس بها" اهـ.

    وقال مفتي حضرموت العلامة عبد الرحمن باعلوي الشافعي [ت: بعد 1251هـ] في "بغية المسترشدين" (ص: 111، ط. دار الفكر): "الاهتزاز في الصلاة -وهو التمايل يمنة ويسرة- مكروه ما لم يكثر وإلا أبطل؛ كالمضغ، إلا أن يكون عن الاضطرار، وأما خارج الصلاة: ففي شرح الشمائل لابن حجر ما يفيد ندبه، وقال الونائي: هو خلاف الأولى، وفي رفض الخرائد لعبد العزيز المغربي تشديد النكير فيه وكراهته، قال: لأنه تشبه باليهود" اهـ.

    وجنس الاهتزاز للنشاط والسرور غير مستنكر في العبادة، بل في أحكام الشريعة وفروع فقه العبادات ما يشهد له؛ فقد قصر الشافعية الرمل المشروع على طواف القدوم في الأصح عندهم، ونصوا على أن المعنى في ذلك: أنه أول العهد بالكعبة؛ فناسب ذلك الاهتزاز عندها والنشاط في العبادة؛ قال الإمام الرافعي الشافعي في "فتح العزيز شرح الوجيز" (7/ 329- 330، ط. دار الفكر): "لا خلاف في أن الرمل لا يسن في كل طواف، وفيم يسن فيه قولان: (أحدهما) قال في "التهذيب": وهو الأصح الجديد؛ يسن في طواف القدوم والابتداء؛ لأنه أول العهد بالبيت فيليق به النشاط والاهتزاز" اهـ.

    وعند الحنابلة: أن التميل مكروه في الصلاة، أما الوجد والتواجد عند القرآن سماعا أو قراءة خارج الصلاة فهو ممدوح لا كراهة فيه عندهم، ونقل ذلك عن نص الإمام أحمد رضي الله عنه: قال الإمام الموفق بن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 696، ط. دار الفكر): "وكره التميل في الصلاة" اهـ.

    وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" ([8]/ [378 - 379]، ط. مؤسسة الرسالة): "ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون! قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه! فقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47].

    ولعل مراده: سماع القرآن، وعذرهم لقوة الوارد، كما عذر يحيى القطان في الغشي" اهـ.

    وذلك محمول عند الحنابلة على التواجد عند القرآن، ولا مخالفة فيه حينئذ؛ لما ورد عن الإمام أحمد رضي الله عنه، قال العلامة ابن مفلح أيضًا في "الآداب الشرعية" (2/ 308- 309، ط. مؤسسة الرسالة): "كذا روي في هذه الرواية، والمعروف خلاف هذا عنه، ولعل مراده: أنهم يستمعون ويتواجدون عند القرآن؛ فيحصل لبعضهم ما يحصل من الغشي والموت، كما كان يحصل ليحيى بن سعيد القطان، وعذره الإمام أحمد، فلا مخالفة.

    والله أعلم" اهـ، ومراده بما عرف عن أحمد خلافه: ما جاء في أول الحكاية من أفضلية الصوفية على الإطلاق؛ لأن المعروف عنه ذم جماعة من صوفية عصره؛ لكلامهم على الوساوس والخطرات بلا مستند شرعي -كما يقول الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: 255، ط. دار المعرفة)-، كما أنه نصح أحد أصحابه بعدم صحبتهم مع حضوره هو معهم؛ لعلمه بقصوره عن مقامهم؛ فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل واحد، ويخاف على من يسلكه أن لا يوفيه حقه -كما يقول الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (2/ 117، ط. دار الفكر) وقبله الحافظ البيهقي في "مناقب الإمام أحمد" كما في "البداية والنهاية" (10/ 363، ط. دار إحياء التراث العربي)-.

    أما الاستماع والتواجد عند الذكر فغير مستنكر عند الإمام أحمد؛ بل المعروف والثابت عنه رضي الله عنه بالسند الصحيح حضوره مجلس الوعظ للإمام العارف الحارث المحاسبي، وأنه بكى حتى غشي عليه وأصبح متغير الحال، وأنه قال: "ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل"، كما رواه الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (8/ 215، ط. دار الكتب العلمية) وصححه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (2/ 117)؛ ولذلك حمل العلامة المحقق ابن مفلح كلام الإمام أحمد على التواجد عند القراءة، وهذا الذي اعتمده الحنابلة بعد ذلك في كتبهم؛ كما في "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" (1/ 121، 313، ط. دار الكتب العلمية) للعلامة السفاريني الحنبلي، و"كشاف القناع عن متن الإقناع" (12/ 65، ط. وزارة العدل السعودية)، و"مطالب أولي النهى"، وغيرها من كتب المذهب.

    ولا يخفى أن التواجد إنما يكون لاستحضار الوجد.

    وغير سديد تكذيب هذه الرواية بما ذكره الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 122، ط. دار المعرفة) في ترجمة (علي بن الحسن الطرسوسي) أنه: "صوفي وضع حكاية عن الإمام أحمد في تحسين أحوال الصوفية رواها عنه العتيقي" اهـ؛ فإن القلانسي غير الطرسوسي، وسند الطرسوسي هذا أخرجه الحافظ أبو الحسين الطيوري الحنبلي [ت: 500هـ] -فيما انتخبه وسمعه عليه تلميذه الحافظ أبو طاهر السلفي الشافعي [ت: 576هـ]- في "الطيوريات" (1/ 56- 57، برقم: 35، ط.) قال: سمعت أبا الحسن -يعني: العتيقي [ت: 441هـ]-، قال: سمعت علي بن الحسن الصوفي الطرسوسي [ت: 407هـ] يقول: سمعت سليمان بن أحمد الطبراني يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي رحمه الله... فذكر نحوه، والراوي لهذه الحكاية هو الحافظ الطيوري الحنبلي، والمنتخب لها من بين مروياته هو الحافظ السلفي إمام أهل الحديث في زمنه، ولا تروج الموضوعات أو الأكاذيب على مثل هؤلاء الأئمة النقدة، والحنابلة أدرى الناس بأقوال إمامهم رضي الله عنه.

    والطرسوسي هذا ترجمه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في "تاريخ دمشق" (41/ 333) والحافظ ابن النجار [ت: 643هـ] في "ذيل تاريخ بغداد" (3/ 206، ط. دار الكتب العلمية)، وذكرا أنه: علي بن الحسن بن القاسم بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن المترفق أبو الحسن البغدادي ثم الطرسوسي الصوفي، وأنه حدث بدمشق ومصر، وأنه سمع من الحافظ الطبراني وابن عدي وغيرهما، وسمع منه جماعة من الحفاظ، وذكر ابن النجار أنه حدث بحكايات المشايخ -يعني: أئمة الصوفية-، ونقل عنه قدرا من ذلك، ولم يتهمه بالوضع أحد قبل الحافظ الذهبي، واتهامه فيه نظر؛ فقد نص النقاد -كالحافظ العلائي والتاج السبكي والحافظ السيوطي وغيرهم- على أن جرحه لمن يخالفه في المذهب كالصوفية والأشاعرة لا بد أن يكون مفسرا وإلا فلا يقبل؛ كما بسطه العلامة أبو الحسنات اللكنوي في "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" (ص: 310-320، ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب).

    أما القلانسي فقد ذكره الحافظ تقي الدين عبد العزيز ابن الأخضر الحنبلي [ت: 611هـ] في كتابه "تسمية من روى عن أحمد" ونقل عنه هذه الحكاية، وهذا مخرج آخر لها يزيدها قوة وصحة.

    ثم إن الكلام إنما هو في اعتماد المذهب الحنبلي جواز التواجد أثناء القراءة وعدم إنكارهم لشاهد ذلك في الحكاية، وأن أحدا منهم لم يكذب هذه الحكاية، وغاية ما استشكله العلامة ابن مفلح -كما سبق- إطلاق مدح الصوفية في هذه الحكاية، ثم إنه قد وجهها بما يتفق مع المنقول عن صاحب المذهب رضي الله عنه، وأهل المذهب أدرى بأقوال صاحبه، وعليهم المعول في معرفة ما يعتمد منها.

    وقد صنف جماعة من العلماء في الاحتجاج للتمايل والاهتزاز في الذكر؛ منهم الإمام العارف الشيخ عبد الغني النابلسي [ت: 1143هـ] في كتابه: "الأسرار، في منع الأشرار، من الطعن في الصوفية الأخيار، أهل التواجد في الأذكار"، والشيخ العلامة أبو المكارم عبد الكبير الكتاني في كتابه "نجوم المهتدين، في دلائل الاجتماع للذكر على طريقة المشايخ المتأخرين، برفع الأرجل من الأرض والاهتزاز شوقا لرب العالمين" وهو مطبوع، وسماه أيضا: "شرح الفكر، بذكر دلائل التواجد عند الذكر"، أو "المواهب الجلية، في ذكر دلائل رقص الصوفية".

    وأما دعوى أن الاهتزاز والتمايل في قراءة القرآن فيه مشابهة لليهود: فقد ورد في كلام بعض العلماء؛ كالشيخ أثير الدين أبي حيان النحوي الأندلسي [ت: 745]هـ]؛ حيث يقول في "البحر المحيط" ([5]/ [218]، ط. دار الفكر) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: 171]: "وذكر الزمخشري هنا عند ذكر السبب أنه لما نشر موسى عليه السلام الألواح وفيها كتاب الله تعالى لم يبق شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز؛ فلذلك لا ترى يهوديا يقرأ التوراة إلا اهتز وأنغض لها رأسه.

    انتهى.

    وقد سرت هذه النزعة إلى أولاد المسلمين فيما رأيت بديار مصر؛ تراهم في المكتب إذا قرأوا القرآن يهتزون ويحركون رؤوسهم، وأما في بلادنا بالأندلس والغرب فلو تحرك صغير عند قراءة القرآن أدبه مؤدب المكتب، وقال له: لا تتحرك فتشبه اليهود في الدراسة" اهـ.

    وذكر نحو ذلك الشيخ شمس الدين الراعي الأندلسي المالكي [ت: 853هـ] في كتابه "انتصار الفقير السالك، لترجيح مذهب الإمام مالك" (ص: 250، ط. دار الغرب الإسلامي) حيث قال: "وكذلك وافق أهل مصر اليهود، في الاهتزاز عند الدرس والاشتغال، وهو من أفعال اليهود" اهـ.

    وهذا الذي قاله الزمخشري في "الكشاف" -ونقله عنه أبو حيان- لم يرد به نص ولا يصح فيه حديث، وإنما أخذه الزمخشري وغيره مما رواه سنيد بن داود -كما في "تفسير ابن كثير" (3/500، ط. دار طيبة)- ومن طريقه ابن جرير الطبري في "التفسير" (13/ 219، ط. مؤسسة الرسالة) عن حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله قال: "فلما نشر -يعني: موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام- الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه".

    وما جاء في هذا الأثر وغيره من إضافة اليد لله تعالى في كتابة الألواح: "اتفق المسلمون أهل السنة والجماعة أن اليد هنا ليست بجارحة ولا جسم ولا صورة -كما يقول القاضي عياض في "مشارق الأنوار" (2/ 303، ط. المكتبة العتيقة)-، ونزهوا الله تعالى عن ذلك؛ إذ هي صفات المحدثين، وأثبتوا ما جاء من ذلك إلى الله تعالى وآمنوا به ولم ينفوه" اهـ.

    وهذا الأثر رواه حجاج بن محمد المصيصي من كلام أبي بكر بن عبد الله؛ وهو "الهذلي" كما صرح به ابن جرير الطبري في هذا السند في مواضع من "تفسيره" في قصة موسى عليه السلام وغيرها (13/ 19، 98، 15/ 437، 440)، وأبو بكر الهذلي اسمه: سلمى -أو: روح- بن عبد الله بن سلمى، وهو ضعيف عند المحدثين، ولم يسنده عن أحد وإنما هو قوله، وطبقته متأخرة؛ فقد توفي سنة سبع وستين ومائة من الهجرة.

    وورد هذا المعنى عن الإمام أبي عمرو بن العلاء [ت: 154هـ] حيث نقل عنه قوله في سبب تسميتهم باليهود: "لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إن السموات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة" اهـ، نقله أبو إسحاق الثعلبي في "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (1/ 208، ط. دار إحياء التراث العربي)، ومحيي السنة البغوي في "معالم التنزيل" (1/ 102، ط. دار طيبة)، وغيرهما.

    هذا ما ورد في تميل اليهود عند القراءة، وليس فيه ما ينتهض للدلالة على حكم شرعي.

    وورد أيضًا في النهي عن التشبه باليهود في تميلهم في الصلاة حديث مرفوع ولكنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ فقد أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" -كما في النسخة المسندة (1/ 582، برقم 825، ط. مكتبة الإمام البخاري)-، وابن عدي في "الكامل" (2/ 203)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 304)، وأبو القاسم التيمي قوام السنة في "الترغيب والترهيب" (2/ 417، ط. دار الحديث)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (59/ 289): من طريق معاوية بن يحيى الأطرابلسي، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-، عن أم رومان -رضي الله عنها-، قالت: "رآني أبو بكر أتميل في الصلاة، فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه ولا يتميل تميل اليهود؛ فإن تسكين الأطراف من تمام الصلاة»".

    قال الحافظ ابن عساكر: "غريب، وفيه ثلاثة من الصحابة".

    وقال الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي في "ذخيرة الحفاظ" (1/ 344، ط. دار السلف): "رواه الحكم بن عبد الله الأيلي... والحكم هذا أجمعوا على ترك حديثه".

    وهذا الحديث تفرد به الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك عند المحدثين، كما أنهم نصوا على ضعفه في رواياته عن القاسم بن محمد وغيره، وأن الثقات لا يتابعونه عليها، قال الإمام أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال أبو حاتم: كذاب، وقال ابن معين: ليس بثقة، وذكر الحافظ ابن عدي في "الكامل" هذا الحديث وغيره في الأحاديث التي أنكرت عليه، ثم قال: "وما أمليت للحكم عن القاسم بن محمد والزهري وغيرهم كلها والمتن الروايات (كذا) غير ما ذكرته هاهنا فكلها مما لا يتابعه الثقات عليه، وضعفه بين على حديثه" اهـ.

    وروي عن الإمام الشعبي [ت: 103هـ] -وهو من التابعين- أنه ذكر مشابهة الرافضة لليهود فقال: "واليهود تنود –أي: تتمايل- في الصلاة، وكذلك الرافضة"؛ رواه الخلال في "السنة" (4/ 498، ط. دار الراية) وغيره، ولكنه من رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول، وهو ضعيف في الحديث، وقد صح أصل الأثر عن الشعبي بغير هذه الزيادة، وذكر ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (1/ 9، ط. مؤسسة قرطبة) أن الأظهر أنها ليست من كلام الشعبي.

    وهذا النهي الوارد -على فرض صحته- إنما هو في الصلاة، ولا يخفى أنه لا يصح الاستدلال له على منع التمايل خارج الصلاة؛ بدليل ما جاء في تمامه من تعليل النهي: «فإن تسكين الأطراف من تمام الصلاة»؛ ولذلك حمل الفقهاء النهي على التحرك الكثير الذي يبطل الصلاة من غير اعتبار لخصوص الاهتزاز أو التمايل.

    قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 529) في شرحه للحديث: "إن كثر التحرك كثلاث متوالية أبطل عند الشافعي.

    وذلك لأن الوقوف في الصلاة وقوف ذل وتخشع" اهـ.

    وحمله الحنابلة على الكراهة دون التحريم؛ كما سبق النقل فيه عن الموفق بن قدامة.

    أما التمايل خارج الصلاة فلا نهي فيه أصلا، وما ثم إلا كلام أبي بكر الهذلي وأبي عمرو البصري في أن اليهود يتمايلون، ولا يخفى أن جعل ذلك تكأة لتحريم التمايل عند القراءة أو سماعها مسلك لا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح، ودون إثبات مثل هذه الدعوى خرط القتاد: فهي تحتاج أولًا إلى إثبات صحة ذلك عنهم بالدليل الشرعي الصحيح، وذلك معدوم هنا.

    وإذا صحت نسبة ذلك إليهم فتحتاج ثانيًا إلى إثبات اختصاصهم به دون من سواهم.

    وإذا ثبت الاختصاص: فتحتاج ثالثًا إلى إثبات أنه من أفعال طالحيهم لا صالحيهم.

    وتحتاج رابعًا إلى إثبات أن هذا التمايل هو من الأفعال التي نهاهم الله تعالى عنها.

    وتحتاج خامسا إلى إثبات نسخه بشريعتنا وأنه ليس محلا للتشبه المحمود بهم.

    وإذا ثبت فيحتاج سادسا إلى معرفة جهة التشبه المذمومة شرعا في هذا الفعل.

    ولا شك أن بين ادعاء هذه الأمور وبين ثبوتها مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي.

    - وقد نص العلماء على أنه ليس كل تشبه بأهل الكتاب يكون حراما حتى يكون الفعل نفسه مذموما، وأن الأمر على التفصيل، بل ذكروا أن من التشبه ما يكون ممدوحا عليه فاعله: قال الإمام أبو المكارم نجم الدين الغزي العامري الشافعي في كتابه "حسن التنبه لما ورد في التشبه" (ق: 255/أ، مخطوط بالمكتبة الظاهرية): "تنبيه: ما ينهى عن التشبه فيه بأهل الكتاب هو: ما تلبسوا به مما نهاهم عنهم أنبياؤهم قبل نسخ دينهم، أو مما ابتدعوه ولم يكن مشروعا ثم نسخ.

    فأما ما لم يقبل النسخ واتفقت عليه الأمم كالتوحيد وأصول العقائد المتفق عليها فهذا دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يصح النهي عنه بحال.

    فأما ما يقبل النسخ ولم ينسخ كمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق... فهذا يتشبه فيه بصالحي أهل الكتاب وغيرهم، ما لم يثبت في شريعتنا خلافه؛ كسجود التحية، فيجتنب.

    تتمة: بان لك بأن التشبه بأهل الكتاب على قسمين: مذموم منهي عنه: وهو التشبه بضلالهم.

    ومحمود ومأمور به أو مندوب إليه: وهو التشبه بهداتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ[١١٣] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ[١١٤]﴾ [آل عمران: 113 - 114]" اهـ، وهو كلام متين محرر.

    - والتمايل عند قراءة التوراة وسماعها منقول أيضًا عن سيدنا موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-، كما سيأتي في النقل عن جماعة من أهل العلم منهم: الحكيم الترمذي، والشهاب السهروردي، والزين المناوي.

    وليست دعوى تحريمه لنقله عن اليهود بأولى من دعوى مشروعيته واستحبابه تأسيا بسيدنا موسى عليه السلام فيما لم نؤمر في شريعتنا بخلافه؛ امتثالا لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90].

    وقد جاءت السنة النبوية الشريفة بحصول الحركة حين الذكر والقراءة -كما سبق-؛ فصح بذلك القول بالمشروعية.

    - ثم إن من يحدث منه الاهتزاز أو التمايل عند قراءة القرآن أو سماعه؛ وجدا أو تواجدا أو عادة، لا يخطر بباله التشبه باليهود أصلا، فضلا عن أن يقصده، فلا يسمى فعله هذا تشبها؛ فإن من الأصول الشرعية اعتبار قصد المكلف؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، فلا يكون الإنسان متشبها حتى يقصد المشابهة ويتعمد حصول الشبه، أما المشابهة في الصورة الظاهرة للفعل فليست تشبها في الحقيقة، ومن أدلة ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «اشتكى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم؛ إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا»، و"كاد" تدل في الإثبات على انتفاء خبرها مع مقاربة وقوعه، وصورة فعل فارس والروم صدرت من الصحابة بالفعل، لكنهم لما لم يقصدوا التشبه انتفى ذلك الوصف عنهم شرعا.

    - وعرف العلماء "التشبه" بما يجعل القصد داخلا في ماهيته وحقيقته، وهذا آت من صيغة كلمة "التشبه"؛ لأن التشبه: تفعل، وهذه الصيغة تدل على انعقاد النية والتوجه إلى قصد الفعل ومعاناته، وهو حصول الشبه: فعرفه العلامة نجم الدين الغزي الشافعي في كتابه "حسن التنبه لما ورد في التشبه" (ق: 2/ ب، مخطوط بالظاهرية) بأنه: "عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به أو على هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعمله... وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزيي والتحلي والتخلق" اهـ.

    - ونص كذلك المحدثون والفقهاء من مختلف المذاهب الفقهية على أنه يشترط في تحريم التشبه: قصد حصوله؛ فلا يكون من حصل منه ما يشبه صنيع أهل الكتاب متشبها بهم حتى يكون قاصدا لحصول الشبه: فعند الحنفية: يقول العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 11، ط. دار المعرفة): "اعلم أن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء؛ فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذموما، وفيما يقصد به التشبه، كذا ذكره قاضيخان في "شرح الجامع الصغير"؛ فعلى هذا لو لم يقصد التشبه لا يكره عندهما" اهـ.

    وعند المالكية: يقول العلامة أبو الحسن بن بطال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 85، ط. مكتبة الرشد) في كلامه على باب: (من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد، فأراد به وجه الله)، والذي أورد فيه الإمام البخاري حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «انكسفت الشمس، فصلى نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم قال: أريت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع»: "الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله تعالى والسجود لوجهه خالصا، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها، كما لم يضر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ما رآه في قبلته من النار" اهـ.

    هذا مع كون الفقهاء قد نصوا على كراهة الصلاة إلى النار أو التماثيل أو غيرهما مما يعبد من دون الله؛ لما في ذلك من التشبه بالمجوس وعبدة الأصنام وغيرهم من أهل الشرك.

    وعند الشافعية: جاء في الفتاوى الفقهية للعلامة شيخ الشافعية ابن حجر الهيتمي (4/ 234، ط. دار الفكر): "وسئل رحمه الله تعالى ورضي عنه: هل يحل اللعب بالقسي الصغار التي لا تنفع ولا تقتل صيدا، بل أعدت للعب الكفار، وأكل الموز الكثير المطبوخ بالسكر، وإلباس الصبيان الثياب الملونة بالصفرة؛ تبعا لاعتناء الكفرة بهذه في بعض أعيادهم وإعطاء الأثواب والمصروف لهم فيه إذا كان بينه وبينهم تعلق من كون أحدهما أجيرا للآخر من قبيل تعظيم النيروز ونحوه؛ فإن الكفرة صغيرهم وكبيرهم، وضيعهم ورفيعهم حتى ملوكهم يعتنون بهذه القسي الصغار واللعب بها، وبأكل الموز الكثير المطبوخ بالسكر اعتناء كثيرا، وكذا بإلباس الصبيان الثياب المصفرة وإعطاء الأثواب والمصروف لمن يتعلق بهم، وليس لهم في ذلك اليوم عبادة صنم ولا غيره، وذلك إذا كان القمر في سعد الذابح في برج الأسد، وجماعة من المسلمين إذا رأوا أفعالهم يفعلون مثلهم.

    فهل يكفر أو يأثم المسلم إذا عمل مثل عملهم من غير اعتقاد تعظيم عيدهم ولا اقتداء بهم أو لا؟ فأجاب -نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين- بقوله: لا كفر بفعل شيء من ذلك، فقد صرح أصحابنا بأنه لو شد الزنار على وسطه، أو وضع على رأسه قلنسوة المجوس، لم يكفر بمجرد ذلك.

    اهـ، فعدم كفره بما في السؤال أولى، وهو ظاهر، بل فعل شيء مما ذكر فيه لا يحرم إذا قصد به التشبه بالكفار لا من حيث الكفر، وإلا كان كفرا قطعا، فالحاصل أنه إن فعل ذلك بقصد التشبه بهم في شعار الكفر كفر قطعا، أو في شعار العيد مع قطع النظر عن الكفر لم يكفر ولكنه يأثم، وإن لم يقصد التشبه بهم أصلا ورأسا فلا شيء عليه" اهـ.

    ومن الحنابلة: يقول العلامة المحقق منصور بن يونس البهوتي الحنبلي في شرحه "كشاف القناع عن متن الإقناع" للعلامة الشرف الحجاوي (6/ 457- 458): "(ولا تسن الفرعة) بفتح الفاء والراء، وتسمى أيضًا "الفرع" (وهي: ذبح أول ولد الناقة) كانوا في الجاهلية يأكلون لحمه ويلقون جلده على شجرة (ولا العتيرة، وهي: ذبيحة رجب) أي: شاة كانت العرب تذبحها في العشر الأول من رجب لطواغيتهم وأصنامهم ويأكلون لحمها ويلقون جلدها على شجرة.

    قاله في "المستوعب"... (ولا يكرهان) أي: الفرعة والعتيرة؛ لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة، لا تحريم فعلهما ولا كراهته، ولكن إذا لم يكن على وجه التشبه بما كان في الجاهلية، وهذا واضح؛ لحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم»" اهـ.

    - على أن لما نقل من تمايل اليهود عند قراءة التوراة -على فرض ثبوته وصحته- محامل أخرى هي وحدها مناط الذم الشرعي لهم؛ وإلا فقد أخذوه من تمايل سيدنا موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- عند قراءتها، غير أنهم كانوا يتميلون تصنعا وتكلفا واكتفاء بتحرك الأطراف وتخشع الظاهر على خراب القلوب وخواء الباطن، وحينئذ فيقتصر الذم على من صدر منه التمايل والاهتزاز لغرض مذموم؛ كمن يفعل ذلك رياء، أو تصنعا، أو على جهة العبث واللعب، أو الحركة الكثيرة التي تبطل الصلاة أو تذهب روح الخشوع فيها، أو غير ذلك من الأغراض والأفعال المذمومة التي جاءت الشريعة بالنهي عنها: قال الإمام العارف الحكيم الترمذي [ت: 320]هـ] في "نوادر الأصول" النسخة المسندة ([1]/ [583]- [585]، ط. مكتبة الإمام البخاري): "فأما تميل اليهود: فإن بدء ذلك أن موسى صلوات الله عليه كان يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأمور مكتفيا؛ لقلة ما في باطنهم، وكان يهيب الأمور ويعظمها في الظاهر لهم، وكان مكتفيا لنفسه بما في باطنه... فكان إذا قرأها (أي: التوراة) على بني إسرائيل يتلذذ بما فيها وهاجت منه اللذة؛ فكان يتمايل على قراءته كالذي يطرب على الشيء يقرأه، فخلت هذه القلوب التي بعده مما كان يجده موسى صلوات الله عليه، فاستعملوها من بعده على خراب القلوب وخلاء الباطن من ذلك، وقال موسى عليه السلام يوم الوفادة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 156]، فأخذوا هذا من قوله فجعلوا يتهادون في صلاتهم؛ أي: يتمايلون.

    وقيل لموسى عليه السلام يوم كلمه الله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]، فأخذوا هذا من قوله فإذا صلوا خلعوا نعالهم، فهذه الأشياء عللها قائمة والأصل صحيح وحق، فقال: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾؛ أي: ملنا إليك، وهو التوبة، وذلك أن الوفد لما صاروا إلى الجبل رجف بهم فقال: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ [الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، فأخذوا هذه من قوله فتمايلوا في الصلاة وقراءة التوراة؛ فطرب وحرك رأسه، فأخذوا هذا من فعله... فأمر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بإهدار هذه الأفعال وقال: «سكنوا أطرافكم في الصلاة»؛ يخبر أن ذلك منهم غير صحيح، وروي عنه أيضًا أنه قال: «صلوا في نعالكم ولا تتشبهوا باليهود»... فأمرت هذه الأمة بتسكين الأطراف والخشوع لربها في الظاهر للعامة وفي الباطن للخاصة قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ[١] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[٢]﴾ [المؤمنون: 1 - 2].

    ومن ههنا أنب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على أهل الوسوسة فقال: «هكذا خرجت عظمة الله تعالى من قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، لا يقبل الله صلاة امرئ لا يشهد فيها قلبه ما يشهد بدنه، وإن الرجل ليصلي الصلاة وما يكتب له عشرها»" اهـ.

    وقال الإمام العارف شهاب الدين السهروردي الشافعي [ت: 632هـ] في "عوارف المعارف" (ص: 290): "قيل: كان موسى عليه السلام يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأمور لقلة ما في باطنهم؛ فكان يهيب الأمور ويعظمها، ولهذا المعنى أوحى الله تعالى إليه أن يحلي التوراة بالذهب، ووقع لي -والله أعلم- أن موسى عليه السلام كان يرد عليه الوارد في صلاته ومحال مناجاته فيموج به باطنه كبحر ساكن تهب عليه الريح فتتلاطم الأمواج؛ فكان تمايل موسى عليه السلام تلاطم أمواج بحر القلب إذا هب عليه نسمات الفضل، وربما كانت الروح تتطلع إلى الحضرة الإلهية فتهم بالاستعلاء وللقلب بها تشبك وامتزاج، فيضطرب القالب ويتمايل، فرأى اليهود ظاهره فتمايلوا من غير حظ لبواطنهم من ذلك" اهـ.

    وقال العلامة زين الدين المناوي [ت: 1031]هـ] في "فيض القدير" ([1]/ [529]، ط. دار الكتب العلمية): "وتمايل اليهود غير ناشئ عن خشوع قلوبهم، بل سببه -فيما قيل-: أنه أوحي إلى موسى أن هذه التوراة صارت في حجر بني إسرائيل ولا تكاد تعظمها، فحلها بذهب لم تمسه الأيدي، فأنزلت عليه الكيميا فحلاها بها، فكان إذا قرأها تلذذ بها وهاجت اللذة، فيتمايل طربا على كلام ربه، فاستعملها اليهود بعده على خراب القلوب وخلاء الباطن، فهذا هو المشار إلى النهي عنه في الحديث.

    وقيل: أصله قول موسى يوم الوفادة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ فأخذوا هذا من قوله وجعلوا يتهادون: أي يتمايلون في صلاتهم، فأخبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأن فعلهم ذلك غير صحيح وإن كان الأصل صحيحا" اهـ.

    وقال العلامة العارف ابن عجيبة الحسني المالكي [ت: 1224هـ] في "شرح المباحث لابن البنا" (نقلا عن نجوم المهتدين للكتاني ص: 79-80): "وما يقال: إنه من فعل السامرية حين عبدوا العجل: فعلى تقدير صحته إنما حرم فعلهم لفساد قصدهم؛ لأنهم قصدوا بذلك تعظيم العجل والفرح به، وهذا كفر، ولو كان رقصهم خاليا من ذلك ما حرم عليهم.

    قلت: وقد تواتر النقل عن الصوفية، قديما وحديثا، شرقا وغربا؛ أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله تعالى ويقومون ويرقصون، ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم! وقد رأيت بفاس في زاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة عصر يوم الجمعة إلى المغرب، مع توفر العلماء، فلم ينكر أحد عليهم" اهـ.

    وقال شيخ الإسلام العلامة أبو المكارم نجم الدين الغزي العامري الشافعي [ت: 1061هـ] في كتابه "حسن التنبه لما ورد في التشبه" (ق: 269/ ب، مخطوط بالمكتبة الظاهرية) وهو يعدد خصال التشبه باليهود: "ومنها: التميل في الصلاة، ومتى كانت فيها ثلاث حركات متواليات بطلت، وكذلك تبطل بالوثبة الفاحشة.

    وساق حديث أبي بكر الصديق وكلام أبي عمرو بن العلاء، ثم قال: وعلى هذا فالتميل عند قراءة القرآن أو عند سماعه إذا كان تصنعا ورياء، أو على سبيل العبث: فهو شبيه بتميل اليهود عند سماع التوراة.

    وإذا كان لغرض التفتيح في نفس القارئ، أو كان في قراءته أو سماعه متدبرا لمعانيه فأثر فيه التدبر هذه الحركة عن طرب أو رغبة أو رهبة، فهذه حركة محمودة لا بأس بها" اهـ.

    وسئل عن ذلك الإمام العارف شيخ الإسلام عبد الغني النابلسي الحنفي [ت: 1143هـ] رضي الله عنه نظما، فأجاب عن ذلك نظما بما هذا صورته: مطلب مسألة الاهتزاز عند سماع القرآن وتلاوته وما الحكم فيها؟ صورة سؤال رفع لمولانا الشيخ عبد الغني النابلسي نفعنا الله به: أيا جامع الفقه الذي شاع ذكره ... ويا من بعلياه يفوق سنا البدر ويا من غدا كالنجم نورا وبهجة ... ويا منهل الوراد يا عالم العصر هل الميل والهز الذي هو عارض ... لقارئ قرآن، وفي حالة الذكر فهل هو مكروه؟ وهل هو جائز؟ ... وهل هو مندوب؟ وهل هو ذو نكر؟ وهل جاء عن أصل؟ وما الأصل سيدي؟ ... وهل فيه أقوال سوى هذه تجري؟ وهل ثابت قول الذي قال: إنه ... شبيه بأفعال اليهود ذوي الخسر؟ فمن فضلكم يرجو الفقير بيان ذا ... وإيضاحه، لا زلتمو مجمع الذكر ودم كاشفا للمشكلات وحلها ... ودام بك النفع العميم مدى الدهر ولا زال هذا الباب يقصد للورى ... ومن أجله لا زال مرتفع القدر فأجاب رضي الله عنه: بحمدك ربي أستمد وبالشكر ... على نعم لم تحص بالعد والحصر ومني على طه الرسول وآله ... صلاة وتسليم زكيان في النشر وأصحابه الغر الكرام جميعهم ... وتابعهم والتابعين أولي الفخر وبعد فهذا في الجــــــــــواب أقوله ... بنقل رأيناه عن الوافر القدر عن العامري الغزي محدث شامنا ... هو النجم من يسمو بوالده البدر وذلك في "حسن التنبه في التشبـ ... ـبه": اسم كتاب من تصانيفه الزهر وقد قال في جنس التشبه للفتى ... بأهل كتاب في اليهود ذوى الخسر تمايلهم؛ في وصفهم في صلاتهم ... وفيه حديث قد روي عن أبي بكر إذا قام شخص في الصلاة فلا يمل ... كميل يهود، بل يكن ساكن الظهر وقيل: تسموا باليهود لأنهم ... يميلون بالتحريك؛ قصدا إلى الأجر إذا قرأوا القرآن قالوا: تحركت ... لموسى سماوات وأرض مع الصخر لتنزيل توراة إليه بزعمهم ... وقد وقعوا بالزور في أعظم الوزر فقلنا: على هذا يكون اهتزاز من ... قرا آية القرآن أو مال في الذكر كذا في استماع للقراءة: إنه ... تشبه بالبله اليهود أولي الكفر ومن بالريا يهتز، أو بتصنع ... وبالعبث الداعي إليه، وبالكبر تشبه أيضًا باليهود، وقد أتى ... به ذلك النهي المؤكد بالزجر وأما إذا القاري لتفتيح نفسه ... تحرك، أو عند السماع لما يجري فمال من المعنى لآيات ربنا ... يؤثر فيه بالتدبر والفكر فيهتز؛ إما رغبة في ثوابه ... تعالى، وإما رهبة من يد القهر وإما لشوق كان عن طرب له ... فذلك محمود وما فيه من نكر وهذا الذي قلناه نص كلامه ... عليه توالت رحمة الله في القبر مدى الدهر ما هبت مهيمة الصبا ... صباحا، وما غنى على عوده القمري وناظمه: عبد الغني مصليا ... على المصطفى ضمن السلام إلى الحشر انتهى ما وجد من السؤال وجوابه المنظموم.

    وقوله في البيت الخامس عشر من الجواب: ومن بالريا يهتز، أو بتصنع ... وبالعبث الداعي إليه، وبالكبر تصحيف، لعل صوابه -كما يظهر بالمقابلة مع كلام النجم الغزي المسوق قبله-: إذا بالريا يهتز، أو بتصنع ... وبالعبث الداعي إليه، وبالكبر وبناء على ذلك: فما يفعله قراء القرآن وسامعوه، ومعلموه ومتعلموه، مما هو مشاهد ومعروف بين المسلمين في شتى بلدانهم قديما وحديثا، من الاهتزاز والحركة أثناء القراءة؛ وجدا، أو تواجدا، أو تنشيطا للنفس وإيقاظا للقلب، أو تفتيحا للنفس، أو عادة، أو اتفاقا، أو لأي غرض لا مخالفة فيه للشرع الشريف: هو أمر دائر بين الجواز والندب شرعا ولا حرمة فيه بوجه من الوجوه، وصاحبه مثاب عليه بحسن قصده وتوصله به لغرضه؛ إذ الوسائل لها أحكام المقاصد، ولا تشبه فيه لليهود، وليس هو مناطا للذم، إلا إذا فعله صاحبه رياء أو تصنعا أو تكلفا لإظهار ما لا حقيقة له في باطنه، فيكون منهيا عنه حينئذ للغرض المذموم، والأصل إحسان الظن بالمسلمين، ولا يجوز حملهم على شيء من هذه الأغراض الفاسدة إلا ببينة.

    وكذلك الحال في الاهتزاز في الذكر؛ فإنه جائز ولا حرج فيه شرعا، ولا يصح القول بتحريمه أو تبديعه.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- الاهتزاز الانفعالي الناتج عن الوجد، وغير الانفعالي يقصد به تنشيط النفس وإحضارها جائز شرعا؛ لأنه إما أثر من آثار الخشوع، أو باعث عليه.

    2- الأمر المطلق يقتضي عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال.

    3- يرى جمهور الفقهاء استحباب قراءة القرآن في الطواف.

    4- نص العلماء على أنه ليس كل تشبه بأهل الكتاب يكون حراما حتى يكون الفعل نفسه مذموما.

    5- نص الفقهاء على أنه يشترط في تحريم التشبه: قصد حصوله؛ فلا يكون من حصل منه ما يشبه صنيع أهل الكتاب متشبها بهم حتى يكون قاصدا لحصول الشبه.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 473 لسنة 2010 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة