• شرف آل البيت، وتعظيمهم، وحكم إنكار صحة أنسابهم

    هناك من يدعي أنه لا يجوز تعظيم من انتسب إلى البيت النبوي الكريم؛ لأن تعظيمهم يؤدي إلى المغالاة فيهم، وأن الانتساب حاليا إلى الهاشميين محل نظر، وأنه بسبب بعد النسب واختلاطه في القرون الماضية قد يدعي بعض الناس هذا الشرف بغير حق فيصدقهم الناس، وأنه كانت لهم مزية في العهد النبوي وما قرب منه، فكانوا لا يأخذون من الزكاة، أما الآن فقد ضعفت هذه المزية، وإنما هم كسائر الناس: إما مؤمن تقي أو فاجر شقي.

    فهل لمن انتسب إلى آل البيت النبوي مزية على غيرهم من عامة المسلمين؟ وما هو الحق الواجب على غيرهم في التعامل معهم؟

    جاء الشرع الحنيف بالأمر بحب آل بيت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، وصح عن سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى- أنه قال في معنى هذه الآية: "لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة؛ فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة"، فهذا إيصاء بقرابته -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- يأمره الله تعالى أن يبلغه إلى الناس.

    وأمرنا رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- بحب آل بيته والتمسك بهم، ووصانا بهم عليهم السلام في كثير من أحاديثه الشريفة: فعن زيد بن أرقم -رضي الله تعالى عنه- قال: «قام رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- يوما فينا خطيبا بماء يدعى "خما" بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. رواه مسلم.

    وعن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: «رأيت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي» رواه الترمذي.

    وعن عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-: «أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» رواه الترمذي.

    فالمسلم حقا يحب الله تعالى حبا كثيرا، وبحبه لله تعالى أحب رسوله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- الذي كان نافذة الخير التي رحم الله تعالى العالمين بها، وبحبه لرسوله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- أحب آل بيته الكرام الذين أوصى بهم -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وعظمت فضائلهم وزادت محاسنهم؛ ولذلك قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- أحب إلي أن أصل من قرابتي"، وقال -رضي الله تعالى عنه- أيضا: "ارقبوا محمدا -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- في أهل بيته" رواهما البخاري في صحيحه.

    فموقع محبة أهل بيت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- في أعماق قلب كل مسلم، وهو مظهر حب رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-؛ فبحبه أحبهم، كما أن محبة النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- هي مظهر محبة الله؛ فبحب الله أحب المسلم كل خير، فالكل في جهة واحدة وسائل توصل إلى المقصود، والله يفهمنا مراده.

    أما القول بأن النسب النبوي الكريم لا مزية له على غيره من الأنساب فهي فرية لا يجرؤ عليها مسلم يعلم حق المصطفى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وحق آل بيته الكرام الطيبين الطاهرين؛ فإن شرف آل البيت بشرف أصلهم -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وقد رد النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- هذه المزاعم بقوله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» رواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ورواه الطبراني وغيره عن ابن عباس وعن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهم، وسبب الحديث كما رواه البزار وغيره عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: «توفي ابن لصفية عمة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فبكت عليه وصاحت، فأتاها النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فقال لها: يا عمة، ما يبكيك؟ قالت: توفي ابني، قال: يا عمة، من توفي له ولد في الإسلام فصبر بنى الله له بيتا في الجنة، فسكتت، ثم خرجت من عند رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فاستقبلها عمر بن الخطاب، فقال: يا صفية، قد سمعت صراخك، إن قرابتك من رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- لن تغني عنك من الله شيئا، فبكت، فسمعها النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-وكان يكرمها ويحبها فقال: يا عمة، أتبكين وقد قلت لك ما قلت؟ قالت: ليس ذاك ما أبكاني يا رسول الله؛ استقبلني عمر بن الخطاب فقال: إن قرابتك من رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- لن تغني عنك من الله شيئا، قال: فغضب النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وقال: يا بلال، هجر بالصلاة، فهجر بلال بالصلاة، فصعد المنبر النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع، كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي؛ فإنها موصولة في الدنيا والآخرة، فقال عمر: فتزوجت أم كلثوم بنت علي -رضي الله تعالى عنهما- لما سمعت من رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- يومئذ؛ أحببت أن يكون لي منه سبب ونسب».

    والمسلم مأمور بتعظيم كل ما عظم الله تعالى شأنه من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- والملتزم تعظيما لما عظمه الله تعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الآخر تعظيما لما عظمه الله تعالى من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والأولياء وآل البيت والصالحين تعظيما لمن عظمه الله تعالى من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيما لما عظمه الله تعالى من الأحوال.

    وهكذا، وكل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[٣٢]﴾ [الحج: 32]، والمحظور إنما هو التعظيم مع الله أو التعظيم من دون الله، ومنه الشرك المذكور في نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، أما تعظيم ما عظمه الله فهو تعظيم بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله، والمغالاة لا تكون في المحبة، وإنما تكون في الاعتقاد، فطالما أن المسلم سليم الاعتقاد فلا حرج عليه في المحبة لرسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وأهل بيته، فالمسلم يعتقد أنه لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدا هو رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وأن الأنبياء معصومون، وغير الأنبياء من العترة الطاهرة والصحابة الكرام ليسوا بمعصومين، وإنما هم محفوظون بحفظ الله للصالحين، ويجوز عقلا وقوعهم في الآثام والكبائر، ولكن الله تعالى يحفظهم بحفظه، فطالما أن المسلم سليم الاعتقاد في هذه النواحي، فليحب أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من كل قلبه، وهي درجات يرزقها الله لمن أحبه؛ فكلما زاد حب المسلم لأهل البيت ارتقى بهذا الحب في درجات الصالحين؛ لأن حب أهل البيت الكرام علامة على حب رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وحب رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- علامة على حب الله عز وجل.

    أما إنكار صحة أنساب آل البيت بدعوى اختلاط الأنساب فهو أمر مخالف للشرع، بل هو من الكبائر التي سماها النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- كفرا في مثل قوله: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وفي رواية أبي عوانة في المستخرج: «هم بهما كفر» ورواية الجمهور إخبار عن الوصف، ورواية أبي عوانة إخبار عن الشخص، وقد احتاط الشرع الشريف لحفظ الأنساب، وليس كل من ادعى نسبا صدق فيه، ولكن هذا لا يجوز أن يكون تكأة للطعن في الأنساب الكريمة والأحساب الشريفة الثابتة لأصحابها بما يثبت بمثله النسب شرعا، ومن نفى نسبا ادعاه صاحبه من غير بينة تصلح لنفيه فهو داخل في هذا الوعيد النبوي الوارد في الحديث السابق.

    كما أنه من المعلوم عند أهل السنة أنه قد وردت أحاديث متكاثرة ترقى إلى التواتر المعنوي بمجيء المهدي عليه السلام في آخر الزمان، وهو رجل صالح من أولياء الله تعالى يأتي عند انتشار الظلم يكون له صفات خلقية وخلقية منصوص عليها في هذه الأحاديث الكثيرة، ومما يميزه أنه من أهل البيت الشريف، فقد جاء في مسند أحمد وسنن ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وعند غيرهم عن علي -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة»، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- عن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: «المهدي مني، جلي الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين»، ودعوى هؤلاء بإنكار النسب الشريف الآن والتشكيك فيه يستتبعها إنكارهم له في المستقبل من باب أولى؛ لزيادة البعد -على زعمهم- عن الأصل الشريف، وحينئذ لا يكون لذكر كون المهدي من أهل البيت فائدة، وهو ما يتنزه عنه كلام الشارع -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-.

    فليتق الله أولئك الذين يعاكسون وصية المصطفى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- لأمته بأهل بيته الكرام أن يحسنوا إليهم وأن يعرفوا لهم حرمتهم وقدرهم ومكانتهم ومكانهم من النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وليتق الله أولئك الذين يقدحون في الثوابت الدينية المستقرة باتباع المتشابه من بعض ظواهر الأدلة تاركين الأصول القطعية الثابتة التي أجمع عليها المسلمون، وليستح من رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- ذلك الذي يزعم أنه لا مزية لأولاده عليه الصلاة والسلام على أولاد غيره، نسأل الله أن يوفق المسلمين لحسن الأدب مع رسوله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- ومع آل بيته الكرام الطيبين الطاهرين عليهم السلام.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- جاء الشرع الحنيف بالأمر بحب آل البيت والتمسك بهم.

    2- القول بأن النسب النبوي الكريم لا مزية له على غيره من الأنساب فرية لا يجرؤ عليها مسلم يعلم حق المصطفى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وآل بيته الكرام.

    3- المسلم مأمور بتعظيم كل ما عظم الله تعالى شأنه من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال، وإنما المحظور هو التعظيم مع الله أو التعظيم من دونه.

    4- المغالاة لا تكون في المحبة، وإنما تكون في الاعتقاد.

    5- غير الأنبياء من العترة الطاهرة والصحابة الكرام ليسوا بمعصومين، وإنما هم محفوظون بحفظ الله للصالحين، ويجوز عقلا وقوعهم في الآثام والكبائر.

    6- إنكار صحة أنساب آل البيت بدعوى اختلاط الأنساب أمر مخالف للشرع.

    7- ليس كل من ادعى نسبا صدق فيه، ولا يجوز أن يكون ذلك تكأة للطعن في الأنساب الكريمة والأحساب الشريفة الثابتة لأصحابها بما يثبت بمثله النسب شرعا.

    8- من المعلوم عند أهل السنة أنه قد وردت أحاديث متكاثرة ترقى إلى التواتر المعنوي بمجيء المهدي عليه السلام في آخر الزمان.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 654 لسنة 2007 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة