• اعتبار التقويم الهجري هو التاريخ الرسمي

    اطلعنا على الخطاب الوارد إلينا المتضمن: طلب الاطلاع والإفادة على الدعوى رقم 17188 لسنة 64ق المقامة ضد السيد رئيس الجمهورية بصفته، والسيد رئيس الوزراء بصفته، وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بصفته، وفضيلة مفتي الجمهورية بصفته، والسيد رئيس مجلس الشعب بصفته، والسيد رئيس مجلس الشورى بصفته، وموضوعها: طلب اعتبار التقويم الهجري هو التاريخ الرسمي والفعلي للدولة، واعتبار الشهور العربية هي الشهور الرسمية والفعلية للدولة، مع الاحتفاظ بالتقويم الميلادي والشهور الإفرنجية كتقويم ثان للبلاد لا يمكن الاستغناء عنه أسوة بما هو معمول به على صفحات الجرائد الرسمية؛ وذلك في كافة التعاملات الرسمية مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية؛ وذلك طبقا للدستور حيث نصت المادة الثانية منه على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، وبناء عليه يرى المدعي أن اتخاذ الدولة التقويم الميلادي للسيد المسيح -عليه السلام- والشهور الإفرنجية تقويما رسميا للبلاد، وصدور كافة الأحكام من كافة المحاكم على مستوى الجمهورية هو أمر يشوبه البطلان لمخالفته للدستور، كما أن صدور القرارات الرئاسية والوزارية وكافة القرارات من مجلسي الشعب والشورى وكافة الجهات الرسمية بالتقويم الميلادي لا يعد التزاما بالدستور.

    وأرفقت الهيئة بالخطاب صورة من صحيفة الدعوى المذكورة.
     

    خلق الله تعالى الشمس والقمر، وجعلهما أكثر الأجرام السماوية تأثيرا في حياة البشر، وخلق لكل منهما دورة فلكية مرتبطة بالزمان، فقال سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[٤٠]﴾ [يس: 40]، بحيث يكون ذلك سبيلا لمعرفة الحساب الزمني، ومعيارا للسنين.

    واعتبر القرآن الكريم المنزل من لدن حكيم خبير كلا من التقويمين الشمسي والقمري وذلك في العديد من الآيات، قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[٩٦]﴾ [الأنعام: 96]، فجعل الشمس والقمر حسبانا، أي أداتين لحساب السنين والشهور، وذلك ما أفاده العطف في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾، فاشتركا في الحكم، ثم أكد تعالى أن ذلك من تقديره لا من وضع الناس ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، فبأي أخذنا فقد أخذنا بما قدره الله تعالى.

    فهذا امتنان من الله تعالى بجعل الشمس والقمر أداتين ووسيلتين للحساب، ومن المقرر في الشرع أن ذكر الشيء في معرض الامتنان به يدل على الإباحة، قال الإمام العز بن عبد السلام في كتابه "الإمام في بيان أدلة الأحكام" (ص: 86]، ط.

    دار البشائر الإسلامية): "تمنن الرب بما خلق في الأعيان من المنافع يدل على الإباحة دلالة عرفية؛ إذ لا يصح التمنن بممنوع، مثاله كقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾" اهـ.

    وأشار القرآن الكريم إشارة صريحة وواضحة إلى التقويم الشمسي على حدته وأنه يؤخذ منه عدد السنين والحساب في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا[١٢]﴾ [الإسراء: 12]، كما أشار إشارة أخرى مثلها في الصراحة والوضوح إلى التقويم القمري على حدته وأنه أيضا يؤخذ منه عدد السنين والحساب فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[٥]﴾ [يونس: 5].

    فأفاد مجموع ذلك جواز استعمال أي الأمرين في تقويم عدد السنين والحساب سواء بالشمسي أو بالقمري، وبأي أخذ الناس فقد عملوا بصريح القرآن الكريم، ولا يتعين استعمال أحدهما إلا بتعيين الشرع له في مجال ما محدد فيلزم العمل فيه بما حدده الشارع، ويبقى ما عداه على جواز استعمال أي التقويمين بلا قيد.

    فمما جعله الله مبنيا على الدورة الشمسية وحركتها في الفلك: الصلاة وليس أعظم منها في أركان الإسلام -إلا أن يكون الإيمان نفسه- فقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[٧٨]﴾ [الإسراء: 78]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى[١٣٠]﴾ [طه: 130].

    ومما جعله الله مبنيا على دورة الشهور القمرية الصوم والحج وهما من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].

    وأطلق الشارع الحكيم في أمور كثيرة فوسع فيها على الناس بأي تقويم أو توقيت أخذوا فلا بأس عليهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، فأي أجل سمى المتعاقدون جاز.

    وفي ضوء ما سبق يتضح الإعجاز القرآني والمعنى العميق والدقيق في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].

    فإنه تعالى حكم على الأهلة بأنها مواقيت، ولم يحكم على المواقيت بأنها الأهلة، وبينهما فرق واسع، فإن الأهلة في الآية مسند إليه، والمواقيت مسند، والإسناد يفيد إثبات حكم المسند للمسند إليه أو نفيه عنه، فأفادت الآية أن الأهلة مواقيت، ولم تفد أنها كل المواقيت، أو أنها المواقيت الوحيدة المعتبرة شرعا، ولهذا أتى لفظ "مواقيت" في الآية مسندا منكرا مؤخرا، ومن الأغراض البلاغية التي قررها علماء البلاغة (كما في مجموع شروح التلخيص 2/91، ط بولاق 1282هـ) أنه يؤتى بالمسند منكرا لنكات أهمها إرادة عدم العهد والحصر، فيريد المتكلم إفادة السامع عدم العهد والتعيين في المسند، وعدم حصر المسند في المسند إليه، مما يعني عدم حصر المواقيت في الأهلة، وإذا أراد المتكلم -كما يقول علماء البلاغة- إفادة الحصر فعليه أن يعرف المسند بـ"أل" الجنسية، وفي مسألتنا لو أراد الشارع أن يجعل الأهلة هي المواقيت الوحيدة المعتبرة شرعا، ويحصر الأمر فيها، لقال: "هي المواقيت" بالتعريف بـ(أل)، أو استعمل أسلوب قصر آخر كالتقديم لقال: "مواقيت هي" بالتقديم ليفيد الحصر.

    ولكن القرآن الكريم في هذه الآية لم يرد الحصر الذي يحصل من استخدام ما يعرف لغة بأساليب القصر التي تفيد تخصيص شيء بشيء بإثبات أحدهما للآخر أو نفيه عن غيره، كأسلوب التقديم والتأخير، والنفي والاستثناء، والتعريف بـ"أل"، والقصر بـ"إنما"، والقصر بالعطف بـ"لا" و"بل"، وغيرها من أساليب القصر، والتي لو أراد حصر المواقيت في الأهلة أو حتى حصر فائدة الأهلة في المواقيت لاستخدمها.

    ومن ثم فلا تفيد الآية ما قد يتوهمه بعضهم من أن التقويم بالأهلة "التقويم القمري" هو الوحيد المعتبر شرعا.

    والحاصل مما سبق أن الآية قررت أن استعمال الأهلة كمواقيت معتبر شرعا، ولم تنف جواز اتخاذ غيرها مواقيت كالدورة الشمسية التي قدرها الله تعالى حسبانا وعلما لعدد السنين والحساب مثلها مثل الدورة القمرية.

    والمتأمل في صنيع الشارع وتصرفاته في الأمور المختلفة يجد أن ما كان مبنيا على الأيام أو أجزاء الأيام اعتبر فيه الدورة الشمسية، وما كان مبنيا على الشهور فكثيرا ما يعتبر فيه الأهلة والدورة القمرية.

    وهذا ما فهمه علماء الشريعة الإسلامية فتوسعوا فيما وسعه الشرع من اعتبار أي تقويم ضابط للوقت والمدد والمواعيد، فأجاز الإمام مالك، وأبو ثور، وأحمد -رحمهم الله تعالى- البيع إلى الحصاد أو الدراس أو للغطاس وشبهه وكذلك إلى قدوم الغزاة، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- منعه، وبالمنع قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، وهذا ما نقله عنهم أبو حيان في البحر المحيط (2/219)، وذكر نحوه القرطبي (2/339) فقال: "لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز، وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم، واختلفوا فيمن باع إلى الحصاد أو إلى الدياس، أو إلى العطاء وشبه ذلك، فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس وكذلك إلى قدوم الغزاة، وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء، وقالت طائفة: ذلك غير جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم، كذلك قال ابن عباس وبه قال الشافعي والنعمان (يعني الإمام أبا حنيفة)".

    فلا خلاف بين العلماء على ما ذكر القرطبي على جواز العمل في البيوع وما جرى مجراها بأي أيام معروفة العدد، وأنه لا يشترط العمل بالشهور العربية.

    وإنما منع المانعون بعض الصور كالتوقيت بالحصاد والدياس ونحوه؛ لما فيه من الغرر، وليس لأنه تقويم لا يجوز العمل به، وقد وضح ذلك الإمام ابن رشد في بداية المجتهد (2/169 ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009م) بقوله: "وأما الأجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير أجاز ذلك؛ إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع، وشبهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان، ومن رأى أنه كثير وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه"، فظهر أن مقصود علماء الشريعة في الأجل الضبط والتحديد بمواعيد محددة لا يقع فيها الاختلاف، شفقة على الناس في تعاملاتهم، ودفعا للنزاع والشقاق بينهم ومنعا للغرر في معاملاتهم وتعاقداتهم.

    ويؤكد الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي ([6]/[15]، ط. بولاق [1283]هـ) على أن حساب السنين يجوز بالشمسي وبالقمري، وذلك في تفسير قوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: 12]: "المراد لتعلموا بالليل فإن عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلم به غالبا أو بالقمر لقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]... فإن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل...".

    وعلى ما ذكره ابن رشد وأبو حيان والقرطبي والشهاب الخفاجي جرت الكتب المعتمدة في المذاهب الأربعة المعمول بها.

    ومن نصوصهم في ذلك التي توضح أن الفقهاء لم يتحرجوا في استعمال التقويم الشمسي أو القبطي طالما لم ينص الشارع على خلافه: قوله في "تبيين الحقائق" من كتب الحنفية: "وفي التأجيل -يعني تأجيل العنين- تعتبر السنة القمرية في ظاهر الرواية، واختاره صاحب الهداية، وروى الحسن عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أن السنة الشمسية هي المعتبرة احتياطا لاحتمال أن طبعه يوافق الزيادة التي فيها، وهو اختيار السرخسي، والسنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدسه، والشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا جزءا من ثلاثمائة جزء من يوم، وفضل ما بينهما عشرة أيام، وثلث وربع عشر يوم بالتقريب".

    وفي حاشيته: "وأهل الشرع إنما يتعارفون الأشهر والسنين بالأهلة، فإذا أطلقوا السنة انصرف إلى ذلك ما لم يصرحوا بخلافه"، فأفاد كلامه أنه يجوز التصريح بخلافه ويعمل به.

    وفي "الإنصاف" من كتب الحنابلة في مدة تأجيل العنين أيضا ما نصه: "المراد بالسنة هنا: السنة الهلالية اثنا عشر شهرا هلاليا.

    قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: هذا هو المفهوم من كلام العلماء: فإنهم حيث أطلقوا "السنة" أرادوا بها الهلالية.

    قال: ولكن تعليلهم بالفصول يوهم خلاف ذلك.

    قال ابن رجب: وقرأت بخط ولد أبي المعالي ابن منجا يحكي عن والده أن المراد بالسنة هنا: هي الشمسية الرومية، وأنها هي الجامعة للفصول الأربعة التي تختلف الطباع باختلافها، بخلاف الهلالية... قلت: الخطب في ذلك يسير، والمدة متقاربة.

    فإن زيادة السنة الشمسية على السنة الهلالية أحد عشر يوما وربع يوم، أو خمس يوم".

    وذهب المالكية إلى أنه تؤخذ زكاة الماشية على السنة الشمسية لا القمرية، وجعلوا لذلك علامة فلكية وهي طلوع الثريا بالفجر ويكون ذلك فلكيا على ما ذكر في نص مايو على خلاف فيه، وإنما ذهب المالكية لهذا لما رأوه من المصلحة المتحققة، بل وذكروا أنه عمل أهل المدينة، ففي مواهب الجليل عند قول الشيخ خليل: "وخرج الساعي ولو بجدب طلوع الثريا بالفجر" ما نصه: "مقتضى كلام غير واحد من أهل المذهب أن زكاة الماشية تؤخذ على هذا الوجه ولو أدى لسقوط عام في نحو ثلاث وثلاثين سنة، قال ابن عبد السلام: الظاهر أنه يطلب منهم في أول السنة وهو المحرم في أي فصل كان؛ لأن الأحكام الشرعية إنما هي منوطة في الغالب بالسنين القمرية، ولو قلنا بما قال أهل المذهب لأدى إلى سقوط عام في نحو ثلاثين عاما وما قلناه هو مذهب الشافعي، انتهى.

    وقال في "التوضيح": علق مالك الحكم هنا بالسنين الشمسية، وإن كان يؤدي إلى إسقاط سنة في نحو ثلاثين سنة لما في ذلك من المصلحة العامة، انتهى.

    وفي الذخيرة في الاحتجاج للشافعي: ولأن ربطه بالثريا يؤدي للزيادة في الحول زيادة السنة الشمسية على القمرية، ثم قال في الجواب: إن ذلك مغتفر لأجل أن الماشية تكتفي في زمن الشتاء بالحشيش عن الماء، فإذا أقبل الصيف اجتمعت على المياه فلا تتكلف السعاة كثرة الحركة ولأنه عمل المدينة، انتهى.

    وطلوع الثريا بالفجر، قال في التنبيهات: في منتصف شهر أيار وهو مايه، وقيل لاثنتي عشرة ليلة وهذا على حساب المتقدمين، وطلوعها ليوم ثاني عشرين من أيار ومايه وهو سابع عشرين بشنس، والشمس في عاشر درجة من برج الجوزاء وهو أول فصل الصيف على حساب المغاربة والفلاحين وعلى حساب غيرهم أواخر الربيع" انتهى باختصار.

    وفي منح الجليل من كتب المالكية أيضا أثناء كلامه على ضبط ظل الزوال المتعلق بوقت صلاة الظهر قال: "وظل الزوال يختلف باختلاف الأشهر الشمسية المختلفة باختلاف اللغات العجمية.

    ومنها القبطية المستعملة في مصر وهي توت فبابه فهاتور فكيهك فطوبه فأمشير فبرمهات فبرموده فبشمس فبئونه فأبيب فمسري"، ثم أفاض في بيان طريقة ضبط ظل الزوال بناء على الشهور القبطية.

    وقد حدثت واقعة أثناء الدولة العثمانية تتعلق بالتقويم فيما يخص عقد الجزية الذي كان معمولا به وقتها، ذكرها العلامة الجمل في حاشيته على شرح المنهج من كتب الشافعية فقال: "وقد رفع لشيخنا فريد عصره الشمس الحفناوي وقدس الله روحه ونور ضريحه سؤال ظريف من طرف الدولة العلية فأجاب عنه بجواب مستحسن جدا، وألف في شأن ذلك رسالة لطيفة، وقد أحببت أن أنقلها بالحرف لما فيها من الفوائد الكثيرة -وقد اقتصرنا منها على محل الشاهد- فأقول وبالله المستعان: قال رحمه الله تعالى ما نصه: الحمد لله مفهم الصواب، والصلاة والسلام على النبي وآله والأصحاب، أما بعد فيقول المرتجي غفر المساوئ عبد مولاه محمد الحفناوي قد رفع إلينا سؤال من طرف الدولة العلية أدامها الله بصوارم العدل منصورة محمية، محصله أن الجزية المضروبة على الذميين مصرح في عقدها عليهم بالسنة القمرية، فاستمر الذميون على تأخير دفعها إلى تمام السنة الشمسية مع أنها استقرت عليهم بمجرد فراغ سنة عقدها، فتفطن مولانا السلطان وعلماء قطره في سابق الزمان أن ذلك التأخير منهم قد ترتب عليه حيف على مال بيت المسلمين بسبب أن القمرية تنقص عن الشمسية عشرة أيام وأربعة أخماس يوم وخمسي خمس يوم، فإذا مضى ثلاث وثلاثون سنة اجتمع سنة قمرية وأربعة أيام وكسر، فطلب مولانا السلطان في سابق الزمان جزية تلك السنة المجتمعة فدفعوها، وضمت لبيت مال المسلمين فإذا طلب ملكنا في ذلك الزمان جزية سنة قمرية تحصلت بمضي ثلاث وثلاثين سنة كما سلف فهل يجب على الذميين دفعها ولا يجوز لأهل بلدهم من رعايا سلطان المسلمين المعارضة في ذلك؟ فكتبنا في جوابه بعد التأمل بقدر الطاقة مع تقديم تمهيد لبيان الحكم ما نصه: اعلم أن عقد الجزية إنما يصح من مولانا السلطان أو نائبه لا من آحاد الناس، ومثال عقدها أن يقول: أقررتكم بدارنا على أن تبذلوا كذا جزية كل سنة فيقبلوا، فإن لم يعين سنة حملت على الشرعية التي أولها المحرم، فإذا مضت بآخر الحجة تقررت عليهم، وإن عين كونها شمسية أو قمرية وجب اتباع ما عينه فتقرر عليهم آخر الحول الذي عينه في عقدها... واعلم أن السنة إما عددية أو شمسية أو قمرية، فالعددية ثلاثمائة وستون يوما لا تزيد يوما ولا تنقصه، وأما القمرية -ويقال لها: الهلالية- فثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدسه نسبت إلى القمر لاعتبارها به من حيث اجتماعه مع الشمس لا من حيث رؤية الهلال، وأما الشمسية فثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا جزءا من ثلاثمائة جزء من يوم، ونسبت إلى الشمس لاعتبارها بها من حين حلولها في برج الحمل إلى عودها إليها، فيكون التفاوت بين السنتين بعشرة أيام كوامل وأربعة أخماس يوم وخمسي خمس يوم... إذا عرفت ذلك فاعلم أن مولانا السلطان نصره الله أو نائبه إذا عقد الجزية وعين الهلالية في عقده فكأنه قال: إذ مضى ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدسه تقرر عليكم كذا...".

    فأفاد مجموع كلامهم جواز العمل بمواقيت غير الشهور العربية أو الهجرية في المعاملات المالية ونحوها فيما لم ينص الشارع على العمل فيه بالأهلة القمرية، بل جوز المالكية العمل بالسنة الشمسية في أخذ زكاة الماشية.

    على أنه إذا اتضح الحكم الشرعي في المسألة، فإن للأمر بعدا آخر لا بد من تناوله، حيث إن استعمال تقويم ما قد يكون تارة معبرا عن الهوية الحضارية أو الوطنية، وهنا لا بد في سياق هذا الاستعمال أن نستعمل ما يعبر عن هويتنا الإسلامية وهو التقويم الهجري، وهذا الاستعمال يكون -كما هو متبع رسميا في مصر بالفعل- في التأريخ للقرارات أو القوانين أو المحررات الرسمية... إلخ فيختص هذا الاستعمال بما هو تاريخ من حيث هو.

    وقد يكون التقويم تارة مستعملا كمعيار للضبط والتحديد وحساب المدة الزمانية بدقة، سعيا لتساوي المراكز القانونية ولضبط آجال العقود والأسفار والاجتماعات العامة والمؤتمرات ونحو ذلك، فيكون التقويم في هذا الاستعمال الثاني مثله مثل المعايير المستخدمة في تقويم المقادير والكميات المختلفة طولا ومساحة ووزنا وحجما... إلخ.

    وإنما يستعمل فيها ما شاع بين الناس وتعارفوه وجرى عليه عرفهم، بلا حرج شرعي في استعمال أي تقويم تعارفوه، ويتسع الأمر فيه للتنوع والاختلاف باختلاف الأعراف زمانا ومكانا.

    وفي هذا الإطار بينما يمكن اعتبار التقويم في استعماله الأول شعارا وشعيرة من شعائر الإسلام، ومظهرا من مظاهر هويتهم الحضارية الإسلامية، فيلتزم فيه بقاعدة الشرع الشريف فيما هو من شعائر الإسلام التي ينبغي تعظيمها، وعدم التهاون بشأنها، كيف وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[٣٢]﴾ [الحج: 32].

    والأصل في شعائر الإسلام -كالصلاة والزكاة والأذان والجمعة والجماعات والعيدين والسلام على خلاف في بعضها- هو الإظهار والإعلان والتعظيم.

    فإن القاعدة الشرعية في الاستعمال الثاني للتقويم هو العرف والأخذ بما تعارف عليه الناس، ومراعاة ذلك فيقبل شرعا ما قبلوه وتعارفوه وضبطوا أمورهم به بلا نكير، فيقبل الجري في تحديد المدد الزمانية وضبطها بما تعارفوه عليه من التقويم الشمسي -الميلادي- سواء من حيث تقسيم الشهور والساعات والدقائق والثواني، كما لا مانع شرعا من استخدام ما يعرف الآن بالتقويم القبطي مثلا فيما يخص الأمور الزراعية، حيث يناسب هذا التقويم المواسم الزراعية في مصر.

    والفرق بين الاستعمالين هو ما جرى عليه المسلمون سلفا وخلفا منذ عهد الصحابة وإلى يومنا هذا، وهو سلوك حضاري عام، نجده في كل الحضارات الإنسانية الكبرى التي دائما ما اعتزت بتقاويمها المعبرة عن هويتها، في الوقت الذي اتسع فيه أفقها في استعمال المقاييس والمعايير والتقاويم المتنوعة التي تطورت وتنوعت بالموازاة مع تقاويمها الوطنية، وكانت للحضارة الإسلامية -شأنها شأن غيرها من الحضارات- إسهامها الحضاري في مجال المعايير والمقاييس والتقاويم، شاركت فيه الحضارة الإنسانية عامة في هذا المجال، حيث كان إيجاد نظام مستقر ودقيق للتقويم أحد المشكلات الدقيقة التي واجهتها البشرية عبر تاريخها الطويل وجرت محاولات عدة لمواجهة هذه المشكلة والتي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، فقدمت الحضارة الإسلامية إلى البشرية التقويم القمري الهجري، والذي انعقد أصله بإجماع من الصحابة، ومع تطور الحضارة الإنسانية عامة والإسلامية خاصة ظهرت بعض المشكلات في التقويم القمري الهجري، وجرت عدة محاولات تاريخية لإصلاحه واقترح بعض العلماء التقويم الشمسي الهجري، ومع تقدم المدنية المعاصرة، وتطور أنظمة الحكم وتعدد الدول الإسلامية عادت مشكلات التقويم الهجري وتوحيده للظهور مرة أخرى، وتسهم مصر -ممثلة في دار الإفتاء المصرية- بجهود متميزة في هذا المضمار من خلال مشروع القمر الصناعي الإسلامي لتوحيد رصد مطلع الشهور القمرية بالتعاون مع العديد من الهيئات والجهات الرسمية الإسلامية المشاركة في هذا المشروع.

    وترجع بداية التأريخ بالهجرة النبوية الشريفة (1/1/1هـ، والذي يقابل 15/7/622م) إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث تشاور مع الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، ثم أجمعوا أمرهم على التأريخ بالهجرة الشريفة، فعن سهل بن سعد قال: "ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا من وفاته ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة"، أخرجه البخاري في صحيحه (ح 3719)، وعن الشعبي قال: "كتب أبو موسى إلى عمر إنه يأتينا من قبلك كتب ليس لها تاريخ فأرخ، فاستشار عمر في ذلك فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقال بعضهم: لوفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.

    فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل.

    قال: فأرخ لمهاجر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-" أخرجه ابن عساكر (1/42).

    وعن ابن سيرين "أن رجلا من المسلمين قدم من أرض اليمن فقال لعمر: رأيت باليمن شيئا يسمونه التاريخ يكتبون من عام كذا وشهر كذا فقال عمر: إن هذا لحسن فأرخوا، فلما أجمع على أن يؤرخ شاور فقال قائل: مولد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

    وقال قوم: من المبعث.

    وقال قائل: حين خرج مهاجرا من مكة.

    وقال قائل: الوفاة حين توفي.

    فقال: أرخوا خروجه من مكة إلى المدينة ثم قال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه.

    وقال آخرون: شهر رمضان.

    وقال بعضهم: ذو الحجة فيه الحج.

    وقال آخرون: الشهر الذي خرج فيه من مكة إلى المدينة.

    وقال آخرون: الشهر الذي قدم فيه.

    فقال عثمان: أرخوا المحرم أول السنة وهو شهر حرام، وهو أول الشهور في العدة، وهو منصرف الناس عن الحج، فصيروا أول السنة المحرم فكان أول ما أرخ في الإسلام من مهاجر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-" أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه (كما في كنز العمال 29556)، وابن عساكر (1/45).

    وعن سعيد بن المسيب قال: "جمع عمر بن الخطاب من المهاجرين والأنصار فقال: متى نكتب التاريخ؟ فقال له علي بن أبي طالب: منذ خرج نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أرض الشرك يعني يوم هاجر.

    قال: فكتب ذلك عمر بن الخطاب"، أخرجه ابن عساكر (1/43).

    وعن ميمون بن مهران قال: "رفع إلى عمر صك محله شعبان فقال: أي شعبان الذي يجيء أو الذي مضى أو الذي هو آت؟ ثم قال لأصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ.

    فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم.

    فقالوا: إن الروم يطول تأريخهم ويكتبون من ذي القرنين.

    فقال: اكتبوا على تاريخ فارس.

    فقال: إن فارس كلما قام ملك طرح من كان قبله فأجمع رأيهم على أن الهجرة كانت عشر سنين فكتبوا التاريخ من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم" أخرجه ابن عساكر (1/40-41).

    والذي يحصل من آثار الباب أن المحفوظ -على ما نص عليه ابن عساكر- أن الآمر بالتاريخ عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، وأنه في أصله أمر وضعي اصطلاحي حيث قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: "ضعوا للناس شيئا يعرفونه عن التاريخ"، وأنه انعقد على التأريخ بالهجرة الشريفة إجماع الصحابة وفيهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين وأصحاب بدر وغيرهم من أصحاب شورى عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم أجمعين-، وأن ما صار شعارا للإسلام وحضارته يأخذ حكم بابه، وما كان من باب ضبط المدد والمواعيد فلا بأس من أن يبقى على أصله من كونه مجرد أمر وضعي اصطلاحي يجري على ما تعارفه الناس بلا حرج في شيء من ذلك طالما كان القصد هو الضبط، وليس اتباع الآخرين وتقليدهم أو الذوبان في هويتهم الحضارية والثقافية.

    ولا يخفى على المطلع على التاريخ -كما يقول الآلوسي (ج [7]/ص [363])- أن ما وقع من التأريخ بالهجرة النبوية الشريفة كان عن اجتهاد من الصحابة -رضي الله عنهم-، وإن كان بعض العلماء قد التمس الاحتجاج لصنيعهم بقول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾، فقال السهيلي (الروض الأنف [2]/[331]): "وقد علم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا أضافه إلى شيء في اللفظ الظاهر فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، فيه من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة؛ لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمن فيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأسس المساجد وعبد الله آمنا كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن"، ووافقه في هذا المعنى العلامة ابن عاشور فقال ([6]/[384]): "ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام، وذلك ما انتزعه السهيلي...".

    ويرى الحافظ ابن حجر ([7]/[268]) أن المتبادر من معنى قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾: أي دخل فيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه المدينة، على أن جمهور المفسرين كالزمخشري والبغوي والبيضاوي والبقاعي والخازن حملوا معنى الآية على أنه من أول من أيام وجوده وتأسيسه يوم بني ووضع أساسه.

    أما التقويم الميلادي المبني على التقويم الشمسي فيعود في أصله إلى التقويم الروماني القديم والذي يبدأ عام (753 ق.

    م) وهو عام تأسيس روما، وقد أجريت عليه عدة إصلاحات لما فيه من أخطاء فلكية وحسابية، وصار يعرف بالتقويم اليولياني، ثم اقترح الراهب ديونيس إكسيجيوس عام 1285م رومانية (أي بعد 532 سنة من ميلاد المسيح عليه السلام) أن يكون ميلاد السيد المسيح مبدأ للتاريخ وعد أول يناير عام 754 رومانية مبدأ للتاريخ الميلادي، وينتج عن ذلك أن التاريخ الروماني يزيد على التاريخ الميلادي 753م سنة.

    إلا أنه كان مشتملا على خطأ في الحساب أيضا، إذ جرى هذا التقويم وقتها على أن السنة تعادل 365 يوما وربع اليوم، بينما في الواقع تنقص السنة عن ذلك بمقدار 11 دقيقة و14 ثانية.

    ومع توالي السنين بدأ الفرق يتضح، وقد لاحظ ذلك بطريرك الفاتيكان جريجوري الثالث عشر، فقرر إصلاح هذا الخطأ، واستدعي الراهب كلافيوس لإصلاح التقويم فقام بعملين في آن واحد: أولهما: حسب الفرق بين السنة اليوليانية والسنة الشمسية، فبلغ ثلاثة أيام كل 400 سنة.

    وثانيهما: قرر استقطاع الأيام العشرة الناتجة عن الخطأ في الحساب وتراكمت عبر القرون، فقرر استقطاعها من سنة 1582 ميلادية لتصحيح التقويم، فجعل يوم الجمعة الخامس من تشرين الأول/أكتوبر يساوي الجمعة الخامس عشر من ذات الشهر، وعرف من وقتها بالتقويم الجريجوري أو التقويم الغربي، وهو المتبع لدى الطوائف الغربية.

    وأما التقويم اليولياني فما زال متبعا لدى بعض الطوائف الشرقية.

    ولما كان التقويم الميلادي الشرقي متأخرا عن التقويم الميلادي الغربي عشرة أيام في عام 1582، فإن تأخره قد ازداد يوما واحدا في الأعوام 1700، 1800، 1900، 2000، فصار 11، 12، 13، 14 يوما على الترتيب.

    وقد طبقت فرنسا النظام الجريجوري فور صدوره، ثم أخذت به إنجلترا عام 1752، واليابان 1872م، وأخذت به مصر في عام 1875م، وفي الصين عام 1912م، واليونان سنة 1913م، وقد تم تطبيقه في سورية ولبنان وفلسطين والأردن والعراق في أيام الاحتلال الإنجليزي والفرنسي، وتم تطبيقه في الاتحاد السوفيتي عام 1923م، وفي تركيا عام 1923.

    والخلاصة أن التقويم الجريجوري هو تصحيح للتقويم (اليولياني) تم في عهد البابا جريجوري الثالث بابا الفاتيكان في عام 1582 ميلاديا.

    وأنه بالرغم من ضآلة الفرق بين السنة اليوليانية والسنة الشمسية الحقيقية إلا أن عملية تراكم الخطأ مع مرور السنوات كانت واضحة ولا يمكن أن تتماشى مع الواقع.

    وبالفعل في (5/10/1582م) أي بعد مرور حوالي 16 قرنا من بدء التاريخ اليولياني لوحظ أنه تأخر عن التاريخ الحقيقي بمقدار 10 أيام، الأمر الذي أدى إلى لزوم ضبطه حيث أضيف هذا الفرق ليصبح التاريخ الجديد مساويا (15/10/1582م)، ومع هذا فإنه منذ يوم ضبط هذا التقويم حتى يومنا هذا أصبح التاريخ الحالي متأخرا بمقدار 3 ساعات تقريبا عن التاريخ الحقيقي أو بشكل أدق يتأخر التقويم الجريجوري عن التقويم الحقيقي بمقدار 26 ثانية كل سنة.

    وأدى هذا التقويم إلى تعديل طول السنة بما يساوي 365.2425 يوما وسطيا شمسيا، كما أنه يراكم خطأ يساوي يوما واحدا كل 3300 سنة.

    كما أن مشكلة الكبس ضمن مشكلات أخرى ما زالت تواجه هذا التقويم مما دفع بعضهم إلى المطالبة بإلغاء التقويم الميلادي بشكله الحالي عند نهاية القرن العشرين وتطبيق تقويم جديد يتكون من ثلاثة عشر شهرا، في كل واحد منها أربعة أسابيع، و[28] يوما، فتساوي السنة في هذه الحالة [364] يوما، سعيا لتوحيد بدايات الشهر وبداية الأسبوع طوال العام وتتكرر مع كل عام، بحيث تتساوى الشهور في أيامها وفي أجزائها في كل عام، ويتخلص الناس من اختلاف بدايات الشهور على مدى العام، ولمواجهة مشكلة اليوم الخامس بعد الستين في السنوات العادية واليوم السادس والستين بعد الثلاثمائة في السنة الكبيسة، فيجعل الشهر الثالث عشر [29] يوما في السنة العادية و[30] في الكبيسة، ولكن هذا التقويم المقترح يصطدم مع ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].

    وهذه النبذة التاريخية عن التقاويم تظهر أن المقصود الأول هو ضبط التاريخ، ومحاولة الحضارات المختلفة الوصول إلى تأريخ دقيق، وكلما ازداد التواصل والاتصال بين أطراف العالم وتشابكت علاقاته ألحت الحاجة إلى توحيد المقادير والمقاييس والتقاويم والأوقات، وإيجاد الوسائل العلمية والعملية للتحويل بين التقاويم المختلفة حرصا على التواصل مع العالم سائره.

    وعلى الفرق بين التأريخ كشعار إسلامي والمدد والآجال والمواعيد كوسيلة جرى عمل المسلمين سلفا وخلفا، فما كان شعارا جروا في التأريخ فيه بما انعقد عليه إجماع الصحابة ومن بعدهم بالتأريخ بالهجري، وما كان وسيلة جروا فيه على قاعدة الشرع تقييدا وإطلاقا، فما قيده الشارع بالأهلة القمرية قيدوه، وما أطلقه الشارع وتوسع فيه أطلقوه، ومن أراد تحجير ما وسعه الشارع وجرى عليه عمل المسلمون سلفا وخلفا فإنه يستحق اللوم.

    وفي واقعة السؤال: فقد جرى العرف التشريعي والرسمي في مصر على ما جرى عليه عمل المسلمين سلفا وخلفا بلا نكير، من اعتبار التقويم الهجري هو الأصل، والأخذ به حيثما أخذت الشريعة الإسلامية، والتوسع فيما توسعت فيه فارقا بين تاريخ إصدار وتطبيق ونفاذ التشريع والذي يأخذ حكم الشعار، وعليه فاطرد بتأريخه بالهجري مشفوعا بالميلادي، وبين المدد والآجال التي ينظمها التشريع من جهة أخرى والذي اتبع فيها العرف السائد أو ما كان أضبط للآجال، وهو ما لا تعارض فيه مع الشريعة الإسلامية كما ظهر، ولهذا فالعرف الرسمي والقانوني والتشريعي بمصر جرى على أن مراحل التشريع المختلفة من نفاذ وإصدار وشهر وتطبيق يكون مرتبطا ومقررا بناء على التاريخ الهجري أولا وما يوافقه من الميلادي ثانيا، وكل التشريعات الصادرة بمصر منذ إنشاء الدولة الحديثة وإلى اليوم تمهر إما مصدرة بالتاريخ الهجري وحده، أو مشفوعا بالتاريخ الميلادي، ولا يناقض ذلك أن بعض التشريعات -وعلى رأسها القانون المدني- نص في المادة (3) على أنه: "تحسب المواعيد بالتقويم الميلادي، ما لم ينص القانون على غير ذلك"، لأن هذه المواعيد خرجت عن أن تكون شعارا، وصارت وسيلة للضبط فلا مانع شرعا من اتخاذ أي وسيلة كانت كما تقدم بيانه.

    كما التزمت كل التشريعات في مصر بما وقتته الشريعة الإسلامية بالأهلة، عملا بالدستور والشريعة الإسلامية الغراء.

    كما يتضح اتفاق أهل الشرع مع ما اعتمده وعمل به أهل الفلك قديما وحديثا، وجرى عليه العمل في الجهات الرسمية كافة بالبلاد من الجمع بين التقويمين القمري والشمسي، مع تقديم التقويم القمري فيما كان المقصود فيه معنى الشعار، والتوسع فيما كان المقصود فيه معنى الوسيلة، وإذا كانت القاعدة العقلية والشرعية أن "الحاصل لا يحصل"، فما يطالب به المدعي هو الحاصل بالفعل في المحررات الصادرة من رئاسة الجمهورية ومن الجهات الرسمية الأخرى كمجلسي الشعب والشورى ودار الإفتاء المصرية وغيرها فجميعها تصدر التأريخ والتوقيع دائما بالتقويم الهجري ثم تذكر أنه الموافق لتاريخ كذا الميلادي، مما يظهر أن التقويم الهجري هو تقويم البلاد رسميا وفعليا، وإذا خرج عن ذلك شيء، فلا بد من التأكيد على المسؤولين عنه بالتزام ما جرى عليه العرف الرسمي في مصر، والمتفق مع الشريعة الإسلامية من اعتبار التقويم الهجري هو التقويم الرسمي، مع ذكر ما يوافقه من تقويم ميلادي.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ

    1- من المقرر في الشرع أن ذكر الشيء في معرض الامتنان به يدل على الإباحة.

    2- ما كان مبنيا على الأيام أو أجزاء الأيام اعتبر فيه الدورة الشمسية، وما كان مبنيا على الشهور فكثيرا ما يعتبر فيه الأهلة والدورة القمرية.

    3- لا خلاف بين العلماء على جواز العمل في البيوع وما جرى مجراها بأي أيام معروفة العدد ولا يشترط العمل بالشهور العربية.

    4- جوز الفقهاء العمل بمواقيت غير الشهور العربية أو الهجرية في المعاملات المالية ونحوها فيما لم ينص الشارع على العمل فيه بالأهلة القمرية، بل جوز المالكية العمل بالسنة الشمسية في أخذ زكاة الماشية.

    5- تسهم مصر -ممثلة في دار الإفتاء المصرية- بجهود متميزة في حل مشكلات التقويم الهجري وتوحيده من خلال مشروع القمر الصناعي الإسلامي لتوحيد رصد مطلع الشهور القمرية بالتعاون مع العديد من الهيئات والجهات الرسمية الإسلامية المشاركة في هذا المشروع.

    6- من القواعد الشرعية والعقلية أن الحاصل لا يحصل.

    7- جرى العرف الرسمي والقانوني والتشريعي بمصر على أن مراحل التشريع المختلفة من نفاذ وإصدار وشهر وتطبيق يكون مرتبطا ومقررا بناء على التاريخ الهجري أولا وما يوافقه من الميلادي ثانيا.

    بتاريخ: 16/3/2010م

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 140 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة