• اختلاط المرأة مع الرجال في ميادين البحث والدراسات والخلوة المحرمة

    ما الفرق بين مشاركة المرأة في ميادين البحث والدراسات مع الرجال وبين الخلوة المنهي عنها شرعا بين الرجال والنساء؟

    كون الرجال يتعلمون من المرأة وكون النساء يتعلمن من الرجل مما لا مانع منه شرعا؛ فالذي عليه عمل المسلمين سلفا وخلفا أن مجرد وجود النساء مع الرجال في مكان واحد ليس حراما في ذاته، وأن الحرمة إنما هي في الهيئة الاجتماعية إذا كانت مخالفة للشرع الشريف؛ كأن يظهر النساء ما لا يحل لهن إظهاره شرعا، أو يكون الاجتماع على منكر أو لمنكر، أو يكون فيه خلوة محرمة.

    وقد جاءت الأدلة الشرعية بأن مجرد وجود الرجال مع النساء في مكان واحد ليس اختلاطا محرما في ذاته حتى ينضم إليه ما يجعله حراما، وعلى ذلك دلت السنة النبوية الشريفة: ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: «لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد»، وترجم له البخاري بقوله: «باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس» اهـ.

    قال القرطبي في التفسير: «قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها» اهـ.

    وقال ابن بطال في شرحه على البخاري: «وفيه أن الحجاب (أي انفصال النساء عن الرجال في المكان أو في التعامل المباشر) ليس بفرض على نساء المؤمنين، وإنما هو خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك ذكره الله في كتابه بقوله:
    ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] اهـ.

    وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك» اهـ.

    وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة أبي طلحة الأنصاري في إطعامه الضيف: أنهما جعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، وفي رواية الحافظ ابن أبي الدنيا في «قرى الضيف» من حديث أنس رضي الله عنه: أن الرجل قال لزوجته: أثردي هذا القرص وآدميه بسمن ثم قربيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمظ هي وهو حتى رأى الضيف أنهما يأكلان اهـ.

    وظاهره أنهم اجتمعوا على طبق واحد.

    وقد قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
    «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة»، ونزل فيهما قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، فهذا تقرير من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على جواز ما فعلاه مع الضيف، بل ومدحهما عليه.

    وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: «آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما ...» إلى آخر الحديث.


    قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «وفي هذا الحديث من الفوائد ... جواز مخاطبة الأجنبية والسؤال عما يترتب عليه المصلحة» اهـ.

    وقال الإمام ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
    «إياكم والدخول على النساء»: «مخصوص بغير المحارم وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك فلا يمتنع» اهـ.

    كما أنه ليس كل انفراد واختلاء يعد خلوة محرمة؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخلا بها، فقال: والله إنكن لأحب الناس إلي»، وفي بعض الروايات: «فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك»، وبوب الإمام البخاري على ذلك بقوله: (باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس)، قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة»، وقال الملا علي القاري في «مرقاة المفاتيح»: «وفيه تنبيه على أن الخلوة مع المرأة في زقاق ليس من باب الخلوة معها في بيت»، وضابط الخلوة المحرمة كما قال الشيخ الشبراملسي الشافعي في حاشيته على «نهاية المحتاج»: «اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادة، بخلاف ما لو قطع بانتفائها عادة فلا يعد خلوة» اهـ.

    وبخصوص تلقي النساء للعلم من العالم فقد ورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين: «قالت النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن».

    وفي رواية النسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهن: «موعدكن بيت فلانة».

    وكانت المرأة المسلمة تشارك الرجال في الحياة الاجتماعية العامة مع التزامها بلبسها الشرعي ومحافظتها على حدود الإسلام وآدابه؛ حتى إن من النساء الصحابيات من تولت الحسبة، ومن ذلك ما رواه الطبراني في «المعجم الكبير» بسند رجاله ثقات عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم قال: «رأيت سمراء بنت نهيك -وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وآله وسلم- عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر».

    وعلى ذلك فلا يسع أحدا أن ينكر هذا الواقع الثابت في السنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي، ولا يصح جعل التقاليد والعادات الموروثة في زمان أو مكان معين حاكمة على الدين والشرع، بل الشرع يعلو ولا يعلى عليه، ولا يجوز لمن سلك طريقة في الورع أن يلزم الناس بها أو يحملهم عليها أو يشدد ويضيق فيما جعل الله لهم فيه يسرا وسعة.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ

    1- الذي عليه عمل المسلمين سلفا وخلفا أن مجرد وجود النساء مع الرجال في مكان واحد ليس حراما في ذاته، وأن الحرمة إنما هي في الهيئة الاجتماعية إذا كانت مخالفة للشرع الشريف.

    2- لا يصح جعل التقاليد والعادات الموروثة في زمان أو مكان معين حاكمة على الدين والشرع، بل الشرع يعلو ولا يعلى عليه.

    3- لا يجوز لمن سلك طريقة في الورع أن يلزم الناس بها أو يحملهم عليها أو يشدد ويضيق فيما جعل الله لهم فيه يسرا وسعة.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 5076-5 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة