• خروج الدم من المرأة التي استؤصل رحمها

    ما حكم خروج الدم من المرأة التي استؤصل رحمها؟

    توطئة:

    يُعد الفقه الإسلامي من أكثر العلوم الشرعية شمولية واتساعًا؛ ذلك لأنه مرتبط بمختلف جوانب الحياة البشرية التي تعتريها الكثير من الأحداث والمستجدات؛ مما يتطلب بيانًا لأحكامها من حيث الجواز أو المنع، والناظر في تسارع وقوع الأحداث وظهور المستجدات يدرك أن النصوص الشرعية لا يمكن أن تستوعب كل حادثة أو واقعة بدليل خاص، إلا أنه مع التدبر والاجتهاد، والنظر في مقاصد النصوص وعللها؛ يمكن استنباط الاحكام لها.

    ومن أكثر الأبواب الفقهية التي تتجلى فيها العقلية الاجتهادية ما يتصل بباب الدماء الخارجة من النساء؛ حيث إن كثيرًا من فروعه ومسائله قد تستعصي على أجلَّة العلماء؛ لدقة وصعوبة مسائلها، وقلة أدلتها النصية، واختلاف أحوال النساء، وما يعتريهن من صحة ومرض، أو بلوغ وإياس، أو حمل وولادة، أو تذكر ونسيان، وغير ذلك من الأحوال؛ وفي هذا يقول النووي: (اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب، ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله)[1].

    ويقول ابن تيمية: (فإن مسائل الحيض والاستحاضة من اشكل أبواب الطهارة)[2].

    ويقول أيضًا: (والعلماء لهم في الاستحاضة نزاع؛ فإن أمرها مشكل؛ لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة؛ فلا بد من فاصل يفصل هذا من هذا)[3].

    المسألة: خروج الدم من فرج المرأة التي استؤصل رحمها.

    وهذه المسألة من المسائل المستجدة في الفقه الإسلامي، بالنظر إلى استحداث مثل هذا النوع من العمليات الجراحية الذي لم بكن معروفًا في الزمن السابق، لذا فإنك لا تجد في المصادر الفقهية المتقدمة أو المتأخرة بيانًا لحكم هذه المسألة بعينها.

    ولكن يمكن للباحث أن يتلَّمس طريقه من خلال تقريرات الفقهاء في مسائل الحيض والاستحاضة؛ للخروج بحكم فقهي في هذه المسألة.

    أقوال الفقهاء:

    اتفق الفقهاء على أن الدماء التي تخرج من المرأة تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: دم النفاس، ودم الحيض، ودم الاستحاضة[4].

    أولًا: دم النفاس: هو الدم الخارج من قُبُل المرأة عند الولادة[5].

    وبما أن الولادة أمر يرتبط بوجود الرحم عند المرأة؛ لأنه الوعاء الذي يحمل الجنين، ومسألتنا تتناول المرأة التي استؤصل رحمها، فعليه يعلم يقينًا أن هذا الدم لا يمكن أن يكون دم نفاس، لانتفاء قدرتها على الحمل والولادة، فيكون هذا النوع من الدماء خارجًا نطاق بحثنا.

    ثانيًا: دم الحيض: إن المتأمل لكلام فقهاء المذاهب الأربعة يلحظ التوافق بينهم في تعريف الحيض وبيان حده؛ من حيث بيان محله، وسببه، وزمنه.

    1) تعريف الحنفية: عرَّف الحنفية دم الحيض بأنه: (الدم الخارج من الرحم، الممتد إلى وقت معلوم)[6].

    2) تعريف المالكية: أما المالكية فعرفوه بقولهم: (هو دمٌ؛ كصُفرَةٍ أو كُدْرَةٍ، خَرَجَ بنفسه من قُبُل من تَحمِل عادةً وإن دَفَعَةً)[7].

    أي وإن خرج في زمن يسير؛ سواء خرج مرة واحدة أو دفقة واحدة[8].

    وقال ابن عرفة: (الحيض دم تُلقيه رحم مُعتاد حَملُها دون ولادة؛ خمسة عشر يومًا في غير حمل)[9].

    3) تعريف الشافعية: عرَّف الشافعية الحيض فقالوا: (هو الدم الخارج من فرج المرأة على سبيل الصحة، من غير سبب الولادة).

    ثم قالوا: (الدم الخارج من الرحم إن كان خروجه بلا عِلَّة بل جِبِلَّة -أي تقتضيه الطباع السليمة- فهو دم حيض)[10].

    4) تعريف الحنابلة: أما الحنابلة فيُعرِّفون الحيض بقولهم: (دم يُرخيه الرِّحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة)[11].

    فيُلحظ أن الفقهاء متفقون على أن أصل دم الحيض ينشأ في الرحم، إلا أن الشافعية والحنابلة يحددون موضعه من الرحم بصورة أدق؛ فيقولون: دم جِبلة أو طبيعة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها، على سبيل الصحة من غير سبب ولادة[12].

    أما ذكر (فرج المرأة) أو (القُبُل) في تعريف المالكية والشافعية؛ فهو لبيان محل ظهوره، لا لبيان أصل مصدره الذي هو الرحم؛ كما هو ظاهر من كلامهم بعد تعريف الحيض.

    وبناء عليه نعلم أن وجود دم الحيض مرتبط بوجود الرحم أيضًا، ومعنى أن يتم استئصال الرحم: أن المرأة تصبح غير قادرة على الحمل، ويؤدي أيضًا إلى توقف الدورة الشهرية لديها[13].

    فإذا رأت المرأة التي استؤصل رحمها دمًا خارجًا من الفرج، لا نحكم بأنه دم حيض لتعذر محله؛ وهو الرحم.

    ثالثًا: دم الاستحاضة: اختلف العلماء في تعريف الاستحاضة على قولين: الأول: مذهب الحنفية: يُعرِّف الحنفية الاستحاضة بأنها: (دم عِرق، ولا مَدخَل للرحم فيه)[14].

    وقالوا أيضًا: (دم الاستحاضة: اسم لدم خارج من الفرج دون الرحم)[15].

    فالحنفية يرون أن هذا العِرقَ الذي يتسبب انقطاعه بخروج الدم إنما هو فيما دون الرحم؛ أي أنه في الفرج.

    الثاني: مذهب الجمهور: اتفق الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الاستحاضة دم عِلة ومَرض يسيل في غير أيام الحيض والنفاس، من عِرق في الرحم يقال له العاذل.

    فالمالكية عرفوا الاستحاضة بقولهم: (سَيلان دم في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عِرق فمه في أدنى الرحم؛ يسمى العَاذِل)[16].

    والشافعية عرفوه بقولهم: (دم عِلة يخرج من أدنى رحم المرأة، مِن عِرق يقال له العَاذِل)[17].

    وعرف الحنابلة بأنه: (سيلان دم عِرق في أدنى الرحم يسمى العَاذِل)[18].

    قال أبو عبيد: (العاذل اسم العِرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة)[19].

    فالجمهور يرون أن محل هذا العرق المسبب لخروج دم الاستحاضة هو أدنى الرحم.

    وعليه، فإن الحنفية يرون أن لا مدخل للرحم في دم الاستحاضة، بينما يرى الجمهور أن للرحم مدخلًا في الاستحاضة؛ إذ هو عندهم دم ناشئ عن تفجُّر عِرق في أدنى الرحم.

    المناقشة:

    عند النظر في النصوص الواردة في دم الاستحاضة؛ نرى أنها بينت أن سبب خروج هذا الدم هو انقطاع ذلك العرق المسمى بالعاذل؛ ففي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش التي اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم استمرار نزول الدم عليها؛ بين لها النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الدم ليس من قبيل دم الحيض المعتاد الخارج من الرحم، وإنما هو لسبب آخر يتعلق بانفجار عِرق؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ»[20]؛ ويؤيد هذا ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها -أيضًا- (أَنَّ امْرَأَةً مُسْتَحَاضَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهَا أَنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ...) الحديث[21].

    إلا أنه في حديث حمنة بنت جحش التي اشتكت أيضًا من غزارة نزول الدم عليها، بيان لسبب آخر من أسباب الاستحاضة؛ وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ»[22].

    وفي رواية: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ»[23].

    ومعنى ذلك كما يقول ابن قتيبة: (والركضة الدفعة؛ إنه لا يخلو من أحد معنيين؛ إما أن يكون الشيطان يدفع ذلك العرق فيسيل منه دم الاستحاضة ليفسد على المرأة صلاتها بنقض طهورها، وليس بعجيب أن يقدر على إخراج ذلك الدم بدفعته مَن يجري من ابن آدم مجرى الدم، أو تكون تلك الدفعة من الطبيعة، فنسبت إلى الشيطان؛ لأنها من الأمور التي تفسد الصلاة، كما نسب إليه الأكل بالشمال، والعِمَّة على الرأس دون التَّلحِّي، والحُمرَة....)[24].

    وظاهر من تفسير هذه الجملة (ركضة من الشيطان) أن هذا السبب -عند من يحمل المعنى على الحقيقة- مرتبط بانقطاع العِرق وانفجاره، فقد ينفجر لعلة مرضية، أو بسبب ركضة الشيطان.

    إلا أن الطب الحديث يرى أن خروج دم الاستحاضة له أسباب عدة لها ارتباط بالحيض، أو بأي نزف من نوع آخر يصيب الرحم أو المهبل (الفرج)، أو ينتج عن عوامل موضعية أو نفسية[25].

    ويؤيد القول بتعدد أسباب الاستحاضة ما جاء في الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت حيث نصّت في توصياتها على أن كل دم مَرَضي غير سوي يسمى استحاضة، وأن أسبابه شتى[26].

    والسؤال هنا: ما محل خروج هذا الدم على اختلاف أسبابه؟

    إن كلا الفريقين متفقان على ان الاستحاضة سببها تفجر ذلك العرق؛ لكن الحنفية يرون أن محله الفرج ولا مدخل للرحم فيه، في حين أن الجمهور يرون أن محله أدنى الرحم.

    والذي يظهر أنه لا تعارض بين كلا الفريقين؛ وذلك لما يلي:

    1) أن بعض روايات حديث عائشة رضي الله عنها بينت أن دم الاستحاضة محله الرحم؛ فعند النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ».

    يقول الإمام السندي: (فلعل معنى من الرحم؛ أي: في الرحم، والمراد أن الشيطان ضرب بالرجل في الرحم حتى فتق عرقها)[27].

    وهذا يتوافق مع ما ذكره الأطباء من أن للرحم مدخلًا في دم الاستحاضة؛ ذلك أن من صوره ما يكون من استمرار نزول الدم على المرأة بعد أيام عادتها؛ لأيام، وربما أسابيع؛ فهم يعدُّون ذلك من قبيل العِلة المرضية، وليس من قبيل الحيض[28].

    2) أن الطب الحديث يثبت أن دم الاستحاضة قد ينزل على المرأة لسبب آخر غير تفجير ذلك العرق؛ وأن هذا الدم قد يكون مصدره عنق الرحم أو المهبل.

    يقول الدكتور محمد محمد الحناوي: (بعد استئصال الرحم قد يحدث نزيف لأسباب تتعلق بالمهبل نفسه، أما في بعض حالات استئصال الرحم جزئيًا حيث يُترك عنق الرحم، ففي هذه الحالة فإن أي نزيف يحدث قد يكون نتيجة عنق الرحم أو المهبل)[29].

    وهذا يتوافق مع ما ذكره الحنفية من أن دم الاستحاضة محله الفرج؛ وهو ما يطلق عليه طبيًا (المهبل)، ويتوافق أيضًا مع رأي الجمهور القائل بأنه دم يخرج من عرق في أدنى الرحم، وهو ما يطلق عليه طبيًا (عنق الرحم).

    وإذا علمنا أن عمليات استئصال الرحم تتخذ عدة صور؛ أشدها وأعظمها الاستئصال الجذري الذي يتم فيه استئصال الرحم، وعنق الرحم، والمبيضين، وقانتي فالوب، وجزء يسير من المهبل[30]؛ فعندها يمكن القول بأن الدم الذي تراه المرأة التي استؤصل رحمها هو دم استحاضة.

    الخاتمة:

    في ضوء ما سبق عرضه يمكننا القول:

    أولًا: إن مصدر دم الحيض هو الرحم، وتحديدًا بطانة الجدار الداخلي للرحم، وهو ما عبر عنه الفقهاء بأقصى الرحم أو قعره.

    ثانيًا: إن سبب دم الاستحاضة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة هو تفجير عرق في منطقة أدنى الرحم والتي تسمى طبيًا بـ(عنق الرحم).

    ثالثًا: إن مصدر دم الاستحاضة عند الحنفية هو تفجير عرق في منطقة الفرج، والتي يطلق عليها طبيًا بـ(المهبل).

    رابعًا: إن للاستحاضة أسبابًا متعددة يرجع بعضها إلى تفجير عرق في منطقة أدنى الرحم، ويرجع بعضها إلى غير ذلك.

    خامسًا: إن استئصال الرحم بجميع صوره يمنع نزول دم الحيض على المرأة، بسبب انعدامه محله وهو الرحم[31].

    سادسًا: إن الطب الحديث يُرجع أسباب دم الاستحاضة إلى أمور عدة؛ منها ما يتعلق بالرحم، ومنها ما يتعلق بغيره؛ كعنق الرحم أو المهبل.

    سابعًا: إن عمليات استئصال الرحم بجميع صورها، لا تمنع من الحكم بأن الدم الذي تراه المرأة والحالة هذه يأخذ حكم دم الاستحاضة.

    والله أعلم، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    [1] المجموع شرح المهذب (2/352).
    [2] مجموع الفتاوى (21/22).
    [3] مجموع الفتاوى (21/630).
    [4] انظر: كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار لتقي الدين الحصني (1/143).
    [5] انظر: المبسوط للسرخسي (3/210)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 375)، المجموع للنووي (2/474)، عمدة الفقه لابن قدامه (ص38).
    [6] تحفة الفقهاء للسمرقندي (1/33). وانظر: المبسوط (3/147)، وبدائع الصنائع للكاساني (1/152).
    [7] مواهب الجليل للحطاب (1/356).
    [8] انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش (1/167).
    [9] شرح حدود ابن عرفة للرصاع (ص67).
    [10] كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (1/143).
    [11] المغني لابن قدامة (2/386).
    [12] انظر: مغني المحتاج للشربيني (1/108)، كشاف القناع للبهوتي (1/196).
    [13] www.medsy.net/women/women
    [14] مجمع الأنهر لشيخي زاده (1/52)، مراقي الفلاح للشرنبلالي (ص148).
    [15] البحر الرائق لابن نجيم (1/226).
    [16] الثمر الداني للآبي الأزهري (ص22)، حاشية العدوي (1/118)
    [17] مغني المحتاج (1/108)، حاشية قليوبي وعميرة (1/98).
    [18] المبدع شرح المقنع لابن مفلح (1/274)، كشاف القناع (1/196).
    [19] غريب الحديث (4/234).
    [20] رواه البخاري (226)، ومسلم (333).
    [21] رواه أحمد (6/172)، والنسائي (213، 360).
    [22] رواه أحمد (6/439)، وأبو داود (287).
    [23] رواه أحمد (6/128)، والنسائي (209، 356).
    [24] تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (ص328).
    [25] الموسوعة الطبية لمجموعة من الأطباء (7/ 1278).
    [26] انظر: الحيض والنفاس والحمل الأشقر (ص35).
    [27] حاشية السندي على النسائي (1/121).
    [28] انظر: المرأة في سن الإخصاب واليأس للدكتور أمين رويحة (ص54).
    [29] انظر: www.geocities.com/hennawyobgynnet/hysterectomy.htm
    [30] تتخذ عمليات استئصال الرحم عدة صور هي: الأولى: استئصال رحم جزئي؛ يستأصل الرحم ويُترك عنق الرحم والمبيضين وقناتا فالوب. الثانية: استئصال رحم كلي؛ يستأصل الرحم وعنق الرحم ويترك المبيضين وقناتا فالوب. الثالثة: استئصال رحم جذري؛ يستأصل الرحم وعنق الرحم والمبيضين وقناتي فالوب، وجزء يسير من المهبل. انظر:.www.geocities.com/hennawyobgynnet/hysterectomy.htm .www.tabeebe.com/doctor/medical/hysterectomy.htm
    [31] انظر ما يؤيد ذلك: فتوى لمركز الفتوى في الشبكة الإسلامية بإشراف د. عبد الله الفقيه.

    المُنتقَى من المسائل العلمية

    رقم الفتوى: 3 تاريخ النشر في الموقع : 26/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة