• عمل الفقهاء بأقوال مذاهبهم وإن خالفت الحديث الصحيح

    قد وقف بعض من ينتمي لطلبة العلم الشريف بالهند[1] على قول الأستاذ الإمام في صفحة 336 الجزء (9) من المجلد السابع[2] من مجلتكم الغراء في خلال بيانه ترك الاهتداء بالكتاب والسنة واستبدال أقوال الناس بهما. ولكننا إذا نظرنا في أقوال الفقهاء وتشعبها وخلافاتهم وعللها، فإننا نحار في ترجيح بعضها على بعض، إذ نجد بعضها يحتج عليه بحديث صحيح وهو ظاهر الحكمة معقول المعنى، ولكنه غير معتمد عندهم، بل يقولون فيه المدرك قوي ولكنه لا يفتى به، ولماذا؟ لأن فلانًا قال: إلخ. فأنكر ذلك واستكبره، وقال: لا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول مثل ذلك. نعم، قد يترك الفقهاء العمل بظاهر الحديث لسبب من الأسباب لكن من بعد تبين السبب الموجب للعدول عن ظاهره أو عنه بالكلية كمعارضته بحديث آخر مثله في الصحة أو أصح أو أقل منه في الصحة، ولكنه مؤيد بأدلة أخرى، أو بأن الإجماع أو عمل الصحابة على خلافه، ونحو ذلك.

    كما أن مالكًا روى أحاديث القبض ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه في موطأه وترك العمل بها لأنه أدرك عمل أهل المدينة على خلافها، وأما ترك الحديث الصحيح بعلة أن فلانًا قال، فما وقفنا عليه في شيء من الكتب التي بأيدينا، وتبعه على ذلك جميع المقلدين بكلمته. فلما رأيت القوم في شك من صحة قول الأستاذ الإمام وكانت غيرة الجنسية والوطنية باعثًا قويًا على الانتصار لفضيلته، ولم يكن لدي ما أنتصر به لجهلي وعدم وجود الكتب اللازمة بطرفنا فلم أجد لي ملجأ إلا إرشادكم لا زلتم ملجأ للسائلين. فحررت إليكم هذا السؤال.

    والغرض من سعادتكم أن تبينوا لنا من القائلون في مثل هذا: المدرك قوي ولكنه لا يفتى به لأن فلانًا قال: من غير بيان وجه العدول عن الحديث، وفي أي كتاب ذكرت هذه المسألة وأشباهها. أدركونا سيدي بالجواب وإلا أصبح علماء الهند في شك مما ينقل عن الأستاذ الإمام.

    إن ما قاله في تعارض الحديثين هو المذكور في كتب الأصول التي يروون العمل بأحكامها خاصًا بالمجتهدين، وقد صرحوا بأنه يجب على المقلد أن يعمل بقول علماء مذهبه، وإن خالفت الأحاديث الصحيحة التي لا يشك في صحتها ولا يعرف لها معارضًا، ثم حكموا بأن الاجتهاد ممنوع، فيجب على جميع المسلمين أن يكونوا عالة على ما دوّنه الفقهاء، وإن رأوا فيه ما يخالف السنة الصحيحة. فإن كان المعترض ينكر هذا جئناه بنصوصهم التي لا يجهلها إلا إذا كان لم يقرأ الفقه لا سيما فقه الحنفية. بل الأمر أعظم من ذلك، فإنهم قبل منع الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة قد اتخذوا لهم أحكامًا عامة جعلوها أصولًا للشريعة، وقالوا إن ما يخالفها من الكتاب والسنة يحمل على النسخ أو على الترجيح أو التأويل، فهم قد جعلوا الكتاب والسنة فرعًا يحمل على غيره لا أصلًا يحمل غيره عليه، كما ترى في أصول الكرخي المتوفى سنة 340 هـ، وقد ذكرنا قوله وبيّنا رأينا فيه في المجلد الخامس[3] وأذكر بعض ما قاله، ويراجعه هناك من يريد التفصيل قال: (الأصل) «أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح، والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق»: وذكر مسائل يمكن أن تجعل الآيات فيها أصلًا ويستغني عن قاعدته مع بقاء الحكم كما قال أصحابهم، ثم قال: (الأصل) «أن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه»: ثم ذكر أمثلة تحكم فيها بالنسخ مع عدم العلم بالتاريخ وبالمعارضة والترجيح.

    وكان يجب أن يجعل الكتاب والسنة هما الأصل ويعرض قول الأصحاب وأدلتهم عليهما، فإن وافقت وإلا تركت وعمل بالكتاب والسنة.

    ومن فروع هذا الأصل عند المقلدين أنهم يحتجون ببعض الحديث على ما يوافق قول أصحابهم ويتركون الاحتجاج ببعضه الآخر إذا خالف قولهم.

    وفي المجلد السادس[4] من المنار 66 شاهدًا على ذلك فتراجع في الأجزاء 14 و15 و16 منه، ومن راجع كتب الحديث يجد كثيرًا من ذلك.

    وقد استقر رأي أهل التقليد المتأخرين على أن العلماء طبقات أعلاها المجتهد المطلق، وهو الذي يأخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، زاد الحنفية والاستحسان.

    وأدناها طبقة الناقلين عن أهل التصحيح والترجيح في الأحكام المروية في المذهب، وهؤلاء يجب عليهم الأخذ بأقوال من فوقهم من غير تقيد بمعرفة دليلهم، ويحرم عليهم ترك رواية المذهب لما يفهمونه من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة، وقد صرح بذلك ابن عابدين وغيره من المؤلفين.

    فإن كان المعترض ينكر ذلك ذكرنا له العبارات بنصها، وإن كان يعترف به فليخبرنا، هل دلت عبارة التفسير على ما هو أكبر منه؟ ثم بعد هذا كله إن كان يلتمس لهؤلاء القوم عذرًا في هذا، فلماذا لا يلتمس العذر لمن يجعل الكتاب والسنة هما الأصل؟ وهو الموافق لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون رضوان الله عليهم أجمعين، فقد نقل عن الأربعة وعن غيرهم التصريح بتحريم تقليدهم وتقليد غيرهم.


    [1] المنار ج8 (1905) ص291-294.
    [2] المنار ج7 (1904) ص336.
    [3] المنار ج5 (1902) ص.

    [4] المنار ج6 (1903) ص540-544: وص594-598: وص616-617.
     

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 159 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة