• إيراد على ترك التقليد

    قال البعض: نحن نقول أنه يجب على ذي الدين أن ينظر دائمًا إلى كتابه حتى لا يختلط ولا يشتبه عليه شيء من أحكامه ولا يجوز لأحد، إلخ. يظهر من هذا الصنيع أن مراده ترك التقليد بالكلية والرجوع إلى الكتاب والسنة وعدم التعويل على قول أحد من الفقهاء والأئمة المجتهدين، ونحن نقول: الداعي إلى ذلك لا يخلو عن مقصد حسن يعود نفعه على الأمة أولًا، فإن كان الأول بأن كان مراده ترك المشاغبات بين المسلمين المؤدية إلى تأخرهم في أمر دينهم ودنياهم فنقول له: هل أنت بعد هذا تطلق الحرية للأفكار والآراء في الأخذ من الكتاب والسنة؟ أم تحمل جميع الآراء على اتباع رأي تراه مطابقًا للكتاب والسنة؟ فإن قلت بالأول وهو الظاهر من صنيعك، فإننا نخشى أن تتعدد المذاهب بتعدد الآراء، فإن اتفاق جميع الآراء على قول واحد غير معقول، وإن قلت بالثاني فقد دعوت إلى ما انتدبت لإبطاله، وإن كان الثاني فقد دعا إلى ذلك محمد بن عبد الوهاب النجدي من نحو مائة وخمسين سنة ولم يفد ذلك شيئًا في عقائدنا مع أننا نعلم قطعًا أن أتباع الأئمة الأربعة كانوا على هدى من ربهم متبعين لكتاب الله وسنة رسوله إلا ما شذَّ عنهما، فطريقه إما القياس وإما الإجماع قبل ظهور هذه الدعوى وقبلها دعوة الوهابي، والحاصل يا سيدي أنه لا يخفى على فضيلتكم بما ذكرنا أن الناس بطرفنا قد اتهموا الأستاذ ومن نقل عنه بأنهم داعون إلى اتباع مذهب النجدي، وترك المذاهب الأربعة، فالمرجو من سيادتكم أن تبينوا لنا مراد الأستاذ بأن تجيبوا عن الاعتراضات المتقدمة في قول ذلك البعض لينكشف لنا الغطاء عن خرافات هؤلاء الأعاجم جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا[1].

    أما زعم المعترض أنه يلزم من تلك العبارات الرجوع إلى الكتاب والسنة فهو صحيح. وأما قوله: «وعدم التعويل على قول أحد من الفقهاء والأئمة» فهو غير صحيح على إطلاقه، وإنما المراد عدم تقديم قول فقيه على قول الله ورسوله.

    ويمكن الجمع بين الاهتداء بالكتاب والسنة والانتفاع في ذلك بكلام الأئمة بأن ننظر في أقوالهم ونعرضها على الكتاب والسنة كما أمروا، ونستعين بها على فهمهما، فما وافق أخذنا به وما خالف ضربنا به عرض الحائط، كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه.

    ولا نجعل كلامهم أصلًا نعرض عليه الكتاب والسنة، فإن وافقاه وإلا أولناهما أو تركناهما تعللًا باحتمال النسخ، والأصل عدمه باتفاقهم. وأما سؤال المعترض، هل نطلق الحرية للآراء والأفكار في الأخذ من الكتاب والسنة، أم نحملهم على رأي واحد وإيراده على كل واحد من طرفي الترديد ما أورده، فإننا نجيبه عنه بما ليس في حسبانه فنقول: لا شك أن الكلام في المسائل الخلافية، وقد كان السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين يطلقون الحرية في المسائل الاجتهادية لكل أحد في المسائل المتعلقة بالشخص لا بالحكومة، وكانوا لا يرون ذلك موجبًا للخلاف والتفريق ولا للتنازع والتقاطع كما حدث بعد التزام المذاهب والتعصب لها بل كان كل يعذر الآخر فيما خالفه فيه.

    وأما المسائل المتعلقة بالسياسة والقضاء لا بالأعمال الشخصية كالعبادة فكانوا يدعونها إلى الحكام الفقهاء القادرين على استنباط الأحكام، وكان هؤلاء يتشاورون في الأمر ويردون ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة ثم تطبيقه على مصلحة الأمة، حتى صار أئمة الجور ثم سلاطين الجهل والبغي هم الحاكمين. والواجب الآن أن نجمع كلمة المسلمين على المسائل الاجتماعية ونحيي روح الدين فيهم بهدي الكتاب والسنة ونطلق الحرية لكل مسلم أن يهتدي بالكتاب والسنة بحسب فهمه، إن كان من أهل الفهم الذين أعدّوا له عدته: وأولها معرفة العربية وأساليبها، وما قاله علماء السلف وأئمة الخلف ممحصًا تمحيصًا، وكل ذلك مدون في كتب التفسير والحديث.

    وإن لم يكن من أهل الفهم وعرض له أمر كان عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن قول الله ورسوله في ذلك فيرويه له ويبين له معناه كما يسأل الجاهلون الآن عن فهم علماء عصرهم في كتب مذاهبهم. وأما الأحكام المتعلقة بالسياسة والقضاء وسائر الأمور العامة، فالواجب على الأمة أن تعرف الحق الواجب اتباعه فيها لتلزم به الحكام عند القدرة على ذلك، وإنما القدرة بالعلم والاعتقاد. وليس الحق الذي تنهض بها الأمة أن تفوض به أمرها لرجل واحد عالمًا كان أو جاهلًا يدعي أنه ينتمي إلى مذهب عالم معين يحكم به إن شاء فيسمى عادلًا أو يتركه فيعد ظالمًا، بل الحق أن يكون إمام المسلمين عالمًا بالكتاب والسنة مقيدًا باستشارة أولي الأمر، وهم أهل الحل والعقد الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرهم ويعمل برأيهم، ولو فيما خالف رأيه، كما فعل في غزوة أحد، وكما كان الخلفاء الراشدون يستشيرون.

    ولا محل للتوسع في هذا المقام، وقد فصلنا هذه المسائل من قبل تفصيلًا، ولعل المعترض لو اطلع على ما كتبناه من قبل في هذه المسائل لما ضاق صدره بتلك الجملة الوجيزة وطفق يستنبط منها ويعترض على ما يستنبط. وسنطلعك على مقالات محاورات المصلح والمقلد[2] فقد طبعت على حدتها، وهي من التفصيل الذي نشرناه في المنار وصادف استحسان العلماء والفضلاء.

    وأما قوله أنه يعلم قطعًا أن أتباع الأئمة الأربعة كانوا كذا وكذا، فنقول فيه: إن المنقول عن الأئمة وأصحابهم تحريم التقليد ومنعه ووجوب الأخذ بالكتاب والسنة، وستجد طائفة من هذه النقول عنهم في كتاب محاورات المصلح والمقلد، ولكن لم يتبعهم في هذا كل ما انتمى إليهم لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة. فإن كلام الأئمة الأولين صار مجهولًا حتى للمنقطعين إلى العلم، والأستاذ الإمام يسعى في إحياء كتبهم وهو رئيس جمعية ألفت لهذا الغرض.

    وأما العوام فأكثرهم لا يعرف الآن من الدين إلا بعض المسائل الخلافية بين المذهب الذي يدعيه والمذهب المنتشر في بلده كانتشار مذهبه المدعى.

    ثم إن أكثرهم لا يعملون إلا بقليل مما يعلمون من مسائل الوفاق والخلاف. والمعترض وأمثاله لا يخافون من هذا الضياع للدين ولكنهم يخافون من الدعوة إلى الكتاب والسنة والاهتداء بهما بحجة الخوف على المذاهب التي لم يبق منها إلا الجدل فيما بقي من دروس المقلدين الدارسة.

    وأما اتهام الأستاذ وغيره بالدعوة إلى مذهب الوهابي فهو من ضيق العطن وقلة العلم، فقد اتخذ المتعصبون اسم الوهابي وصاروا يهددون به الناس.

    والأستاذ الإمام لا يدعو إلا إلى الكتاب والسنة، فمن اتبعهما فهو المهتدي عنده وعندنا وإن سمي وهابيًا، ومن أعرض عنهما فهو الضال وإن سمي نفسه سنيًا أو أشعريًا أو حنفيًا أو شافعيًا.

    وإنما يخاف من النبذ بالألقاب من لا يعرف الله ولا يرجوه بعمله، وإنما يرجو مرضاة العوام الذين يشتمون كل مخالف لتقاليدهم التي ليس لهم بها ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ[٢٠]﴾ [الزخرف: 20]. وجملة القول أن من يرغب عن الكتاب والسنة فقد سفه نفسه وكان بريئًا من الأئمة، وإن ادعى اتباعهم فإنهم حرموا التقليد الأعمى كما ستعرفه تفصيلًا من الرسالة التي نرسلها إليك.ونرجو أن تكتب إلينا ثانية بما يشتبه على المعترض أو عليك.

    [1] المنار ج8 (1905) ص294-297.
    [2] محاورات المصلح والمقلد. القاهرة، مطبعة المنار، 1325.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 160 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة