• ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم في أوراق البردي

    اطلعت بجريدة مصر في العدد 3804 الصادر يوم الأربعاء 7 يونيه سنة 1905 ضمن الحوادث المحلية على الفقرة الآتي نصها بالحرف الواحد. «تفيد أنباء ألمانيا الأخيرة أن رئيس غرفة التجارة في مدينة هدلبرج أعطى مكتبة المدرسة الجامعة هناك مجموعة من أوراق البردي مكتوبة باللغة العربية، وتحتوي هذه المجموعة على ألف ورقة خطيرة جدًا يرجع بعضها إلى السنين الأولى من الهجرة، وكثير من هذه الأوراق يسفر عن أمور جديرة في تاريخ سيادة الإسلام على مصر، ولكن الأهم من كل ذلك هو العثور على ترجمة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويقال: إنها ترجمة غريبة جدًا، وإن فيها سرًا جديدًا يجلو شيئًا من أسرار التاريخ الغامضة» اهـ.

    ولما كان ذلك يهم العالم الإسلامي معرفته، والمطلع على هذه الفقرة يستنتج أمرين: (أولهما) أن وجود مثل هذه الكتابة باللغة العربية على ورق البردي الذي لم يكن معروفًا إلا في زمن الفراعنة -إن صح- كان مما يدعو إلى الظن بأن ذلك من عمل المدلسين. (ثانيًا) أن جريدة مصر قالت: إنه وجد بين هذه الأوراق ورقة فيها ترجمة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويقال: إنها ترجمة غريبة جدًا، وأن فيها سرًا جديدًا يجلو شيئًا من أسرار التاريخ الغامضة.

    على أن مثل هذه الترجمة إن لم تكن موافقة لما أتى به القرآن والمتواتر بالدليل القطعي عن صاحب الترجمة صلى الله عليه وسلم فلا بد وأن يكون عدم ذكر هذا السر سرًا آخر تقصد به جريدة مصر الإيهام بأن هناك شيئًا يناقض ما عليه المسلمون من العقائد. فهل للأستاذ علم بتلك الأوراق يرفع النقاب عن ذلك السر الذي أشغل الألباب؟ هذا ما نرجو الجواب عنه على صفحات المنار، زادكم الله بسطة في العلم والرزق.
     

    قد كتب إلينا غير واحد فيما نشرته جريدة مصر، وكان منشأ الاهتمام بذلك توهم أن كل ما كتب وقدم عهده يصير مسلمًا به مقطوعًا بصحته. والصواب أن ما كتبه الناس في الزمان الماضي، هو كالذي يكتبونه الآن، والذي سوف يكتبونه في الزمن الآتي. منه الحق والباطل، والخطأ والصواب، والصدق والكذب، ومنه ما يكتب عن علم وما يكتب عن ظن وعن جهل.

    والقاعدة المقررة: أن المكتوب كالمسموع لا يوثق به إلا إذا روي بسند متواتر أو سند متصل يحتج برواته ويوثق بهم للعلم بعدالتهم، فما عساه يوجد في أوراق البردي، المسئول عنها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يعرض على المعلوم من الدين بالضرورة أو الرواية الموثوق بها، فإن وافقه كان له حكمه وإلا ضربنا به عرض الحائط، ولا نراه شبهة على المعروف عندنا بل ما عندنا يكون حجة قاطعة على أن ما في تلك الأوراق كذب لا قيمة له في التاريخ.

    أما أوراق البردي فقد استعملت في الإسلام، وفي دار الكتب المصرية أوراق منه أقدم ما عرف تاريخه، منها قد كتب في الربع الأخير من القرن الأول للهجرة، وأحدثه كتب في أوائل القرن الرابع[1].

    [1] المنار ج8 (1905) ص298-299.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 162 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة