• الفتن بين الصحابة رضي الله عنهم

    إنني أحببت أن أشرب من بحر علومكم فهم مسألة الفتن الواقعة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، مع علمهم لا شك بأفضلية بعضهم على بعض، وسبب قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه. وكيف نسلك طريق الاعتقاد في ذلك تفصيلًا وتحقيقًا وتعميقًا وتدقيقًا؟ ومرادنا من استمداد هذا المرغوب من حضرتكم الفخيمة لكونها نتيجة حضرة المغفور له مولانا الأستاذ الإمام الشيخ سيدنا محمد عبده رضي الله عنه، فنحصل على بعض أفكاره في المسألة رحمه الله وأعزكم من بعده[1].

    لا يمكن التفصيل والتحقيق المطلوب في هذه المسألة في جواب سؤال وإنما يكون ذلك في مصنف خاص بها، ولو ذكر ذاكر خلاصة وجيزة لمصنف وضعه أو هيأه لصعب التسليم بها على من لم يطلع اطلاعه ولم يقتنع بمآخذه لتلك الخلاصة، وأحب لكم أن تقرأوا ما كتبه رفيق بك العظم في كتابه أشهر مشاهير الإسلام[2] وتعملوا رأيكم في ذلك وتراجعوا فيه كتب التاريخ، حيث تجدون حاجة للمراجعة وما يشتبه عليكم بعد ذلك فراجعونا لنبين لكم رأينا فيه. على أننا نذكر هنا شيئًا وجيزًا ينير لكم طريق البحث.

    أما علم الصحابة عليهم الرضوان بفضل بعضهم على بعض فهو على كونه ضروريًّا في الجملة وكونه على غير ما يظن الجمهور في التفصيل لا يستلزم عدم وقوع الخلاف. فإن معاوية إذا كان يعلم أن عليًّا يفضله في العلم والتقوى فقد يعتقد أنه هو يفضل عليًّا في السياسة والإدارة.

    وقول العلماء: «يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل»، معقول لا سبيل إلى إنكاره، وهو مما لا يخفى على عاقل، ويؤيده استدراك التلميذ على الأستاذ والمبتدي على المنتهي في مسائل يكون هو المصيب فيها، ولأجل ذلك نبحث في كل ما قاله العلماء الراسخون وأئمة الفنون الواضعون رجاء أن نعلم ما لم يعلموا، أو نصيب بعض الأغراض التي أخطئوا كما قال الإمام مالك رضي الله عنه: «كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر»، يشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويريد بعموم كلامه الصحابة، فمن دونهم من علماء التابعين وهو يعلم أن فيهم من لا يُعد ممن يفضله في فهم الشريعة والوقوف على أحكامها.

    إذا فهمت هذا فلا تعجب لاختلاف الصحابة يوم السقيفة، ولا يوم اختيار أحد الستة الذين جعل عمر الأمر فيهم، ولا لاختلاف علي ومعاوية فإن الصحابة لم يكونوا كالأشاعرة والماتريدية لهذا العهد مقلدين لشيوخهم بأن أفضلهم فلان ففلان إلخ. ولا ممن يقول إن الأفضل يجب أن يكون هو الخليفة. على أن الأشاعرة وغيرهم يجوزون إمامة رجل مع وجود أفضل منه إذا كان المولَّى حائزًا الشروط التي لا بد منها للإمامة.

    ثم اعلم أن كبار الصحابة كانوا يعلمون من مجموع ما جاء في الكتاب العزيز عن الشورى ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم في سياسته وأحكامه ومن جعله الخلافة في قريش أن شكل الحكومة الإسلامية يجب أن يكون وسطًا بين ما يسمى اليوم حكومة جمهورية وحكومة ملكية ووسطًا بين ما يسمى اليوم حكومة الأشراف وحكومة الأفراد، أعني أن الذي فهموه كان وسطًا حقيقيًا بين ما ذكرت من غير ملاحظة هذه الأطراف وكونه وسطًا بينها.

    فلهذا لم يجعلوها في آل البيت خاصة بهم، إذ لو فعلوا ذلك لكانت من نوع حكومات الأشراف التي استعبدت الناس وجعلت الملك إلهًا معبودًا، ولا تستبعد أنهم كانوا يفطنون لهذا الأمر لا سيما مع علمك بما أوتوه من نور البصيرة الذي أعشى شعاعه بصائر الفلاسفة والحكماء حتى هذا العهد. وقد رأيت أن هذا الأمر وقع بالفعل من الفاطميين عندما جعلوا الخلافة تراثًا فيهم لمكان نسبهم. ومن هنا تعرف سبب تألب الناس على عثمان بعد أن قويت عصبية بني أمية باستكثاره من استعمالهم حتى خيف أن يتحول وضع الخلافة عن الشرع ويصير حكم أشراف يقوم بالعصبية. وعثمان لم يكن يقصد هذا ولكن الحوادث مهدت له بما كان من لينه وحيائه وشَرَهِ قومه وطمعهم فيه حتى أحس المسلمون بالخطر قبله وهو لا يرى قومه في جواز استعمالهم إلا كسائر الناس. فارجع بعد هذا إلى ما قلناه في تقريظ كتاب أشهر مشاهير الإسلام[3] في الجزء الثالث عشر من منار هذه السنة. وحسبك الآن هذه التنبيهات، وعليك بعد كثرة القراءة بمراجعتنا في المشكلات.
     

    [1] المنار ج8 (1905) ص668-670.
    [2] رفيق العظم، أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة. القاهرة، مطبعة الموسوعات ومطبعة المنار ومطبعة هندية، 1902-1903. 4 أجزاء.
    [3] المنار ج8 (1905) ص507-511

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 172 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة