• بشارة الوحوش بحمله صلى الله عليه وسلم

    ما صحة قول أن جميع الوحوش البرية والبحرية بشَّر بعضها بعضًا ليلة الحمل بالنبي صلى الله عليه وسلم ونطقت بذلك بلسان عربي مبين[1].

    إن الأثر الذي يذكرونه في نطق الدواب والوحوش ليلة حمله صلى الله عليه وسلم قد أخذه واضعو قصص المولد من رواية أبي نعيم وهو منكر جدًّا أورده السيوطي في الخصائص الكبرى[2]، وأنكره مع أثرين آخرين، وهذه الآثار الثلاثة قد جمعت أكثر المنكرات في قصص المولد، وإننا نوردها بنصها ليعلم القراء أنه لم يصح منها شيء فلا يغتروا بأصحاب العمائم العجراء إذا قرأوها وأجازوها قال:

    1- وأخرج أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي وكان من أوعية العلم قال: لما حضرت ولادة آمنة قال الله لملائكته: افتحوا أبواب السماء كلها وأبواب الجنان كلها، وأمر الله الملائكة بالحضور فنزلت تبشر بعضها بعضًا، وتطاولت جبال الدنيا وارتفعت البحار وتباشر أهلها فلم يبق ملك إلا حضر. وأخذ الشيطان فغلّ سبعين غلًا، وألقي منكوسًا في لجة البحر الخضراء، وغُلّت الشياطين والمردة، وألبست الشمس يومئذ نورًا عظيمًا وأقيم على رأسها سبعون ألف حوراء في الهواء ينتظرن ولادة محمد صلى الله عليه وسلم. وكان قد أذن الله تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورًا كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا تبقى شجرة إلا حملت، ولا خَوْف إلا عاد أمنًا. فلما ولد النبي صلى الله عليه وسلم امتلأت الدنيا كلها نورًا وتباشرت الملائكة، وضرب في كل سماء عمود من زبرجد وعمود من ياقوت قد استنار به فهي معروفة في السماء، قد رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، قيل هذا ما ضرب لك استبشارًا بولادتك. وقد أنبت الله ليلة ولد على شاطئ نهر الكوثر سبعين ألف شجرة من المسك الأذفر جعلت ثمارها بخور أهل الجنة وكل أهل السماء يدعون بالسلامة، ونكست الأصنام كلها وأما اللات والعزى فإنهما خرجتا من خزانتهما وهما تقولان: ويح قريش جاءهم الأمين جاءهم الصديق لا تعلم قريش ماذا أصابها. وأما البيت فأيامًا سمعوا من جوفه صوتًا وهو يقول: الآن يرد عليّ نوري، الآن يجيئني زواري، الآن أطهر من أدناس الجاهلية، أيتها العزى هلكت. ولم تسكن زلزلة البيت ثلاثة أيام ولياليهن. وهذه أول علامة رأت قريش من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    2- وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس قال: كان من دلالات حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت في تلك الليلة، وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها. ولم تبق كاهنة في قريش ولا في قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا والملك مخرسًا لا ينطق يومه ذلك. ومرت وحش المشرق إلى وحش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونًا مباركًا. قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهر كملًا لا تشكو وجعًا ولا ريحًا ولا مغصًا ولا ما يعرض للنساء من ذوات الحمل. وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا بقي نبيك هذا يتيمًا فقال الله: أنا له وليّ وحافظ ونصير. وتبركوا بمولده فمولده ميمون مبارك. وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته، فكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول: أتاني آت حين مرّ بي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال لي: يا آمنة إنك قد حملت بخير العالمين طُرًّا فإذا ولدتيه فسميه محمدًا.

    فكانت تحدث عن نفاسها وتقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم، فسمعت وجبة شديدة وأمرًا عظيمًا فهالني ذلك، فرأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني كل رعب وكل وجع كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء لبنًا وكنت عطشى فتناولتها فشربتها فأضاء مني نور عالٍ، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالًا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي، فبينا أنا أعجب وإذا بديباج أبيض قد مدّ بين السماء والأرض وإذا بقائل يقول: خذوه عن أعين الناس.

    قالت: ورأيت رجالًا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت، فكشف الله عن بصري وأبصرت تلك الساعة مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام منصوبات علمًا في المشرق وعلمًا في المغرب وعلمًا على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض فوضعت محمدًا صلى الله عليه وسلم.

    فلما خرج من بطني نظرت فيه فإذا أنا به ساجدًا قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة يضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيب عن وجهي. وسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد شرق الأرض وغربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ويعلموا أنه سُمي فيها الماحي لا يبقى شيء من الشرك إلا مُحي في زمنه.

    ثم تجلت عنه في أسرع وقت فإذا أنا به مدرج في ثوب صوف أبيض وتحته حريرة خضراء وقد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب، وإذا قائل يقول: قبض محمد على مفاتيح النصرة ومفاتيح الريح ومفاتيح النبوة.

    ثم أقبلت سحابة أخرى يسمع منها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة حتى غشيته، فغيب عن عيني فسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد الشرق والغرب ومواليد النبيين وأعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والطير والسباع وأعطوه صفاء آدم ورقة نوح وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل وبشرى يعقوب وجمال يوسف وصوت داود وصبر أيوب وزهد يحيى وكرم عيسى واغمروه في أخلاق الأنبياء. ثم تجلت عنه، فإذا أنا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية، وإذا قائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل في قبضته، وإذا أنا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء، وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها، فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفّه في الحريرة ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة ثم رده إلي.

    3- وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف عن العباس قال: لما ولد أخي عبد الله وهو أصغرنا (قال الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب: كان العباس أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بثلاث: أقول وهذا القول مجمع عليه من المحدثين والمؤرخين، وهذا الحديث مبني على أن العباس أسن من والد النبي صلى الله عليه وسلم فهو مخالف لإجماع المحدثين وكفى بذلك كذبًا)[3]  كان في وجهه نور يزهر كنور الشمس، فقال أبوه إن لهذا الغلام لشأنًا، فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض، فأتيت كاهنة بني مخزوم فقالت لي: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب له تبعًا، فلما ولدت آمنة قلت لها: ما الذي رأيت في ولادتك؟ قالت: لما جاءني الطلق واشتد بي الأمر سمعت جلبة وكلامًا يشبه كلام الآدميين ورأيت علمًا من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب ما بين السماء والأرض، ورأيت نورًا ساطعًا من رأسه قد بلغ السماء، ورأيت قصور الشام كلها شعلة نار، ورأيت قربي سربًا من القطا قد سجدت له ونشرت أجنحتها، ورأيت تابعة سعيرة الأسدية قد مرت وهي تقول: ما لقي الأصنام والكهان من ولدك هذا؟ هلكت سعيرة والويل للأصنام، ورأيت شابًّا أتم الناس طولًا وأشدهم بياضًا، فأخذ المولود مني فتنفل في فيه ومعه طاس من ذهب، فشق قلبه شقًّا فأخرج منه نكته سوداء فرمى بها، ثم أخرج صرة من حرير أبيض ففتحها فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة وألبسه قميصًا. فهذا ما رأيت» ا هـ.

    [1] المنار ج8 (1905) ص769-874.
    [2] الخصائص الكبرى. ج1 ص117-122. تحقيق محمد خليل هراس، القاهرة، 1967.
    [3] المنار ج8 (1905) ص872. الحاشية.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 179 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة