• الأسئلة الجاوية في سماع آلات اللهو

    السؤال الأول- ما قولكم متع الله بحياتكم وأحيا بكم معالم الدين وشريعة سيد المرسلين في تصريح الأئمة المشهورين الذين هم من حملة الشريعة المطهرة بتحريم سماع الأوتار التي هي من آلة الملاهي المحرمة كالعود المعبر عنه بالقنبوس، وتصريحهم بأنها شعار شربة الخمر، وبفسق مستمعها وتأثيمه وبرد شهادته. (وذلك) كقول حجة الإسلام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ما معناه: فحرم ما هو شعار أهل الشرب، وهي الأوتار والمزامير إلى قوله: فيحرّم التشبه بهم، لأن مَن تشبه بقوم فهو منهم، انتهى. (وقوله) فيه أيضًا، ومنها -أي المنكرات- سماع الأوتار أو سماع القينات إلى أن قال: فكل ذلك محظور منكر يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ولم يجز له الجلوس، فلا رخصة له في الجلوس في مشاهدة المنكرات، انتهى. (وقوله) أيضًا يحرّم السماع بخمسة عوارض إلى قوله: والثاني الآلة بأن تكون من شعار الشربة والمخنثين وهي المزامير والأوتار، انتهى. (وكقول) الشيخ ابن حجر في التحفة ما ملخصه، ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة كطنبور وعود ورباب ومزمار وسائر أنواع الأوتار لأن اللذة الحاصلة منها تدعو إلى فساد، ولأنها شعار الفسقة والتشبه بهم حرام، انتهى. (ومثله) في النهاية للشيخ الرملي. (وقول) الشيخ ابن حجر في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ما معناه: من استمع إلى شيء من هذه المحرمات فسق ورُدت شهادته، انتهى. (وقوله) فيه أيضًا: أما المزامير والأوتار والكوبة فلا يختلف في تحريم استماعها، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج للشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا في تفسيق فاعله وتأثيمه، انتهى ملخصًا. وقد أورد الحبيب عبد الله بن علوي الحداد في كتابه النصائح الدينية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء. وذكر من جملتها اتخاذ القَينات والمعازف يعني الملاهي من الأوتار والمزامير. (وقول) الحبيب عبد الله بن حسين في كتابه سلم التوفيق في عد كبائر الذنوب ما لفظه: واللعب بآلات اللهو المحرمة كالطنبور والرباب والمزمار والأوتار. وكتصريح هؤلاء الأئمة تصريح غيرهم من حملة الشريعة المحمدية بالتحريم واتفاقهم عليه حيث اتفقوا على تحريم العود وهو القنبوس وما ذكر معه، وعلى تفسيق فاعله وسماعه وعلى رد شهادتهم. (فهل) قول هؤلاء الأئمة وتصريحهم بما ذكر معتمد في المذهب ومعول عليه، يجب العمل بمقتضاه وهو اجتناب هذا المحرم المتفق عليه وعلى تفسيق فاعله، أم لا؟

    السؤال الثاني- وما قولكم متّع الله بحياتكم وحفظ بكم الشريعة المطهرة في تصريح هؤلاء الأئمة وغيرهم من المحققين موافقة للمذاهب الأربعة في الرد الشنيع على من أباح تلك الآلة المحرمة، كتصريح الشيخ ابن حجر في التحفة بقوله: إني رأيت تهافت كثيرين على كتاب لبعض مَن أدركناهم من صوفية الوقت تبع فيه خراف ابن حزم وأباطيل ابن طاهر وكذبه الشنيع في تحليل الأوتار وغيرها، ولم ينظر لكونه مذموم السيرة مردود القول عند الأئمة، ووقع بعض ذلك للأدفوي في تأليف له في السماع ولغيره، وكل ذلك يجب الكف عنه واتباع ما عليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، انتهى بالاختصار. (ومثله) في النهاية للشيخ الرملي وغيرها (وكتصريح) الشيخ ابن حجر في الزواجر بقوله: وأما حكاية ابن طاهر عن صاحب التنبيه أنه كان يبيح سماع العود ويسمعه، وأنه مشهور عنه، ولم يكن من علماء عصره من ينكر عليه وإن حله ما أجمع عليه أهل المدينة، فقد ردوه على ابن طاهر لأنه مجازف إباحي كذاب رجس العقيدة نجسها، ومن ثم قال الأذرعي عقب كلامه هذا: وهذه مجازفة، وإنما فعل ذلك بالمدينة أهل المجانة والبطالة. ونسبة ذلك إلى صاحب التنبيه كما رأيته في كتاب له في السماع نسبة باطلة قطعًا، وقد صرح في مهذبه بتحريم العود وهو قضية ما في تنبيهه، ومن عرف حاله وشدة ورعه ومتين تقواه جزم ببعده عنه وطهارة ساحته منه، انتهى. (وكتصريح) الشيخ الباجوري في حاشيته على ابن قاسم بقوله:

    فاجزم على التحريم أي جزم...والرأي أن لا تتبع ابن حزم

    فقد أُبيحت عنده الأوتار...والعود والطنبور والمزمار

    (وتصريح) الشيخ ابن حجر أيضًا في الزواجر بقوله: ومن عجيب تساهل ابن حزم واتِّباعه لهواه، أنه بلغ من التعصب إلى أن حكم على هذا الحديث وكل ما ورد في الباب بالوضع وهو كذب صُراح منه فلا يحل لأحد التعويل عليه في شيء من ذلك، انتهى. (وقوله) أيضًا في موضع آخر: فقد حكيت آراء باطلة منها قول ابن حزم وقد سمعه -أي العود- ابن عمر وابن جعفر رضي الله عنهما، وهو من جموده على ظاهريته الشنيعة القبيحة وما زعمه من هذين الإمامين ممنوع ولا يثبت ذلك عنهما وحاشاهما من ذلك لشدة ورعهما وبُعدهما من اللهو، انتهى ملخصًا.

    وقول الشيخ الرملي في النهاية وما حُكي عن ابن عبد السلام وابن دقيق العيد أنهما كانا يسمعان ذلك فكذب، انتهى. (فهل) تصريح هؤلاء الأئمة الذين هم حملة الشريعة المطهرة بهذا الرد الشنيع على [من] أحل الأوتار وبتكذيب نُقُولهم معتمد في المذهب ومعول عليه يجب العمل بمقتضاه وهو عدم جواز التعويل ولا الالتفات إلى من أحل الأوتار وعدم جواز نسبة سماعها إلى العلماء أو الصلحاء، أم لا؟

    السؤال الثالث- وما قولكم متع الله بكم وشيد بكم أركان الدين في شأن سيرة السلف الصالحين من العلويين وغيرهم رضي الله عنهم ونفعنا بهم في شدة مجاهدتهم واجتهادهم واستغراق أوقاتهم في تحصيل العلوم بشرائطها وآدابها ثم اجتهادهم في العبادة من دوام القيام وسرد الصيام بكمال المتابعة وشدة المجاهدة للنفس ومكابدتها والورع والزهد، كما لا يخفى على من اطلع على كتب تراجمهم ومناقبهم رضي الله عنهم، كالمشرع الروي والجوهر الشفاف والبرقة المشيقة وغير ذلك، أن كثيرًا منهم من يصلي الصبح بوضوء العشاء في عدة سنين كثيرة، وختم القرآن بعدد كثير من زمن يسير وغير ذلك من الأعمال الصالحات مع غاية الزهد والورع وترك ملاذ الدنيا المباحة فضلًا عن المحرمة وغير ذلك من أوصافهم الحميدة وشدة مجاهدتهم ما يحير عقل من وقف على سيرتهم ومن مخالفتهم للنفس والهوى ما يقطع يقينًا على بعد ساحتهم عن الملاهي ونظافة ساحتهم من المناهي. (فهل) يسوّغ للمؤمن بالله أن ينسب إلى أحد منهم سماع العود الذي اتفق أئمة الشريعة على تحريمه وتفسيق فاعله حتى يعتقد الغوغاء بسبب هذه النسبة والافتراء حل سماع العود وأنه من شعار الصالحين، أم لا يسوغ ذلك؟

    السؤال الرابع- وما قولكم متع الله بكم وصان بكم شريعة سيد المرسلين فيما إذا سمع هذا القنبوس أناس من المترسمين بالعلم أو من أهل البيت النبوي بحيث يقتدي بهم الغوغاء، ويحتجون بسماعهم له على جواز سماع القنبوس (فهلا) يعظم وزر المقتدى بهم، ويدخلون في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فعليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، أم لا؟

    السؤال الخامس- وما قولكم متع الله بكم وذب بكم عن شريعة سيد المرسلين من دعاوي الكاذبين فيما نص به العلامة السيد مصطفى العروسي في كتابه نتائج الأفكار وهو قوله: (تنبيه) إن قال قائل: نحن لا نسمع بالطبع بل بالحق فنسمع بالله وفي الله لا بحظوظ البشرية، قلنا له: كذبتَ على طبعك وكذبت على الله في تركيبك، وما وصفك من حب الشهوات، وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَن فارق إلفه وادعى العصمة فاجلدوه فإنه مفترٍ كذابٌ، انتهى.

    وفي ما نص به الشيخ البجيرمي على الإقناع وهو قوله: وما قيل عن بعض الصوفية من جواز استماع الآلات المطربة لما فيها من النشاط على الذكر وغير ذلك، فهو من تهورهم وضلالهم فلا يعول عليه، انتهى. (فهل) هذه النصوص صحيحة يجب العمل بمقتضاها وهو عدم الاغترار بخرافات الأغيار، أم لا؟

    أفتونا في هذه الأسئلة فإن البلية الباعثة عليها قد عمت مصيبتها وطارت شررها لعل الله بنور علمكم يطفيها، لا زلتم ناصرين لشريعة سيد المرسلين، وللمعاونة على البر والتقوى معاونين، أحيا الله بكم الإسلام. آمين. اهـ. بنصه.
     

    قد اختلف العلماء في سماع الغناء وآلات اللهو قديمًا وحديثًا، وأكثروا القول فيه بل كتبوا فيه المصنفات، واستقصوا الروايات، ونحن نذكر أقوى ما ورد من الأحاديث في هذا الباب ثم ملخص اختلاف العلماء وأدلتهم، ثم ما هو الحق الجدير بالاتباع، ثم نتكلم على أسئلة السائل[1].

    أحاديث الحظر:

    1- عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» أخرجه البخاري بهذا الشك بصورة التعليق وابن ماجه من طريق ابن محيريز عن أبي مالك بالجزم ولفظه: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ» وأخرجه أبو داود وابن حبان وصححه.

    2- عن نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت: لا، فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راع فصنع مثل هذا، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: وهو حديث منكر.

    3- عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ لأحمد أنه قال بعد الميسر: «وَالْمِزْرَ، وَالْكُوبَةَ، وَالْقِنِّينَ» وفي إسناد الحديث الوليد ابن عبدة راويه عن ابن عمر، قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول. وقال ابن يونس في تاريخ المصريين: إنه روى عنه يزيد بن أبي حبيب. وقال المنذري: إن الحديث معلول، ولكنه يشهد له حديث ابن عباس بنحوه وهو عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». وقد فسر بعضهم الكوبة بالطبل، قال سفيان: عن علي بن بذيمة، وقال ابن الأعرابي: الكوبة: النرد، وقد اختلف في الغبيراء (بالضم) قال الحافظ في التلخيص: فقيل: الطنبور، وقيل: العود، وقيل: البربط، وقيل: مزر يصنع من الذرة أو من القمح، وبذلك فسره في النهاية. والمزر بالكسر نبيذ الشعير.

    والمعتمد في الغبيراء ما قاله في النهاية من أنها من الأشربة، والقنين قيل: لعبة للروم يقامرون بها، وقيل: الطنبور بالحبشية، فظهر بهذا أن الحديثين ليسا في موضوع المعازف وآلات السماع اتفاقًا.

    4- عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وَمَتَى ذَلكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. أقول: وقد أخرجه من طريق عبّاد بن يعقوب وكان من غلاة الروافض ورؤوس البدع إلا أنه صادق الحديث، وقد روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره. وقال ابن عدي: أنكروا عليه أحاديث وهو رواه عن عبد الله بن عبد القدوس وهو رافضي مثله قال: قال يحيى بن معين: ليس بشيء، والنسائي: ليس بثقة، وضعَّفه الدارقطني.

    5- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ بعضه بعضًا». رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، أقول: إن راويه عن أبي هريرة هو رميح الجذامي قال في الميزان: لا يعرف.

    6- عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَلَهْوٍ، وَلَعِبٍ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، فَيُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ، فَتَنْسِفُهُمْ كَمَا نَسَفَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الْخُمُورَ، وَضَرْبِهِمْ بِالدُّفُوفِ، وَاتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ» رواه أحمد. قال في المنتقى: وفي إسناده فرقد السبخي، قال أحمد: ليس بقوي، وقال ابن معين: هو ثقة. وقال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس.

    7- عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْكِبَارَاتِ» يعنى البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تُعبد في الجاهلية. رواه أحمد عن عبيد الله بن زحر عن علي ابن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن. قال البخاري: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف. وقال أبو مسهر في عبيد الله بن زحر: إنه صاحب كل معضلة. وقال يحيى بن معين: إنه ضعيف.وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي موضوعات عن الإثبات، إذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات.

    8- وعنه بهذا السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ. فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] الآية». رواه الترمذي وأحمد بالمعنى ولم يذكر الآية والحميدي في مسنده بلفظ: «لا يَحِلُّ ثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ، وَلا بَيْعُهَا، وَلا شِرَاؤُهَا، وَلا الاسْتِمَاعُ إِلَيْهَا». وهو لا يصح كما تقدم.

    9- عن ابن مسعود: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ» رواه أبو داود مرفوعًا والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا، وفي إسناده شيخ لم يسمَّ، وفي بعض طرقه ليث بن أبي سليم وهو متفق على ضعفه كما قال النووي. وقال الغزالي: رفعه لا يصح، ومعناه أن المغني ينافق لينفق. وقد زدنا هذا وما قبله إتمامًا للبحث.

    وقد رأيتَ أنه لا يصح من هذه الأحاديث إلا الأول وستعلم مع ذلك ما قيل في إعلاله، وما روي غيرها أوهَى منها إلا أثر عن ابن مسعود في تفسير اللهو فقد صححه ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي.

    أحاديث الإباحة:

    1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيام مِنى) وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وفي رواية: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، تقول: لما غفل أبو بكر. رواه البخاري في سنة العيد وفي أبواب متفرقة، ومسلم في العيد، والنسائي في عشرة النساء، وإنما أنكر أبو بكر لظنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا لم يسمع.

    2- وعنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ لَهْوٍ، فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوَ» رواه البخاري. قال الحافظ في الفتح عند شرح قوله «مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ لَهْوٍ»: في رواية شريك فقال: هَلْ بَعَثْتُمْ جَارِيَةً تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي؟» قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول:

    أتيناكم أتيناكم...فحيانا وحياكم

    ولولا الذهب الأحمر...ما حلت بواديكم

    ولولا الحنطة السمراء...ما سمنت عذاريكم.

    3- عن خالد بن ذكوان عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم غداة بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن مَن قتل من آبائي يوم بدر حتى قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ» رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا النسائي.

    4- عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم.

    5- عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عُرس وإذا جوارٍ يغنين فقلت: أي صاحِبَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر يُفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس. أخرجه النسائي والحاكم وصححه.

    6- عن بُريدة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن رَدَّكَ الله صالحًا أن أضرب بين يديك الدف وأتغنى. قال لها: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا لَا»، فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهى تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ». رواه أحمد، والترمذي وصححه، وابن حبان والبيهقي. خلاف العلماء في مسألة سماع الغناء والمعازف وأدلتهم. في الباب أحاديث أخرى، وما أوردنا هو أصح ما ورد فيه مما يحتج به. وأحاديث الحظر التي تقدمت تحظر المعازف وهي آلات اللهو والدف منها قطعًا وغناء القيان وهن الجواري المغنيات، وقد رأيت في أحاديث الإباحة إباحة العزف بالدف وغناء الجواري وانعقاد نذره. ومما ينبغي الالتفات إليه أن كلام أبي بكر وكلام عامر بن سعد يدل على أن الناس كانوا يتوقعون حظر السماع واللهو لا سيما أصوات النساء لولا النص الصريح بالرخصة وتكراره في الأوقات التي جرت عادة الناس بتحري السرور فيها كالعيد والعرس وقدوم المسافر. فأحاديث الإباحة مرجحة بصحتها وضعف مقابلها ونكارته، وبكونها على الأصل في الأشياء وهو الإباحة، وبموافقتها ليُسر الشريعة وسماحها وموافقتها للفطرة. وهذا لا ينافي أن الانصراف الزائد إلى اللهو والإسراف فيه ليس من شأن أهل المروءة والدين.

    ولهذا رأيت كثيرًا من أئمة العلماء الزهاد شدد النكير على أهل اللهو لما كثر وأسرف الناس فيه عندما عظم عمران الأمة واتسعت مذاهب الحضارة فيها حتى جاء أهل التقليد من المصنفين فرجحوا أقوال الحظر وزادوا عليها في التشديد حتى حرم بعضهم سماع الغناء مطلقًا وسماع آلات اللهو جميعها إلا طبل الحرب ودف العرس، وزعموا أنه دف مخصوص لا يطرب وأنه غير دف أهل الطرب. وهاك أجمع كلام يحكي خلاف علماء الأمة وأدلتهم في هذه المسألة بالاختصار، وهو كلام الشوكاني في نيل الأوطار[2].

    قال بعد ما أورد ما تقدم من أحاديث الحظر: «قد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها، فذهب الجمهور إلى التحريم مستدلين بما سلف، وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع، ولو مع العود واليراع، وقد حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسًا ويصوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضًا عن القاضي شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي. وقال إمام الحرمين في النهاية وابن أبي الدم: نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جوارٍ عوَّادات، وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله إياه فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي، قال ابن الزبير: يوزن به العقول. «وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال: إن رجلًا قدم المدينة بجوارٍ فنزل على عبد الله بن عمر وفيهن جارية تضرب فجاء رجل فساومه فلم يهوَ منهن شيئًا قال: انطلقْ إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا، قال: مَن هو، قال: عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه فأمر جارية منهن فقال لها: خذي العود فأخذته فغنت فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر إلى آخر القصة.

    وروى صاحب العِقد العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي أن عبد الله بن عمر دخل على أبي جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود، ثم قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا بأس بهذا.

    وحكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص أنهما سمعا العود عند ابن جعفر. وروى أبو الفرج الأصبهاني أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره. وذكر أبو العباس المبرّد نحو ذلك: «والمزهر عند أهل اللغة: العود». وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع من جواريه قبل الخلافة. ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاووس، ونقله ابن قتيبة وصاحب الإمتاع عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين، ونقله أبو يعلى الخليلي في الإرشاد عن عبد العزيز بن سلمة الماجَشَوْن مفتي المدينة وحكى الروياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف: «وحكى الأستاذ أبو منصور والفوراني عن مالك جواز العود. وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورًا في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور. وحكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود. قال ابن النحوي في العمدة: قال ابن طاهر: هو إجماع أهل المدينة. قال ابن طاهر: وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة. قال الأدفوي: لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم (يريد بالجماعة أحمد والبخاري ومسلمًا وأصحاب السنن كلهم فهو ثقة عندهم)[3]. وحكى الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية، وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي وحكاه الإسنوي في المهمات في الروياني والماوردي، ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور، وحكاه ابن الملقن في العمدة عن ابن طاهر، وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وحكاه صاحب الإمتاع عن أبي بكر ابن العربي وجزم بالإباحة الأدفوي. هؤلاء جميعًا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة.

    وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الحجاز: إن الغَزَالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله، ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه، ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل المدينة عليه.

    وقال الماوردي: لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر. «قال ابن النحوي في العمدة: وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبى شيبة وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي أيضًا وحمزة كما في الصحيح وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني وعبد الله بن عمرو كما رواه الزبير بن بكار وقرظة بن كعب كما رواه ابن قتيبة وخوات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي وعائشة والربيع كما في صحيح البخاري وغيره.

    وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عمرو بن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء ابن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري. وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية، انتهى كلام ابن النحوي. «واختلف هؤلاء المجوزون فمنهم من قال بكراهته، ومنهم من قال باستحبابه قالوا: لكونه يرق القلب ويهيج الأحزان والشوق إلى الله، قال المجوزون: إنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات. «وأما المانعون فاستدلوا بأدلة منها حديث أبي مالك أو أبي عامر المذكور في أول الباب وأجاب المجوزون بأجوبة:

    «الأول- ما قاله ابن حزم وقد تقدم جوابه (قال المؤلف قبل ما ذكرنا في الكلام على أحاديث الحظر ما نصه: «وفي الباب أحاديث كثيرة، وقد وضع جماعة من أهل العلم في ذلك مصنفات، ولكنه ضعفها جميعًا بعض أهل العلم حتى قال ابن حزم: إنه لا يصح في الباب حديث أبدًا وكل ما فيه موضوع، وزعم أن حديث أبي عامر، أو أبي مالك المذكور في أول الباب منقطع فيما بين البخاري. وقد وافقه على تضعيف أحاديث الباب من سيأتي قريبًا. قال الحافظ في الفتح: وأخطأ في ذلك -يعنى في دعوى الانقطاع- من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر الحديث في موضوع آخر من كتابه، وأطال الكلام في ذلك بما يكفي» اهـ، كلام الشوكاني. ومنه تعلم أن الحافظ ابن حجر والشوكاني يعترفان بأنه لم يصح من الأحاديث الواردة في حظر آلات اللهو، إلا الحديث الأول مما أوردنا، ويقولان: لا بأس بانقطاع سنده هنا. وقد علمت أنه ليس فيه إلا لفظ المعازف، وعرفت معناه، وأنه يشمل الدف الذى سمعه النبي صلى الله عليه وسلم»[4].

    «والثاني- أن في إسناده صدقة بن خالد، وقد حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشيء، وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم، ويجاب عنه أنه من رجال الصحيح.

    «والثالث- أن الحديث مضطرب سندًا ومتنًا. أما الإسناد فللتردد من الراوي في اسم الصحابي كما تقدم. وأما متنًا فلأن في بعض الألفاظ (يستحلون) وفي بعضها بدونه - وعند أحمد وابن أبى شيبة بلفظ «لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ». وفي رواية الحر بمهملتين، وفي أخرى بمعجمتين، كما سلف. ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند بأنه قد رواه أحمد وابن أبى شيبة من حديث أبي مالك بغير شك. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر وأبي مالك، وهي رواية ابن داسة عن أبي داود. ورواية ابن حبان: أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين، فتبين بذلك أنه من روايتهما جميعًا.

    وأما الاضطراب في المتفق، فيجاب عنه بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال، لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى.

    «والرابع- أن لفظة المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود، ويجاب بأنه قد ذكرها غيره، وثبت في الصحيح، والزيادة من العدل مقبولة. «وأجاب المجوزون على الحديث المذكور من حيث دلالته، فقالوا: لا نسلم دلالته على التحريم، وأسندوا هذا المنع بوجوه: (أحدها) أن لفظة «يستحلون» ليست نصًّا في التحريم. فقد ذكر أبو بكر بن العربي معنيين.

     أحدهما: أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال.

    الثاني: أن يكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور.

    ويجاب بأن الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بنحو الخطاب. وأما دعوى التجوز فالأصل الحقيقة ولا ملجئ إلى الخروج عنها.

    وثانيها- أن المعازف مختلف في مدلولها كما سلف، وإذا كان اللفظ محتملًا لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ينتهض للاستدلال لأنه إما أن يكون مشتركًا، والراجح التوقف فيه أو حقيقةً ومجازًا، ولا يتعين المعنى الحقيقي، ويجاب بأنه يدل على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم، والظاهر الحقيقة في الكل من المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة، وليس من قبيل المشترك لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة، بل وضع للجميع على أن الراجح جوازًا استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد كما تقرر في الأصول.

    وثالثها- أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية بلفظ: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ تَرُوحُ عَلَيْهِمُ الْقِيَانُ وَتَغْدُو عَلَيْهِمُ الْمَعَازِفُ».

    ويجاب بأن الاقتران لا يدل على أن المحرم هو الجمع فقط وإلا لزم أن الزنا المصرح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله وأيضًا يلزم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ[٣٣] وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ[٣٤]﴾ [الحاقة: 33 - 34].

    إنه لا يحرم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحض على طعام المسكين، فإن قيل: تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم منه دليل آخر، فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضًا كما سلف على أنه لا ملجئ إلى ذلك حتى يصار إليه.

    ورابعها- أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور المذكورة، فلا يدل على تحريم واحد منها على الانفراد، وقد تقرر أن النهي عند الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها ويجاب عنه بما تقدم في الذي قبله.

    واستدلوا ثانيًا بالأحاديث المذكورة في الباب التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى، وأجاب عنها المجوزون بما تقدم من الكلام في أسانيدها ويجاب بأنها تنتهض بمجموعها... ولا سيما وقد حسن بعضها، فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره ولا سيما أحاديث النهي عن بيع القينات والمغنيات، فإنها ثابتة من طرق كثيرة منها ما تقدم ومنها غيره، وقد استوفيت ذلك في رسالة، وكذلك حديث: «إنَّ الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ» فإنه ثابت من طرق قد تقدم بعضها، وبعضها لم يذكر، منه عن ابن عباس عن ابن صصري في أماليه، ومنه عن جابر عند البيهقي، ومنه عن أنس عند الديلمي، وفي الباب عن عائشة وأنس عند البزار والمقدسي وابن مردويه وأبى نعيم والبيهقي بلفظ: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ».

    وأخرج ابن سعد في السنن عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتٍ عِنْدَ نعمَةِ لَعِبٍ وَلَهْوٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وخَمْشِ وَجْهٍ، وَشَقُّ جَيب، وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ».

    وأخرج الديلمي عن أبي أمامة مرفوعًا: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ صَوْتَ الْخَلْخَالِ كَمَا يُبْغِضُ الْغِنَاءَ».

    والأحاديث في هذا كثيرة قد صنف في جمعها جماعة من العلماء كابن حزم وابن طاهر وابن أبي الدنيا وابن حمدان الإربلي والذهبي وغيرهم.

    «وقد أجاب المجوزون عنها بأنه قد ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية، وقد تقدم ما قاله ابن حزم، ووافقه على ذلك أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام وقال: لم يصح في التحريم شيء.

    وكذلك قال الغزالي وابن النحوي في العمدة، وهكذا قال ابن طاهر: إنه لم يصح منها حرف واحد، والمراد ما هو مرفوع منها وإلا فحديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6].

    قد تقدم أنه صحيح، وقد ذكر هذا الاستثناء ابن حزم فقال: إنهم لو أسندوا حديثًا واحدًا فهو إلى غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا حجة في أحد دونه، كما روي عن ابن عباس وابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الآية، أنهما فسرا اللهو بالغناء.

    قال: ونص الآية يبطل احتجاجهم لقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذه صفة مَن فعلها كان كافرًا، ولو أن شخصًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله، انتهى.

    قال الفاكهاني: إني لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثًا صحيحًا صريحًا في تحريم الملاهي وإنما هي ظواهر وعمومات يُستَأنَس بها، لا أدلة قطعية.

    واستدل ابن رشد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].

    وأي دليل في ذلك على تحريم الملاهي والغناء، وللمفسرين فيها أربعة أقوال: الأول: أنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم فيعرضون عنهم.

    والثاني: أن اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيَّره اليهود من التوراة وبدلوا من نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفته أعرضوا عنه وذكروا الحق.

    الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه.

    الرابع: أنهم ناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهودًا ولا نصارى وكانوا على دين الله، كانوا ينتظرون بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمعوا به بمكة أتوه فعرض عليهم القرآن فأسلموا، وكان الكفار من قريش يقولون لهم: أفٍ لكم اتبعتم غلامًا كرهه قومه وهم أعلم به منكم، وهذا الأخير قاله ابن العربي في أحكامه. وليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية، انتهى. ويجاب بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب واللغو عام، وهو في اللغة: الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه.

    والآية خارجة مخرج المدح لمن فعل ذلك، وليس فيها دلالة على الوجوب. «ومن جملة ما استدلوا به حديث: «كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهلَه، وتأديبه فرسَه، ورميه عن قوسه». قال الغزالي: قلنا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة، انتهى. وهو جواب صحيح لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، كما ثبت في الصحيح خارج عن تلك الأمور الثلاثة. «أجاب المجوزون عن حديث ابن عمر المتقدم في زمارة الراعي بما تقدم من أنه حديث منكر، وأيضًا لو كان سماعه حرامًا لما أباحه صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر ولا ابن عمر لنافع ولنهى عنه وأمر بكسر الآلة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأما سده صلى الله عليه وآله وسلم لسمعه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثيرًا من المباحات كما تجنب أن يبيت في بيته درهم أو دينار وأمثال ذلك.

    لا يقال: يحتمل أن تركه صلى الله عليه وسلم للإنكار على الراعي، إنما كان لعدم القدرة على التغيير لأنا نقول: ابن عمر إنما صاحَبَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمدينة بعد ظهور الإسلام وقوته، فترك الإنكار فيه دليل على عدم التحريم.

    «وقد استدل المجوزون بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] ووجه التمسك أن الطيبات جمع محلًّى باللام فيشمل كل طيب، والطيب يطلق بإزاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ويطلق بإزاء الطاهر والحلال، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام فتدخل أفراد المعاني الثلاثة كلها ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر، وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الأحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات.

    ومما استدل به المجوزون ما سيأتي في الباب الذى بعد هذا (وهو حديث الجارية التي نذرت الضرب بالدف وتقدم في أحاديث الإباحة)[5] وسيأتي الكلام عليه.

    ومن جملة ما قاله المجوزون أن لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوًا لكان جميع ما في الدنيا محرمًا لأنه لهو لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: 36] ويجاب بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو لكونه لهوًا بل الحكم بتحريم لهو خاص وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن لكنه لما علل في الآية بعلة الإضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به على المطلوب.

    «وإذا تقرر ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقَّافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ولا سيما إذا كان مشتملًا على ذكر القدود والخدود والجمال والدلال، والهجر والوصال، ومعاقرة العقار، وخلع العذار والوقار، فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، نسأل الله السداد والثبات. ومن أراد الاستيفاء للبحث فعليه بالرسالة التي سميتها إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع»[6]. ا هـ كلام الإمام الشوكاني.

    ومعلوم أن نَذْر الحرام أو المكروه لا ينعقد. وهذا يبطل ما قاله الشوكاني هنا من أن أدلة المانعين تنهض شبهة وسيأتي التحقيق فيه. (تنبيه) رأى بعض فضلاء المصريين أننا أطلنا في هذه الأسئلة أكثر مما تستحق وذلك أنه يندر أن يوجد في مصر من يتحامى السماع ولكن الجمود في كثير من البلاد على تقليد المعسِّرين لا يلين إلا بأكثر من هذا، والمنار ليس خاصًّا بالمصريين[7]. البحث في السماع من جهة القياس الفقهي. يرى القارئ المنصف أن ما قاله الشوكاني (ونشرناه في الجزء الماضي)[8] هو صفوة التحقيق، إلا أن في إدخاله السماع على الإطلاق باب الشبهات نظرًا فإن ما ثبت في الصحيح من سماع النبي صلى الله عليه وسلم وأكابر أصحابه يدفعه فإنهم أبعد الناس عن الشبهات، وقد سمعوا مع تسميتهم ذلك بمزمار الشيطان وباللهو. والذي يظهر من أحاديث الإباحة التي تقدمت أن قول من قال باستحباب السماع أو ندبه ينبغي أن يحمل على ما يكون في الأوقات والحالات التي يستحب فيها تحري السرور كالعرس والعيد وقدوم الغائب. وأن السماع فيما عدا هذه الأوقات والحالات مباح لذاته بشرط عدم الإسراف فيه، فإن الإسراف ضار بالأخلاق مسقط للمروءة، وهذا هو مراد الإمام الشافعي رضي الله عنه بقوله في الأم: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وقوله: إن صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته. وقد يقال: إنه يقرب أن يكون ديوثًا لأنه إذ لم يغَرْ على جاريته أن تطرب الناس بصوتها فربما كان لا يغار عليها مطلقًا. وقولنا: مباح لذاته، يتفق مع قول الغزالي ومن وافقه بمنع ما كان فيه تشبه بأهل الفسق في شعارهم الخاص بهم قال في الإحياء: «ولهذه العلة نقول: لو اجتمع جماعة وزينوا مجلسًا، وأحضروا آلات الشرب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين، ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، فيأخذون من الساقي ويشربون ويحيي بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم، حرم ذلك عليهم، وإن كان المشروب مباحًا في نفسه. لأن في هذا تشبهًا بأهل الفساد، بل لهذا ينهى عن لبس القباء وعن ترك الشعر قزعًا على الرأس في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل الفساد ولا ينهى عن ذلك فيما وراء أهل النهر لاعتياد أهل الصلاح في ذلك فيهم. فلهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنج والرباب والبربط وغيرها.

    وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة والحجيج وشاهين الطبالين وكالطبل والقضيب، وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب، لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها. فبقي على أصل الإباحة قياسًا على أصوات الطيور وغيرها. بل أقول: سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضًا.

    وبهذا تبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة، بل القياس تحليل الطيبات كلها إلا ما في تحليله فساد قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] فهذه الأصوات لا تحرم من حيث هي أصوات موزونة وإنما تحرم بعارض آخر» اهـ. كلام الغزالي[9]. وتكلم في مكان آخر عن العوارض[10]فهذا القول هو أحسن ما قيل في القياس كما أن القول السابق هو أحسن ما قيل في السنة وأجمعه.

    وأنت تعلم أن التشبه بأهل السكر والخلاعة إنما حرم لما فيه من مهانة المؤمن وضعته، فإذا سمع المؤمن الأوتار في مجلس لا يعد فيه متشبهًا بأهل السكر والفسق كأن يسمعه في بيته أو بيت آخر بصفة لا تشبه فيها فلا مجال للقول بالتحريم، فالأمر في الأوتار كالأمر في لبس القباء (هو القفطان في عرف المصريين والغنباز في عرف الشاميين) فقد حرمه الغزالي في بلاد وأباحه في أخرى لعلة التشبه وعدمها، وما قاله في إباحة سائر الآلات يدخل فيه آلات الموسيقى العسكرية وأمثالها فتبين بهذا أنه لا وجه في القياس الصحيح لتحريم سماع المعازف على الإطلاق، كما أنه لا وجه لها في كتاب ولا سنة بل الوجه ما تقدم.

    ومن العوارض التي لا بد من التنبيه إليها كون السماع يهيج السامع فيدفعه إلى المعاصي، فمن علم من نفسه ذلك حرم عليه. هذا ما يليق بدين الفطرة الذي جمع لمتبعيه بين سعادة الدنيا والآخرة والله أعلم وأحكم. الكلام على عبارات الأسئلة: أما قول السائل في السؤال الأول: إن الغزالي حرم ما هو شعار أهل الشرب إلخ. فيقال فيه: إن ما صرح به الغزالي هو أن الأصل في سماع الغناء والمعازف الحل كما تقدم، وتحريم سماع الأوتار لعلة التشبه بالفساق يزول بزوال هذه العلة كما قال في لبس القباء. وما ذكره فيه عن ابن حجر من العلة الأخرى وهي كون اللذة بالسماع تدعو إلى الفساد، فهو محل نظر، إذ السماع -كما قال بعض العلماء- إنما يحرك الساكن ويستخرج الكامن، فمن لم يكن من أهل الفساد لا يدعوه إلى الفساد، وأشد السماع تأثيرًا في النفس سماع ألحان النساء وقد سمعها الشارع وكبار أصحابه، وقد أطال الغزالي في بيان اختلاف الحكم باختلاف أحوال الأشخاص وأن ذلك لا يمنع أن الأصل فيه وفي جميع اللذات الإباحة.

    والحديث الذي أورده فيه عن كتاب النصائح وهو: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ» وذكر منها اتخاذ القينات والمعازف وفسرها بالملاهي من الأوتار والمزامير لم نذكره في أحاديث الحظر لشدة ضعفه ولأجل الكلام عليه هنا.

    فنقول: قد رواه الترمذي عن صالح بن عبد الله عن الفرج بن فضالة الشامي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مرفوعًا: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ»، فَقِيلَ: وَمَا هي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أو مَسْخًا». والفرج بن فضالة قد تكلم فيه.

    سئل الدارقطني عنه فقال: ضعيف فقيل له: نكتب عنه حديثه عن يحيى بن سعيد «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً» إلخ. قال: هذا باطل، فقيل: من جهة الفرج، قال: نعم.

    وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا حدث عن الشاميين فليس به بأس ولكنه عن يحيى بن سعيد عنده مناكير.

    وقال أبو حاتم: لا يحل الاحتجاج به، وقال مسلم: إنه منكر الحديث، ثم إن الحديث لا يدل على تحريم سماع الأوتار لأن الخصال التي ذكرت فيه منها ما هو فضيلة كبرِّ الصديق، ولكن مجموعها سبب للهلاك، وإن لم يصح الحديث لأنها من السرف في الترف وفساد الأخلاق وإضاعة المصالح العامة والخاصة.

    ابن حزم وابن طاهر الحافظان: وأما ما ذكر في السؤال الثاني عن ابن حجر الهيتمي من الطعن في ابن حزم وفي ابن طاهر، فهو مما اعتاد ابن حجر مثله، وهو معدود عليه من غلوّه في التعصب لأقوال علماء مذهبه، وابن حجر ليس من طبقة ابن حزم الحافظ الإمام المجتهد ولا من طبقة ابن طاهر، وإنما يعرف قدر ابن حزم الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام المحدثين في زمنه وبعد زمنه.

    وقد ذكر له ترجمة طويلة في طبقات الحفاظ قال فيها: وكان إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة الدائرة في العلوم، وكان شافعيًّا ثم انتقل إلى القول بالظاهر، ونفي القول بالقياس وتمسك بالعموم والبراءة الأصلية، وكان صاحب فنون فيه دين وتورع وتزهد وتحرٍّ للصدق -ثم قال- وقال صاعد بن أحمد: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر ومعرفته بالسنن والآثار.

    أخبرني ولده الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه أبي محمد من تواليفه أربع مئة مجلد تحتوي على نحو من ثمانين ألف ورقة.

    قال الحميدي: كان أبو محمد حافظًا للحديث وفقهه مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة متقنًا في علوم جمة عاملاً بعلمه ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين، وكان له في الأدب والشعر نفس واسع وباع طويل ما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، إلخ.

    ثم نقل الحافظ ابن حجر عن شيخ الإسلام العز بن عبد السلام إمام الشافعية في عصره أنه قال: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المُحَلَّى لابن حزم والمُغني للشيخ الموفق، ثم قال الحافظ في أواخر ترجمته: قلت: ابن حزم رجل من العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة، إلخ.

    وأما ابن طاهر فقد ذكره في طبقات الحفاظ أيضًا وبيَّن أصل هذه الكلمة (إباحي) التي قالها فيه ابن حجر الهيتمي الفقيه مع ألفاظ أخرى تعد من السباب لم يقل بمثلها أحد.

    قال الحافظ في ترجمته: وقد ذكره الدقاق في رسالة فحط عليه وقال: كان صوفيًا ملامتيًا سكن الري ثم همذان، له كتاب صفوة التصوف وله أدنى معرفة بالحديث، قلت: هو أحفظ منك بكثير يا هذا.

    ثم قال: ذكر عنه الإباحة، قلت: بل الرجل مسلم معظم للآثار وإنما كان يرى إباحة السماع لا الإباحة المطلقة التي هي ضرب من الزندقة، اهـ.

    فهل يُسَلِّم مسلم بعد قول الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب القول الفصل والحكم العدل في الرجال ما قاله ابن حجر الفقيه الهيتمي من أنه مجازف إباحي كذاب رجس العقيدة نجسها؟ اللهم ألهم هؤلاء الأئمة الذين يسبهم ابن حجر الهيتمي المتعصب لتقليده العفو عنه يوم الدين.

    وأما حكاية الحافظ ابن طاهر عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي إباحته العود، فإذا لم تصح عنه فقد صحت عمن هم أعظم منه.

    قال الزبيدي في شرح الإحياء بعد نقل تحريمه عن المذاهب الأربعة: وذهبت طائفة إلى جوازه، وحكي سماعه عن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وحسان بن ثابت رضي الله عنهم وعن عبد الرحمن بن حسان وخارجة بن زيد ونقله الأستاذ أبو منصور عن الزهري وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعبد الله بن أبي عبيد وأكثر فقهاء المدينة.

    وحكاه الخليلي عن عبد العزيز ابن الماجشون وقدمنا ذلك عن إبراهيم وابنه سعد وحكاه الأستاذ أبو منصور أيضًا عن مالك وكذلك حكاه الفوراني في كتابه الغمد.

    وحكى الروياني عن القفال أنه حُكيَ عن مالك أنه كان يبيح الغناء على المعازف، وحكاه الماوردي في الحاوي عن بعض الشافعية ومال إليه الأستاذ أبو منصور.

    ونقل الحافظ ابن طاهر عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه كان مذهبه وأنه كان مشهورًا عنه وأنه لم ينكره عليه أحد من علماء عصره.

    وابن طاهر عاصر الشيخ واجتمع به وهو ثقة، وحكاه عن أهل المدينة وادعى أنه لا خلاف فيه بينهم وإليه ذهب الظاهرية حكاه ابن حزم وغيره.

    قال صاحب الإمتاع: ولم أَرَ من تعرض لكراهة ولا لغيرها إلا ما أطلقه الشافعي في الأم حيث قال: وأكره اللعب بالنرد للخبر أكثر ما أكره اللعب بشيء من الملاهي.

    فإطلاقه يشمل الملاهي كلها، ويندرج فيه العود وغيره، وقد تمسك بهذا النص من أتباعه من جعل النرد مكروهًا غير محرم، وما حكاه المازري في شرح التلقين عن ابن عبد الحكم أنه قال: إنه مكروه، ونقل عن العز بن عبد السلام أنه سئل عنه فقال: إنه مباح، وهذا هو الذي يقتضيه سياق المصنف هنا (يعني الغزالي في الإحياء) ا هـ.

    كلام الزبيدي.

    ومنه ومما سبق عن نيل الأوطار، يعلم أن النقل عن الصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء لم ينفرد به ابن حزم وابن طاهر، ولو انفردا لاحتج بنقلهما الأثبات وهما من الأثبات ما لا يحتج بنفي ابن حجر الهيتمي وهو ليس من الحفاظ، ولم يطعن في أسانيدهما لينظر في طعنه.

    وسقط بهذه النقول ما جاء في الأسئلة من ذكر الاتفاق على تحريم العود ونحوه وتفسيق من يسمعه.

    وأما سؤاله عن جواز نسبة ذلك إلى العلويين الأتقياء فجوابه أن النقل لا يكون بالرأي، فإن نقل ذلك ثقة صدقناه وحملنا سماعهم على اعتقادهم الحل كما نقل ذلك عمن هم خير منهم وإن كان غير ثقة لم نصدقه.

    وأما سؤاله عن بعض علماء الرسوم هل يقتدى بهم إذا سمعوا العود؟ فنقول: إنهم لا يقتدى بفعلهم في شيء مطلقًا، وإنما يؤخذ بنقلهم وروايتهم في بيان حكم الله إن كانوا ثقات صادقين.

    كذلك يقال في الصوفية الذين ذكرهم في السؤال الخامس: من عرفت استقامته وتقواه منهم، فلا يجوز الطعن في دينه لسماعه العود من غير أن يتشبه بأهل الفسق والفجور فيما هو من شئون فسقهم بحيث يظن أنه منهم فمن فعل هذا فقد جنى على نفسه وأهانها فلا يلومنَّ من أساء الظن به.

    خلاصة القول في السماع:

    1- لم يرد نص في الكتاب ولا في السنة في تحريم سماع الغناء أو آلات اللهو يحتج به.

    2- ورد في الصحيح أن الشارع وكبار أصحابه سمعوا أصوات الجواري والدفوف بلا نكير.

    3- إن الأصل في الأشياء الإباحة.

    4- ورد نص القرآن بإحلال الطيبات والزينة وتحريم الخبائث.

    5- لم يرد نص عن الأئمة الأربعة في تحريم سماع الآلات.

    6- كل ضار في الدين أو العقل أو النفس أو المال أو العرض فهو من المحرم ولا محرم غير ضار.

    7- من يعلم أو يظن أن السماع يغريه بمحرم حرم عليه.

    8- إن الله يحب أن تُؤتَى رخَصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

    9- أن تتبع الرخص والإسراف فيها مذموم شرعًا وعقلاً.

    10- إذا وصل الإسراف في اللهو المباح إلى حد التشبه بالفساق كان مكروهًا أو محرمًا.

    [1] المنار ج9 (1906) ص35-51: وص141-147.
    [2] محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، بولاق، 1297هـ.
    [3] المنار ج9 (1906) ص45. الحاشية.
    [4] المنار ج9 (1906) ص46. الحاشية.
    [5] المنار ج9 (1906) ص51. الحاشية.
    [6] نيل الأوطار. القاهرة، المطبعة المنيرية، 1344هـ، ج8 ص260-271.
    [7] المنار ج9 (1906) ص141.
    [8] المصدر ذاته ص35-51.
    [9] إحياء علوم الدين. القاهرة، المكتبة التجارية. ج2 ص272-273.
    [10] المصدر ذاته ص279-284.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 185 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة