• منهج الإسلام في الستر على المخطئ

    اطلعت اللجنة على البيان الذي أعده الدكتور/ أحمد الحجي الكردي عضو هيئة الفتوى حول موضوع (منهج الإسلام في الستر على المخطئ)، وبعد المداولة أقرت اللجنة البيان بالنص التالي:

    منهج الإسلام في الستر على المخطئ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وخاتم رسل الله أجمعين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإن الستر على المخطئ والمذنب من صفة المؤمنين وعباد الله المتقين، مع النصح له في الخفاء، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والقول اللين، على أن تكون النصيحة في جو من التوجيه لتأخذ طريقها إلى الإفهام والقلوب ويظهر أثرها في السلوك والأخلاق، فكم من عاص استقام أمره، وكم من منحرف انصلح حاله، وسبحان مقلب القلوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم[1].

    وقد حرم الله سبحانه وتعالى على المسلمين سوء الظن بالآخرين، والتجسس عليهم، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ[١٢] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[١٣]﴾ [الحجرات: 12 - 13]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» متفق عليه[2].

    كما أمر الإسلام بالستر على العاصي ما دام لم يجاهر بالمعصية، بل يغلب عليه الخجل والحياء منها، لئلا تشيع الفاحشة ويعم ضررها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[١٩]﴾ [النور: 19].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاري[3]، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» رواه الترمذي[4].

    وقد رأت هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تذكر المسلمين في هذا الوقت بالذات بهذه القيم الإسلامية الرفيعة، والأخلاق الفاضلة الكريمة، بعد أن رأت ما انزلقت إليه بعض الصحف والمجلات، من نشر أنباء الجرائم والموبقات، وعثرات المراهقين، أو بجهل بنتائج هذا النشر، أو غير ذلك، مما يترتب عليه فضائح تشين المجتمع، وتنشر الرذيلة وتهونها على من ينتويها أو يتهيأ لها، وربما اندفع إليها بسبب ذلك من كان غافلًا عنها، دون حاجة تدعو إليها، أو مصلحة ترجى من ورائها، وقد يزيد ذلك من عناد بعض المنحرفين ويدفعهم إلى الغلو والانتقام، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم على من دعا على مذنب بقوله: أخزاه الله، وقال: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» رواه البخاري[5].

    وهيئة الفتوى إذ تذكر الأمة أفرادًا وجماعات بقيم الإسلام الفاضلة في الستر على المتورطين والمخطئين، ونهيهم بحكمة، بكل الطرق المتاحة، المسموعة والمقروءة والمرئية، لتدعو كل أفراد الأمة، إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، والابتعاد عن الخطأ ومسبباته، والالتزام بشرع الله تعالى الذي فيه الوقاية من كل انزلاق أو خطأ أو معصية، كما تدعو المسؤولين عن الأمن كل في موقعه، إلى أن يظلوا العين الساهرة لمصالح الأمة، المعالجة لجميع مشاكلها، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالعقاب الرادع عند الحاجة إليه لكل من لا تجدي معه الحسنى، ويفعل المنكر من غير خجل ولا حياء ليكونوا عبرة لمن بعدهم.

    تهيب الهيئة بالعلماء أن يأخذوا دورهم كاملًا في توعية الأمة وتوجيهها نحو الالتزام بأحكام دينها، بالقول والفعل والقدوة الحسنة، حفظ الله تعالى علينا وعلى المسلمين عامة ديننا وأمننا وأخلاقنا، ووقانا شر المعاصي والآثام، ويسر إطلاق سراح أسرانا، ورحم شهداءنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    1) رقم (55).

    2) البخاري (رقم 5143)، ومسلم (رقم 2563).

    3) رقم (2422).

    4) رقم (2032).

    5) رقم (6777).

    الدرر البهية من الفتاوى الكويتية

    رقم الفتوى: 3350 تاريخ النشر في الموقع : 28/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة