• الدعاء بين الخطبتين

    ما قولكم دام فضلكم في رفع اليدين والصوت وتشويش الناس بالدعاء عند جلوس الإمام على المنبر بين الخطبتين في يوم الجمعة كما هو رسم في زماننا، فهل هو سنة أو مندوب أو بدعة أو مكروه؟ وحديث عبد الله بن سلام أصح من حديث أبي موسى الأشعري في تعيين الساعة التي يجاب فيها الدعاء؟ بينوا تؤجروا أثابكم الله.
     

    حديث أبي موسى الذي يشير إليه السائل هو أن النبي عليه السلام يقول في ساعة الجمعة «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ -يعني على المنبر- إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ» رواه مسلم وأبو داود. وقد أعلّوه مع ذلك بالانقطاع والاضطراب.

    أما الأول: فلأن مخرمة بن بكير راويه عن أبيه قد نقل عنه أنه قال: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا.

    وأما الثاني: فهو أنهم قالوا: إن أكثر الرواة قد جعلوا هذا الحديث من قول أبي بردة مقطوعًا وأنه لم يرفعه غير مخرمة عن أبيه بردة، إلى آخر ما قالوه. وقد استدركه الدارقطني على مسلم.

    وأما حديث عبد الله بن سلام فهو ناطق بأن الساعة التي يجاب فيها الدعاء هي «آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ» وقد رواه ابن ماجه مرفوعًا ورواه مالك وأصحاب السنن وغيرهم من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله، ورجاله رجال الصحيح، وفي معناه أحاديث أخرى تؤيده، ويعارضها حديث أبي سعيد عند أحمد وابن خزيمة والحاكم، وهو أنه سأل النبي عنها فقال: «قَدْ كُنْتُ أُعْلِمْتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، كَمَا أُنْسِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» ورجاله رجال الصحيح أيضًا، وأجيب عنه بأنه لا يصلح للمعارضة لجواز أن يكون ذكر بعد ما نسي. وللعلماء في تعيين ساعة الإجابة أربعون قولًا ونيف.

    والأكثرون على ترجيح أحد الحديثين المشار إليهما في السؤال، والأرجح أنها آخر ساعة من نهار الجمعة، والمراد بالساعة الزمانية وتصدق بدقيقة أو دقائق. أما رفع اليدين والأصوات بالدعاء عند جلوس الخطيب بين الخطبتين فلا نعرف له سنة تؤيده، ولا بأس به لولا التشويش وأنهم جعلوه سنة متبعة بغير دليل. والمأثور طلب السكوت للسماع؛ لذلك نقول: لا بأس بالدعاء في غير وقت السماع، ولكن يدعو خفية، لا يؤذي غيره بدعائه، ولا يرفع كل الناس أيديهم، فيكون ذلك شعارًا من شعائر الجمعة بغير هداية من السنة فيه؛ بل إنهم يخالفون صريح السنة؛ إذ يقوم الإمام ويشرع في الخطبة الثانية وهم مستمرون على دعائهم، فأولى لهم سماع وتدبر وقت الخطبة، وفكر وتأثر وقت الاستراحة، وأهون فعلهم هذا أن يكون بدعة مكروهة والله أعلم[1].

    [1] المنار ج6 (1903) ص793.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 18 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة