• اشتراط القبول في الوقف عقب الإيجاب وعدم جواز بيعه

    رجل وقف وقفًا مؤبدًا على أولاده، وهم أبناؤه الثلاثة وبنته وعلى زوجته وأخته بأنه لا يُباع ولا يُرهن ولا يُوهب ولا يُتصرف فيه تصرف الملكية، وشرط لهذا الوقف شروطًا منها: أن يكون النظر لنفسه ما دام حيًّا، ثم بعد موته يكون النظر لولده فلان، ثم لأكبر أولاد بنيه، وهلم جرَّا. فإن لم يوجد من شرط له النظر أو وجد، ولكن فقد فيه الرشد، فالنظر لمن شرط له بعده، فإن لم يبق أحد من المشروط لهم النظر، فالنظر لناظر مسجد فلان (أي وإن كان ابن الواقف الذي لم يشرط له النظر موجودًا مثلًا). ومنها أن يأخذ الناظر الواقف من غلة الوقف كل شهر قدرًا معينًا في مقابلة نظره ما دام حيًّا. ومنها أن يصرف من غلة الوقف على ما لا بد منه لمصلحة الوقف الحالية، وأن يحفظ كل شهر قدرًا معلومًا لما يحتاج إليه صرفه لمصلحة الوقف في المستقبل، كالبناء وغيره، ثم يقسم باقي الغلة على الموقوف عليهم المذكورين للذكر مثل حظ الأنثيين. ومنها أنه إذا ماتت أخت الواقف أو زوجته، فسهم كل منهما يرجع إلى أصل الغلة، وكذا ما يأخذه الواقف في مقابلة نظره يرجع إلى الغلة بعد موته. ومنها أن هذا الوقف يبقى دائمًا وأبدًا في أبناء أولاده ما تناسلوا للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس لأولاد البنات شيء في هذا الوقف وأن سهم كل بنت بعد موتها يرجع إلى إخوتها للذكر مثل حظ الأنثيين. ومنها أنه إذا كان ولد الابن في درجة لا يرث من قبل جده وفق فرائض الله ليس له سهم في الوقف، وإنما يتبرع له الناظر بنزر يسير ومقدار معين قليل لا يزاد عليه. ومنها أنه إذا مات أحد الموقوف عليهم، ولم يترك ولدًا صلبيًّا، فإنه ينتقل سهمه إلى إخوته للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم تكن له إخوة فإلى أقرب عصباته وهلم جرَّا، حتى إذا انقرضوا عن آخرهم تصرف الغلة في جهة البر وقد بينها، وحينئذ يكون النظر لناظر ومتولي مسجد فلان. وشرط أيضًا شروطًا أخر منها أن تقسم الغلة في آخر الشهر الثالث. ومنها أنه إذا أراد أحد الموقوف عليهم السكنى في بيت معتد للسكنى من بيوت الوقف، فإنه يسلم الكرى كل شهر قدر ما يعين عليه الناظر، وأن للناظر أن يقطع قدر الكرى من سهم من يسكن في هذا البيت قبل أن يسلم له سهمه، فإن لم يستوف الكرى من سهمه يطالبه به، وأن للناظر أن يأمر كل من أراد ممن سكن في هذا البيت بتخليته، ولو من غير تقصير منه. ومنها أنه ليس لأحد من الموقوف عليهم أن يطالب الناظر في حساب ما حصل من الغلة، بل يقبل كلما يقدمه له الناظر. ومن أمثالها شروط كثيرة مما لا حاجة إلى ذكرها إلا شرطًا واحدًا هو أن رقبة الواقف إذا جرى عليها شيء سماوي من الحرق والانهدام، ولم يُستطع بناؤه ثانيًا، فللناظر أن يقترض لأجل البناء، فإن لم يقرض بضمانه فليبعْ رقبة الوقف وليشترِ بثمنها عوضًا عنها. فلما بلغ الخبر إلى الموقوف عليهم الذين هم البطن الأول ردوه ولم يقبلوه إلا أن الولد الذي شرط له النظر بعد الواقف قبله، ثم أكره الذين لم يقبلوه على إمضائهم في ورقة التسليم ليستلموا ما يستحقونه من الوقف، فقال أحد الرادّين: إن هذا الوقف بعد ردنا إياه صار منقطع الأول وبطُل لما في المنهاج وشروحه وغيرها من كتب الشافعية حيث صرحوا بما معناه أن الوقف يرتد برد الموقوف عليهم المعينين، فإن كانوا البطن الأول يبطل بردهم، ومن قبل بعد الرد لم يعد له، فعلى هذا إبقاء هذا الوقف على الوقفية وإجراؤه بحسب شروطه لا يعيده وقفًا، وإكراهنا على الإمضاء مما لا فائدة فيه. فلم يسمع قول هذا القائل.

    وجرى الناظر الواقف بشروط الوقف، وجعل يسلم سهم الموقوف عليهم بعد كل ثلاثة أشهر، ويأخذ منهم إمضاءهم على ورقة التسليم، وجعل الكرى على من سكنوا في البيت المعتد للسكنى، وجعل يقطع من سهامهم قدر الكرى عند تسليم سهمهم إليهم، واستمر هذا الحال مدةً، وفي خلالها توفي أحد أبناء الواقف، وكان من الذين لم يقبلوا الوقف، ثم توفيت أخت الواقف فجعل يعطي سهم الأول لإخوته الموجودين للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل سهم الأخت في أصل الغلة، ثم توفي الواقف وانتقل النظر بحسب شرطه لولده فلان المذكور، فجعل يحذو حذو والده في إجراء هذا الوقف، فسأله باقي الموقوف عليهم أن يسلم لهم من عين هذا الوقف قدر سهمهم ليتصرفوا فيه مطلقًا لكون الوقف قد بطل بردهم كما علم، فأبى هذا الناظر وامتنع عن تسليم ما طلبوه من سهمهم في عين هذا الوقف إليهم، وقال: الوقف لازم على الموقوف عليهم كلهم وليس لأحد في عين الموقوف حق ما.

    فأقام بعض الموقوف عليهم للدعوى على الناظر الموجود عند حاكم البلد الذي يرى إبطال مثل هذا الوقف مطلقًا بحسب قوانينه الجارية، والحكم منتظر، وباقي الموقوف عليهم كذلك تبعوا الأول في الدعوى على الناظر المذكور.

    ثم إن هذا الناظر احتج في جوابه دفعًا للدعوى عليه (حسب ما يقتضيه قانون المحكمة، وذلك أن المدعي يقدم دعواه مكتوبةً في ورقة ويحلف أن ما كتبه فيها هو دعواه، ثم يجيب المدعَى عليه كذلك بتقديم ورقة مكتوبة ويرد الدعوى عليه ويحلف أن ما كتبه فيها هو جواب الدعوى) أن الموقوف عليهم قد أبطلوا حقهم في عين هذا الوقف لكونهم كتبوا إمضاءهم في ورقة التقسيم. هذه هي الحالة والمسؤول من فضيلتكم أن تبينوا حكم المسألة على مذهب الإمام الشافعي.

    أولًا- هل يلزم هذا الوقف الموقوف عليهم المعينين الذين ردوه عندما علموا به من غير تراخٍ؟

    ثانيًّا- هل يكفي في القبول إمضاء الرادّين في ورقة التقسيم من غير أن يتلفظوا بالقبول مع أن التلفظ بالصيغة شرط في العقود؟

    ثالثًا- هل يؤثر القبول بعد الرد إن قلتم بكفاية الإمضاء في ورقة التقسيم؟

    رابعًا- إن قلتم ببطلان الوقف بالرد فهل يبطل كله أو بعضه، فإن قلتم بالثاني فماذا يبقى وقفًا؟

    خامسًا- ماذا حكم الذي بطل، هل هو ملك للوقف على ما كان قبل الوقف أم ملك للموقوف عليهم نظرًا إلى أن الواقف أخرج الملك عن نفسه، وكان يملكهم للمنفعة مدة حياته أم لا يملكه أحد، وعلى هذا فما معنى بطلان الوقف بالرد المستفاد من صريح عباراتهم؟

    سادسًا- هل يأثم الذي أقام الدعوى ومن تبعه عند من يرى بالقانون بطلان كل وقف على المعينين فيحكم ببطلان هذا الوقف بأسره، ويجعله من تركة الواقف، وتقسيمه بين الورثة الموجودين وفق فرائض الله أم لا إثم عليهم، لأن الناظر الموجود أبى أن يسلم لهم حقهم الذي طلبوا منه من عين هذا الوقف ولأنه لم يقم الدعوى من أقامها إلا بدليل أن الوقف قد بطل في حقه حينما رده، إذ دخول عين أو منفعة في ملكه قهرًا بغير الإرث بعيد كما هو ظاهر، وذكره الرملي في نهاية المحتاج بشرح المنهاج، أفتونا مأجورين.
     

    هذا الوقف باطل عند الشافعية لاشتماله على بعض الشروط الفاسدة وهو تفويض بيع الموقوف إلى الناظر على الوجه المذكور في السؤال، قال في المنهاج وشرحه لشمس الرملي ما نصه: (ولو وقف) شيئًا (بشرط الخيار) له في الرجوع عنه أو في بيعه أو في تغير شيء منه بوصف أو زيادة أو نقص أو نحو ذلك (بطل) الوقف (على الصحيح) اهـ. ولا فرق بين تفويض البيع إليه متى شاء وبين تفويضه إليه بشرط كالمذكور في السؤال، إذ لا يُجَوِّزُ ذلك بَيْعَهُ بحال. وإذا كان الوقف باطلًا من أصله سقطت تلك الأسئلة، إلا أننا نجيب عنها بالإيجاز.

    أما جواب السؤال الأول: فهو أن الوقف على معين يشترط فيه قبوله كما صرح به في المنهاج، وصرح الرملي في شرحه باشتراط القبول عقب الإيجاب أو بلوغ الخبر، أي: فإن تأخر بطل في حقه.

    وأما جواب الثاني: فالظاهر أنه يصح مع النية، إذا لم يترتب عليه التراخي كأن يعرض عليه كتاب الوقف قبل العلم به، فيكتب عليه فورًا أنه قبله. وأما الإمضاء على أوراق تقسيم الغلة، فهو ليس من القبول على الفور، وإن استلزم الرضا بالوقف مع القرينة.

    وأما جواب الثالث: فهو أن القبول بعد الرد لا تأثير له، قال في نهاية المحتاج: «فإن رد الأول بطل الوقف، ولو رجع بعد الرد لم يعد له» وقال ابن حجر في شرحه للمنهاج (التحفة): إنه لا تأثير للرد بعد القبول كعكسه، فلو رجع الراد وقبل لم يستحق شيئًا، ولكنه قيده بحكم الحاكم على وجه، وتعقبه ابن القاسم في حاشيته، وذكر عبارته في شرح الروض وهي: فلو رجع بعد الرد لم يَعُدْ لَهُ. وقول الرواياني: يعود له إن رجع قبل حكم الحاكم به لغيره مردود كما بينه الأذرعي، اهـ.

    وأما جواب الرابع: فهو أنه إذا رد بعض الموقوف عليهم بطل حقهم منه خاصةً دون سائرهم، كما صرحوا به. وفي حاشية الشبراملسي على النهاية: «فلو وقف على جمع فقبل بعضهم دون البعض بطل فيما يخص من لم يقبل عملًا بتفريق الصفقة».

    أقول: وفي القول بتفريق الصفقة مقال سيأتي على أن الأصل فيه أن يكون في البيع، أو ما هو بمعناه كالصلح، والوقف ليس كذلك، إذ لا معارضة فيه.

    ويترتب على تفريق الصفقة هنا أن يرث مَنْ قَبِلَ الوقفَ من الباقي، فيكون حظه من تركة المورث أكثر، فإذا قيل ببطلان الوقف كله برد من رده، فهو أقرب للمذهب والعدل معًا:

    وأما جواب الخامس: فهو أن ما بطل وقفه يكون ملكًا للواقف بل هو لم يخرج عن ملكه كالوصية التي لم تقبل.

    وأما الجواب عن السادس: فهو أن من أقام الدعوى لإبطال الوقف لاعتقاده أنه باطل في نفسه لاشتماله على الشرط الفاسد فلا إثم عليه، لأنه توسل بذلك إلى إعطاء كل ذي حق حقه، وكذلك إذا اعتقد بطلانه برد البعض ترجيحًا للقول الثاني في تفريق الصفقة، فالأصل في المذهب أن صحة الوقف تتوقف على الإيجاب والقبول على الفور، وأن رد جميع الموقوف عليهم يبطله لأنه يكون منقطع الأول، ورد بعضهم يأتي فيه تفريق الصفقة عندهم، والذي جروا عليه القول بجوازه، وقال في المنهاج: إنه الأظهر، أي: من قول الشافعي، ولكن قال الرملي في شرحه: «ومقابل الأظهر البطلان في الجميع تغليبًا للحرام على الحلال، قال الربيع: وإليه رجع الشافعي آخرًا» ثم رد الرملي قول الربيع باحتمال كون الرجوع في الذكر لا في الفتوى، وهو الذي جروا عليه، وهو احتمال بعيد، فمن لم يطمئن له واعتقد أن الحق في تفريق الصفقة البطلان في الجميع، فلا حرج عليه إذا سعى في إبطال الباطل.

    وأما من اعتقد أن هذا الوقف صحيح في حق بعض الموقوف عليهم دون بعض، وأن هذه الأعيان التي وقفت بعضها ملك للورثة، وبعضها وقف على من قَبِل ففي الإقدام على دعوى تبطل الوقف منها وتجعلها كلها ملكًا نظر وترجيح أحد الأمرين فيه دقيق، فقد يقال: إن لصاحب الملك أن يطلب ملكه، وإن أدى ذلك إلى إبطال حق غيره من الوقف، وإبطال ما يؤول إليه من جهة البر الدائمة، لأن هذا غير مقصود له، وإنما يجيء بالتبع وهو الأقيس. وقد يقال: ليس له ترجيح نفسه وإبطال جهة البر الدائمة لأجل منفعته العاجلة وهو الأورع. والمسألة دينية يُستفتى فيها القلب، والله أعلم[1].


    [1] المنار ج9 (1906) ص538-539.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 200 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات