• الدروز

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه: وبعد: لقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الرسالة التي أرسلها صاحب السمو الملكي نائب وزير الداخلية إلى سماحة الرئيس العام رقم2 س5400 وتاريخ 15 5 1397هـ واطلعت على ما جاء في النشرتين اللتين مع كتاب سموه من تفاصيل محاورتين مزعومتين: إحداهما جرت بين طالب درزي يدرس في الأزهر وبين من لقبه الدرزي بشيخ مشايخ الأزهر وسماه: مصطفى الرافعي ، والأخرى جرت بين من نسب في المنشور إلى السنة وسمي فيه: شيخ الحق الحسيني وبين من قيل إنه أستاذ درزي يدعى: أبا حسن هاني زيدان . وبناء على طلب سموه مطالعة ذلك وإلإِفادة كتبت ما يلي: أولاً: نبذة عن مذهب الدروز يتبين منها حقيقة أمرهم. ثانيًا: بيانًا مختصرًا عما جاء في المحاورتين يتبين به ما فيهما من دخل وتلبيس.

    أولاً: نبذة عن مذهب الدروز أصل الدروز فرقة سرية من فرق القرامطة الباطنية يتسمون بالتقية وكتمان أمرهم على من ليس منهم، ويلبسون أحيانًا لباس التدين والزهد والورع ويظهرون الغيرة الدينية الكاذبة، ويتلونون ألوانًا عدة من الرفض والتصوف وحب آل البيت ، ويزعمون أنهم حملة لواء الإِصلاح بين الناس وجمع شملهم ليلبسوا على الناس ويخدعوهم عن دينهم حتى إذا سنحت لهم الفرصة وقويت شوكتهم ووجدوا من الحكام من يواليهم وينصرهم ظهروا على حقيقتهم، وأعلنوا عقائدهم وكشفوا عن مقاصدهم، وكانوا دعاة شر وفساد ومعاول هدم للديانات والعقائد والأخلاق. يتبين ذلك لمن تتبع تاريخهم وعرف سيرتهم من يوم وضع عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي أصولهم وبذر بذورهم فورثها لاحقهم عن سابقهم وتواصوا بها وأحكموا تطبيقها واستمر ذلك إلى وقتنا الحاضر. والدروز وإن كانوا فرعًا من فروع القرامطة الباطنية لهم مظاهرهم الخاصة من جهة نسبهم ونسبتهم من الهوة والزمن الذي ظهروا فيه. والظروف التي ساعدتهم على الظهور. ونذكر فيما يلي مجمل ذلك وأمثلة له وحكم العلماء فيهم:

    1 - ينسب الدروز إلى درزي وهو: أبو عبد الله محمد بن   إسماعيل الدرزي ، وقد يروى اسمه بلفظ عبد الله الدرزي ودروزي بن محمد، ويقال: إن محمد بن إسماعيل الدرزي هو تشتكين أو هشتكين الدرزي، وقيل: ينسبون إلى طيروز إحدى بلاد فارس ، ويرى الزبيدي في التاج أن الصواب: ضبط الدرزي بفتح الدال نسبة إلى أولاد درزة وهم السفلة والخياطون والحاكة.

    2 - ظهر محمد بن إسماعيل الدرزي أيام الحاكم بأمره أبي علي المنصور بن العزيز أحد ملوك العبيديين الذين حكموا مصر قريبًا من مائتي سنة وزعموا أنهم من آل البيت زورًا وبهتانًا وأنهم من نسل فاطمة رضي الله عنها. وقد كان محمد بن إسماعيل الدرزي أولاً من الفرقة الإِسماعيلية الباطنية التي تزعم أنها من أتباع محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ثم خرج عليهم واتصل بالحاكم العبيدي ووافقه على دعواه الإِلهية ودعا الناس إلى عبادته وتوحيده. وادعى أن الإِله حل في علي وتدثر ناسوته وأن روح علي انتقلت إلى أولاده واحدًا بعد واحد حتى انتقلت إلى الحاكم، وقد فوض إليه الحاكم الأمور بمصر ليطيعه الناس في الدعوة، ولما انكشف أمره ثار عليه المسلمون بمصر وقتلوا ممن معه جماعة، ولما أرادوا قتله هرب واختفى عند الحاكم فأعطاه مالاً وأمره أن يخرج إلى الشام لينشر الدعوة هناك فخرج إليه ونزل بوادي تيم الله بن ثعلبة غربي دمشق   فدعاهم إلى تأليه الحاكم ونشر فيهم مبادئ الدروز ووزع فيهم المال فاستجابوا له. وقد قام بالدعوة أيضًا إلى تأليه الحاكم رجل آخر فارسي اسمه: حمزة بن علي بن أحمد الحاكمي الدرزي من كبار الباطنية فقد اتصل برجال الدعوة السرية من شيعة الحاكم ودعا إلى تأليهه خفية حتى أصبح ركنًا من أركانها ثم أعلن ذلك وادعى أنه رسول الحاكم فوافقه على ذلك. ولما توفي الحاكم وتولى ابنه علي الملقب بالظاهر لإِعزاز دين الله، وتبرأ من الدعوة إلى تأليه أبيه، طوردت الدعوة في مصر ففر حمزة إلى الشام وتبعه بعض من استجاب له واستقر أكثرهم في المقاطعة التي سميت فيما بعد: (جبل الدروز) في سورية . مبادئهم:

    (أ) يقولون بالحلول، فهم يعتقدون أن الله حل في علي رضي الله عنه ثم حل في أولاده بعده واحدًا بعد واحد حتى حل في الحاكم العبيدي أبي علي المنصور ابن العزيز ، فالإِلهية حلت ناسوته ويؤمنون برجعة الحاكم وأنه يغيب ويظهر.

    (ب) التقية، فهم لا يبينون حقيقة مذهبهم إلاَّ لمن كان منهم، بل لا يفشون سرهم إلاَّ لمن أمنوه ووثقوا به من جماعتهم.

    (ج) عصمة أئمتهم، فهم يرون أن أئمتهم معصومون من   الخطأ والذنوب، بل ألهوهم وعبدوهم من دون الله كما فعلوا ذلك بالحاكم.

    (د) دعواهم علم الباطن، فهم يزعمون أن لنصوص الشريعة معاني باطنة هي المقصودة منها دون ظواهرها، وبنوا على هذا إلحادهم في نصوص الشريعة وتحريفهم لأخبارها وأوامرها ونواهيها. أما إلحادهم في الأخبار فإنهم أنكروا ما لله من صفات الكمال وأنكروا اليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء من جنة ونار، واستعاضوا عن ذلك بما يسمى: التقمص أو تناسخ الأرواح وهو انتقال روح الإِنسان أو الحيوان عند موته إلى بدن إنسان أو حيوان آخر عند بدء خلقه لتعيش فيه منعمة أو معذبة، وقالوا: دهر دائم وعالم قائم وأرحام تدفع وأرض تبلع وأنكروا الملائكة ورسالة الرسل واتبعوا المتفلسفة المشائين أتباع أرسطو في مبادئه ونظرياته. وأما إلحادهم في نصوص التكليف من الأوامر والنواهي فإنهم حرفوها عن مواضعها، فقالوا: الصلاة معرفة أسرارهم لا الصلوات الخمس التي تؤدى كل يوم وليلة، والصيام كتمان أسرارهم لا الإِمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والحج زيارة الشيوخ المقدسين لديهم، واستحلوا   الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واستحلوا نكاح الأمهات والبنات... إلى غير ذلك من التلاعب بالنصوص وجحد ما جاء فيها مما علم بالضرورة أنه شريعة لله فرضها على عباده؛ ولذا قال فيهم أبو حامد الغزالي وغيره: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض وهم في ذلك أشبه بأصحاب رسائل إخوان الصفا في عقائدهم وأعمالهم وطريقتهم.

    (هـ) يقولون بقول أهل الطبيعة، فيقولون: إن الطبائع مولدة للحياة، والموت ينشأ عن فناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج عند انتهاء الزيت إلاَّ من اعتبط - أي: قتل بحادث مثلاً.

    (و) النفاق في الدعوة والمخادعة فيها: فهم يظهرون التشّيع وحب آل البيت لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم دعوه إلى الرفض وأظهروا له معايب الصحابة وقدحوا فيهم، فإذا قبل منهم كشفوا له معايب علي وطعنوا فيه، فإذا قبل منهم ذلك انتقلوا به إلى الطعن في الأنبياء، وقالوا: إن لهم بواطن وأسرارًا تخالف ما دعوا إليه أممهم، وقالوا: إنهم كانوا أذكياء وضعوا لأممهم نواميس شرعية ليحققوا بذلك مصالح وأغراضًا دنيوية.. إلخ. بم يحكم فيهم: سئل شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله عما يحكم به في الدروز والنصيرية ، فأجاب بما يأتي:   وهؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإِسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ووجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد، فهم كفار باتفاق المسلمين، فأما النصيرية فهم: أتباع أبي شهيب محمد بن نصير . وكان من الغلاة الذين يقولون: إن عليًّا إله وهم ينشدون:

    أشــــــــــــــهد أن لا إلـــــــــــــه إلاَّ حــــــــيدرة الأنــــــــزع البطيـــــــن ولا حجـــــــــــــاب عليـــــــــــــه إلاَّ محـــــــمد الصـــــــادق الأميـــــــن ولا طــــــــــــــريق إليــــــــــــــه إلاَّ ســــــلمان ذو القــــــوة المتيــــــن

    وأما الدرزية: فأتباع هشتكين الدرزي وكان من موالي الحاكم يعني العبيدي أحد حكام مصر الباطنية أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلاهية الحاكم ويسمونه: (الباري الغلام) ويحلفون به، وهم من الإِسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم أعظم كفرًا من الغالية، يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإِسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على   مذهب أرسطو وأمثاله أو مجوسًا، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقًا والله أعلم. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية أيضًا رحمه الله: ردًّا على نبذ لطوائف من الدروز : كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه، والله المستعان وعليه التكلان. وبيان ما في المحاورة الأولى من الكذب والدجل والتلبيس:

    1 - جاء في صدر المحاورة الأولى أنها جرت بين طالب درزي في الأزهر : شيخ شوقي حمادة وإمام الأزهر الشيخ مصطفى الرافعي ثم لقبه بعد بشيخ مشايخ الأزهر. وهذا فيه خلط وتلبيس وكذب وافتراء، أما الخلط والتلبيس   فإن إمام الأزهر هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس بالجامع الأزهر وقد يخطب خطبة الجمعة فيه، وهو في عمله تابع لوزارة الأوقاف، وأما شيخ مشايخ الأزهر فإنه ليس إمامًا للصلاة فيه ولا خطيبًا للجمعة به وإنما هو مسؤول عن التعليم بالأزهر ومنصبه أعلى ممن يصلي بالناس إمامًا، وأما الكذب والافتراء فإنه لم يعرف في تاريخ الأزهر في عهد من العهود ولا في يوم من الأيام أن شخصًا يقال له: مصطفى الرافعي تولى مشيخة الأزهر أو كان شيخًا لمشايخ الأزهر فواقع التاريخ أصدق شاهد على كذب هذه الدعوى وأقوى دليل على أن كاتب هذه النشرة ليس على بينة مما يكتب، وأن هذه المحاورة مصطنعة وليس هذا بعجيب فإن الدروز من الباطنية وشأنهم التلبيس والكذب والتقية والشيء من معدنه لا يستغرب.

    2 - ثم قال الدرزي للشيخ مصطفى الرافعي المزعوم: ما رأي فضيلتكم بالدروز؟ فقال الشيخ الرافعي : إن الدروز من حيث عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم مسلمون إنما من حيث الدين فلا نعدهم مسلمين. اهـ. إن مثل هذا الجواب لا يصدر عن مسلم عرف عقائد الإِسلام وأحكامه وعرف عقائد الدروز وأعمالهم وأحوالهم، فضلاً عن أن يصدر من شيخ، مشايخ الأزهر فإن شرائع الإِسلام وواقع تاريخ   الدروز يشهد بأن الدروز ليسوا بمسلمين لا في ظواهرهم ولا في بواطنهم فإنهم عندما تتاح لهم الفرصة تنكشف حقيقتهم ويعلنون إلحادهم وكفرهم، ويعتدون على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ويسعون في الأرض فسادًا كما حصل في أيام الحاكم العبيدي أحد حكام العبيديين بمصر ، أما عندما تحيط بهم الأزمات ويضيق عليهم الخناق فإنهم يلتزمون التقية ويلبسون لباس التدين ويظهرون بمظهر الغيرة والإِصلاح نفاقًا وزندقة، وهذا هو شأنهم مع المسلمين ومع ذلك فقد استنكر الطالب الدرزي جواب من سماه شيخ مشايخ الأزهر.

    3 - وقال: ما السبب؟ فقال الشيخ المزعوم: لأنهم يعبدون الحاكم، فازداد الطالب الدرزي غضبًا وخطأ الشيخ في ذلك بما يتضمن إنكاره لوجود الإِله الحق، ويدل دلالة صريحة على كفر الدروز وفساد عقائدهم فقال: يخطئ من يقول: إننا نؤله حاكمًا وإنما نحن نعتقد أن لا إله إلاَّ الله وأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ومن المعلوم في مذهبنا: أن الله ليس كمثله شيء فهو لا يدرك ولا يوصف ولا هو جالس ولا واقف ولا ساهر ولا نائم ولا قائم ولا قاعد، إنه منزه عن الأرواح والعدد. ونعتقد أيضًا أن   الله سبحانه سيتجلى للناس في اليوم الآخر ويبدو لهم ليتم الإِيمان به حقًّا وصدقًا، يتأنس إليهم ليثبت الحجة عليهم إذ هم يعجزون عن إدراك كيفيته ولا يبلغون بقوة عقولهم ماهيته وإنما الناظر إليه كالناظر إلى وجهه في المرآة، ألا ترى يا فضيلة الإِمام الأكبر عندما تنظر في المرآة صورة تماثل صورتك. قال الشيخ: نعم، قال الطالب الدرزي: هذه الصورة منزهة عن جميع الصفات البشرية لا تأكل ولا تشرب ولا تعي ولا ولا... نحن نعتقد أنك كما تنظر إلى المرآة وترى صورتك البادية المجردة عن جميع الصفات تبدو لنا صورة الله المنزه عن جميع الصفات. اهـ. إن الواقع التاريخي والعلمي يشهد بأن الدروز يعبدون الحاكم ويؤلهونه، وأن الحاكم العبيدي ادعى الألوهية لنفسه. وكان المقربون إليه من بطانته يدعون إلى عبادته، وأن الطالب الدرزي كذاب في استنكاره ذلك ثم لبس وخلط في كلامه وأتى بما هو كفر في رده واستنكاره، وقال: يخطئ من يقول: إننا نؤله حاكمًا فنكَّر حاكمًا، وإنما الكلام في عبادتهم وتأليههم للحاكم العبيدي الذي كان ملكًا على مصر ونفى عن الله الصفات كلها وشبهه بالصورة في المرآة فقال: إنما الناظر إليه كالناظر إلى صورته في المرآة، وقال: نحن نعتقد يا فضيلة الإِمام الأكبر أنك كما تنظر   إلى المرآة وترى صورتك البادية المجردة عن جميع الصفات تبدو لنا صورة الله المنزه عن جميع الصفات فجعله بهذا عدمًا لا وجود له. قال الشيخ: ما رأيك بالتقمص؟ قال الطالب: نحن نؤمن بالتقمص وهذا مذهب فلسفي قديم سبق ظهور الفاطميين ، بل سبق الإِسلام إذ رافق البشرية من البداية وقال به كثيرون من غلاة الفلاسفة القدماء، وليس الغريب أن يؤمن الدروز بالتقمص، بل الغريب العجيب أن ينفي المسلمون التقمص والقرآن الكريم يقره إنزالاً. ثم استدل على التقمص بقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ البقرة : 28 ] ، وقوله تعالى: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [ طه : 55 ] ، وبما نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (ما زلت أنتقل إليكم من أصلاب المؤمنين إلى أرحام المؤمنات إلى يومنا هذا.. ) إلخ لقد أقر الطالب الدرزي بأن الدروز يؤمنون بالتقمص: وهو تناسخ الأرواح، بمعنى: انتقال الروح من حي عند موته إلى بدن آخر عند خلقه ودائمًا، ومن المعلوم أن الذين يؤمنون   بذلك لا يؤمنون بيوم القيامة الذي صرحت به نصوص الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، ولا يؤمنون بما فيه من حساب وجزاء بجنة أو بنار، ويتأولون نصوص القيامة بخروج إمامهم كرجوع الحاكم في نظر الدروز وظهوره بعد اختفائه، ويقولون: إن الروح إذا صفت بمجانبة الهوى وبالعلم والعبادة عادت إلى وطنها الأصلي، وكملت بموتها وتخلصها من أغلال البدن وقيوده، وأما الأرواح أو النفوس المنكوسة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة المعصومين فإنها تعذب ببقائها في الأبدان تتناسخ فيها كلما خرجت من جسد عند موته تلقاها آخر، واستدلوا على ذلك بما تقدم وبقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [ النساء : 56 ] . ولا شك أن تأويلهم للقيامة بخروج إمامهم تحريف للكلم عن مواضعه وخروج بالقرآن عن معناه في لغة العرب التي بها نزل، ومخالف لصريح آياته، ومعارض لنصوص الأخبار المتواترة الصريحة الدالة على البعث والنشور والحساب والجزاء بجنة أو نار. فتأويلهم ذلك ضلال مبين وكفر صريح، وقولهم بتقمص الأرواح للأبدان على ما سبق بيانه محض خرص وتخمين لا أساس   له من الصحة ولا مستند له من عقل ولا نقل، ودعواهم أن القرآن دل على ذلك كذب وافتراء، فإن معنى قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ [ البقرة : 28 ] . الآية. كنتم أمواتًا قبل أن يصوركم الله في الأرحام وينفخ فيكم الروح فأحياكم سبحانه بنفخ الروح فيكم ثم يميتكم بقبض أرواحكم عند انتهاء آجالكم في الدنيا ثم يحييكم يوم البعث والنشور للحساب والجزاء، هذا هو معنى الآية الصريح في لغة العرب التي بها نزل القرآن وشرحته السنة الصحيحة الصريحة، وليس فيها دلالة على أن الروح إذا خرجت من إنسان عند موته تجعل في بدن آخر ليكون مخلوقًا يحيا في هذه الدنيا، وكذا القول في تفسير آية: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [ طه : 55 ] ، فمعناها: من الأرض خلقناكم فكنتم أحياء في الدنيا وإلى الأرض تعودون فتقبرون فيها عند موتكم ومنها نخرجكم أحياء عند البعث والنشور، وتفسير الآيتين بما زعموه من تناسخ الأرواح تفسير بالهوى وتحريف لهما عما لا يدلان عليه في لغة العرب ومخالف لصريح آيات القرآن والأحاديث الصحيحة المتواترة في بيان معناهما، ولإِجماع أهل العلم والإِيمان.   أما الحديث الذي ذكروه فليس في ديوان من دواوين السنة المعروفة ووجود طبقات كافرة في فترات من العصور دليل على كذبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنقل في أصلاب آباء مؤمنين وأرحام نساء مؤمنات في كل طبقات أجداده، بل كان بعضهم مؤمنًا كإبراهيم وإسماعيل، وبعضهم كان كافرًا، فالحديث موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [ النساء : 56 ] ، فهو خبر صريح عن أهل النار من الكفار وبيان لاستمرار عذابهم فيها يوم القيامة، وليس فيه دلالة من قريب ولا من بعيد على أن الروح إذا خرجت من بدن عند الموت في الدنيا تقمصت بدنًا آخر ليكون حبسًا وعذابًا لها، فتفسيرها بذلك تحريف لها عن موضعها وتلاعب بنصوص القرآن. ختم الدرزي المحاورة باعتراف الشيخ الرافعي المزعوم بأن الدروز هم أفضل فرقة إسلامية على الإِطلاق، ولا شك أن هذا الاعتراف وهمي؛ لأنه من شيخ مصطنع موهوم. ولو قدر أن شيخًا ما حقيقيًّا ناقش طالبًا درزيًّا هذه المناقشة وجرت بينه وبين الطالب الدرزي هذه المحاورة لما دل ذلك على صدق النتيجة فكم من محق مغلوب على أمره في النقاش والجدل لضعفه في العلم والمناظرة فاستسلامه لا يدل على صحة مذهب   مناظره ولا على صدقه فيما ادعاه واعتقده. بيان ما في المحاورة الثانية من الكذب والدجل والتلبيس: جاء في النشرة أن محاورة ثانية كانت بين من ادعى أنه عالم سني، وأنه يدعى الشيخ الحق الحسيني يقوم بوظيفة رئيس العلوم الشرقية في إحدى الكليات، وبين أستاذ درزي يدعى الشيخ أبا حسن زيدان ، وهي عبارة عن أسئلة توجه ممن قيل أنه سني إلى درزي فيجيب عنها، وقد جاءت في أسلوب هزيل وتراكيب ضعيفة من جهة اللغة العربية، ومعانيها ضحلة مجملة غير محررة، وهذا يدل على أنها مصطنعة لم تحصل أو حصلت بين من لا شأن لهما في العلم ولا يعتد بهما في المناظرة ولا يعول على نتائجها، وفيما يلي تفصيل الكلام عليها: قال السني المزعوم:

    س1: ما هو دينكم؟

    ج1: فأجاب الدرزي ديننا هو الإِسلام. اهـ. تقدم في ص 2 - 4 أنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم أكفر من اليهود والنصارى .. إلخ. وسيأتي في أجوبة الدرزي وشرحه لعقائد الدروز في أركان الإِسلام وغيرها ما يؤكد أنهم ليسوا بمسلمين.  

    س2: ما هو مذهبكم؟

    ج2: مذهبنا هو التوحيد لله تعالى والإِقرار برسالة الرسول وهو أحد مذاهب التقية في الإِسلام. اهـ. أقر الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الثاني) بأن مذهب الدروز التقية وقد صدق فيما أقر به على قومه، ومن المعلوم أن التقية مواربة وخداع ومراوغة ونفاق في العقيدة والقول والعمل، وقد استعملها الدرزي في نفس الجواب فبين أن مذهب الدروز التوحيد لله تعالى والإِقرار برسالة الرسول، ولكن إلههم الذي وحدوه وعبدوه هو الحاكم العبيدي ملك مصر . والرسول الذي يقرون به هو رسول الحاكم الذي اختاره داعية لعبادته كحمزة بن علي بن أحمد الفارسي الحاكمي الدرزي الذي لقبه الحاكم الفاطمي برسول الله فهذا الأسلوب في الجواب أوضح تفسير وأصدق تطبيق للتقية لما فيه من المراوغة والنفاق.

    س3: هل أنتم سنيين أم شيعيين؟

    ج3: لا سنية ولا شيعية، بل إحدى الفرق التي أشار إليها الرسول بقوله: ستنقسم أمتي من بعدي إلى ثلاثة وسبعون فرقة. أجمل الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الثالث) فنفى أن يكون الدروز سنيين أو شيعيين ولم يكشف عن حقيقة طائفته، بل   أبهم فقال: هم إحدى الفرق التي أشار إليها الرسول بقوله: (ستنقسم أمتي من بعدي إلى ثلاثة وسبعون فرقة) فجمع بين اللحن في اللغة وتحريف الحديث والتلبيس على السائل فلم يحدد له الجواب ولم يحرره، وكذب في قوله: إنهم ليسوا شيعيين، فإنهم من القرامطة الباطنية الذين هم من أخبث فرق الشيعة الغالية.

    س4: هل تصلون بأوقات الصلاة؟

    ج4: نعم نصلي؛ لأن الصلاة واجبة على كل مؤمن؛ لأنها تقرب الصلة بين العبد وخالقه.

    س5: كيف يكون وقت الصلاة؟

    ج5: عندما نصلي على الميت فإننا نستقبل القبلة، ولكن الصلاة العادية حلقة ذكر. في السؤال الرابع والخامس إجمال وقصور وكأنه مقصود ليتمكن الدرزي من الإِجمال في الجواب أولاً ثم من الهرب والتحريف في المراد بالصلاة ثانيًا وقد فعل فقال: نصلي؛ لأن الصلاة واجبة، ولأنها تقرب الصلة بين العبد وخالقه، ثم ألحد في المراد بالصلاة ثالثًا فقال: عندما نصلي على الميت نستقبل القبلة، وألحد أيضًا ففسر الصلاة العادية أنها حلقة ذكر، وفي ذلك إنكار أن يكون هناك صلوات خمس بالكيفية التي بيّنها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيب لزعمه في الجواب عن السؤال الأول بأن دينهم الإِسلام.  

    س6: هل تركعون وقت الصلاة؟

    ج6: الركوع عندنا نافلة.

    س7: هل تسجدون وقت الصلاة؟

    ج7: نعم نسجد حين السجود؛ لأنه فريضة واجبة للتقرب إلى الله والتوسل إليه. في السؤال السادس والسابع إجمال وقصور أيضًا، ومع ذلك أنكر الدرزي أن يكون الركوع فرضًا وذكر أنه نافلة، أما السجود فاعترف بفرضيته ولكنه أجمل في كيفيته وكأن هناك تواطؤًا بين السائل والمجيب، أو السائل والمجيب شخص واحد، وهذا مما يناقض قوله في الجواب عن السؤال الأول ديننا الإِسلام؛ لأن الصلاة في الإِسلام ليست حلقة ذكر وإنما هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بالصفة التي عرفت من الدين بالضرورة فهو مفترٍ بالنص والإِجماع.

    س8: هل تصومون شهر الصيام؟

    ج8: إن البعض وخصوصًا الشيوخ يصومون، ولكن في عرفنا أن الصوم الظاهري نافلة، وأما الصوم الحقيقي فهو صيانة النفس عن المحرمات وهو في هذه الحالة فريضة لازمة مدى الحياة وليس بأوقات معينة؛ لأننا نعتقد أن لا نفع   للصوم الظاهري مع مخالفة ما ينهى الله ورسوله عنه. أنكر الدرزي في جوابه عن السؤال (الثامن) فرض صيام رمضان فقال: إن الصوم الظاهري نافلة، وفسر الصيام الحقيقي عنده بصيانة النفس عن المحرمات، وهذا إنكار لما علم من الدين بالضرورة، وتحريف للنصوص يسقط عن المكلفين ما أوجب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من شعائر الإِسلام، وهو كفر صريح وردة عن الإِسلام بالنص والإِجماع ومناقض لدعواه أن دينهم الإِسلام.

    س9: هل تحجون؟

    ج9: إن الحج في عرفنا هو نافلة أيضًا؛ لقول الآية الكريمة: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ﴾ [ آل عمران : 97 ] ، فكلمة (مَنِ اسْتَطَاعَ)، هي عبارة عن فسحة واسعة للذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج. في الجواب عن السؤال التاسع سلك نفس المسلك فأنكر فريضة الحج كما أنكر فريضة صيام رمضان، فقال: إن الحج في عرفنا نافلة فجحد فرضيته وهذا كفر؛ لأنه إنكار لما علم من الدين بالضرورة، ثم موه بإيراد آية صريحة في تأكيد وجوب الحج على المستطيع، وإنما الفسحة في الآية لغير القادر عليه بنفسه ولا بنائب   عنه. وفي هذا أيضًا تكذيب لزعمه في جواب السؤال الأول أن دين الدروز هو الإِسلام.

    س10: وهل منكم من حج إلى مكة ؟

    ج10: نعم كثير منا من زار مكة المكرمة والمدينة المنورة . في السؤال (العاشر) إجمال وقصور يهيئ للمجيب طريق الهروب ويمهد له سبيل الحيدة؛ ولذا أتى المسؤول بجواب إجمالي يمكن حمله على رحلة عادية إلى مكة كالرحلة إلى أي بلد للترفيه عن النفس مثلاً، فقال: كثير منا من زار مكة والمدينة المنورة ، وهذا هو ديدن القرامطة الباطنية، فإن دأبهم التلبيس واستعمال التقية كما تقدم.

    س11: كيف تصلون على الميت؟

    ج11: إن صلاتنا على الميت هي على السنية وهي على الطريقة الشافعية ولكي نكفيكم مؤونة البحث الكثير فإننا نقدم لكم هذا الكتاب الصادر من لدن مشيخة العقل الجليلة التي هي عندنا المرجع الأعلى للمذهب التوحيدي ومن هذا الكتاب تعرفون حقيقة طقوسنا المذهبية في الصلاة على الميت وفي كتابة عقود الزواج وفي الإِرث بعد الموت وخلاف ذلك. وعند تصفح السائل الكتاب التفت إلى المسؤول وقال: أنتم حقًّا مسلمون!؟   الجواب عن هذا السؤال (الحادي عشر) كذب وتناقض فإنه نفى نفيًا عامًّا في جواب السؤال الثالث أن يكون الدروز من أهل السنة ، وأثبت هنا أنهم يصلون صلاة الجنازة على مذهب الشافعي، والشافعي من أهل السنة فكيف صارت صلاتهم على الجنازة على مذهبه، ثم حاد عن إيضاح الجواب وأحال على كتاب مبهم لم يعينه باسمه حتى يرجع إليه الناس ليعرفوا صدقه في دعواه أن صلاتهم على الميت هي على السنة وعلى مذهب الشافعية؟! ثم ذكر الدرزي أن العالم السني المزعوم قال بعد تصفح الكتاب: إنكم حقًّا مسلمون، وتقدم أن هذا الاعتراف في مثل هذه المحاورة المصطنعة لا حظ له من الاعتبار، بل هو مجرد تمويه وتغرير ودعاية كاذبة لمذهب الدروز. ولو كان مذهب الدروز يوافق الإِسلام لأظهره وبين اسم الكتاب حتى يرجع لمعرفة الحقيقة لكنه خاف الفضيحة فأبهم ولم يوضح كما هو دأبه فيما تقدم ودأب قومه. نسأل الله العياذ منه.

    س12: كيف طريقة تقسيم الميراث عندكم؟

    ج12: إن طريقة تقسيم الميراث عندنا هي حسب الفريضة الشرعية إذا لم يترك الميت وصية، وأما إذا ترك وصية فيكون الميراث منطوق الوصية؛ لأن الوصية عندنا فريضة يجب العمل بموجبها؛ وذلك عملاً بالآية الكريمة ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ [ النساء : 11 ] ،   ، ثم عملاً بالآية الكريمة ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [ النساء : 11 ].

    س13: كيف طريقة الوصية عندكم؟

    ج13: إن طريقة الوصية هي أن للإِنسان كل الحق أن يوصي بماله لمن يشاء سواء كان قريبًا أو بعيدًا.

    س14: إن مذهب السنة يمنع الوصية للوارث فلماذا أنتم توصون له؟

    ج14: نحن نوصي للوارث؛ عملاً بالآية الكريمة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ [ البقرة : 180 ] ، فمن هذه الآية الكريمة يتبين حقًّا جليًّا أن الوصية جائزة للوارث ولغير الوارث ونحن على الطريقة سائرون. ذكر الدرزي في جواب هذه الأسئلة (12، 13، 14) أن الميراث عندهم حسب الفريضة الشرعية ولم يعينها. ثم قيد ذلك بما إذا لم تكن هناك وصية فإن كانت هناك وصية بكل المال لغير وارث أو لوارث ولو على خلاف الفريضة الشرعية كانت العبرة في   توزيع بقية التركة بما نصت عليه الوصية، وهذا يخالف نص الشريعة الإِسلامية في أنه لا وصية لوارث، وقد أجمع على ذلك المسلمون، وبذلك يعرف كذبه في جوابه عن السؤال الأول بأن دين الدروز هو الإِسلام. ثم آية ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ [ النساء : 11 ] ، والتي بعدها فيها بيان للفرائض الشرعية للميراث، وتفصيل لأنصباء الورثة، وأمر من الله بالوقوف عند الحد الذي قدره الله لكل وارث، فلم يترك لنا الخيار فيمن نوصي له من هؤلاء المذكورين في الآيتين، ولا الخيار في القدر الذي نوصي به لكل منهم، بل بيّن أنواع الورثة ونصيب كل نوع منهم، وألزمنا بذلك، وبيّن سبحانه أن تقسيم التركة عليهم إنما يكون بعد قضاء ما على الميت من الديون، وبعد تنفيذ ما أوصى به من المال في حدود الثلث لغير وارث كما بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدلال الدرزي بالآيتين فيه إجمال، وتلبيس وخلط في المراد بالوصية في توزيع المواريث والوصية التي تنفذ قبل التوزيع والتقسيم، ثم إنه ضرب صفحًا عن السنة التي لا بد من اعتبارها في تقييد الوصية، وأعرض عن إجماع المسلمين في ذلك، وهذا دأب المبطل في استدلاله، إجمال وتمويه وتشبيه على من يناظره ليخدعه عن الحق بتزيين الباطل له، وبهذا يظهر إلحادهم في   القرآن وتحريفهم له عن معانيه الصحيحة ومخالفتهم للرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، ولإِجماع الصحابة ومن بعدهم من أئمة المسلمين إرضاء لأهوائهم وموافقة لمن على شاكلتهم.

    س15: هل تعددون الزوجات؟

    ج15: كلا، نحن لا يجوز بمذهبنا تعدد الزوجات؛ عملاً بالآية الكريمة: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [ النبأ : 8 ] ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ [ الذاريات : 49 ] ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ [ النساء : 3 ] ، ولن تعدلوا أبدًا على النساء وإن حرصتم، وبما أننا نعتقد أنه لا يمكن العدل بين الاثنين؛ فإن المشروع أوجب علينا الاقتران بواحدة. أنكر الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (الخامس عشر) ما علم من الدين بالضرورة جوازه وهو مشروعية تعدد الزوجات وحاول الاستدلال على باطله بما لا دليل له فيه، فاستدل بقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [ النبأ : 8 ] ، وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ [ الذاريات : 49 ] ، ومعلوم أن الآيتين في بيان سنة الله الكونية في خلق الأشياء، وأن حكمته اقتضت أن يخلق في كل نوع من الأحياء حيوانات ونباتات ذكرًا وأنثى، وفي كل نوعين متقابلين ليكون التلقيح والنسل وتستقر الحياة وتحقق المنافع والمصالح، وليست   الآيتان في حكم تعدد الزوجات من قريب ولا من بعيد، فالاستدلال بهما على منع تعدد الزوجات إلحاد في القرآن، وميل به إلى غير ما قصد به، وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [ النساء : 3 ] ، فصريح مع صدر الآية في جواز تعدد الزوجات عند الأمن من الجور في القسمة بينهن في المعيشة والنفقة وهو ممكن مستطاع، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ [ النساء : 129 ] ، فالمقصود منه نفي استطاعة العدل في الحب القلبي والميل النفسي لا نفي استطاعة العدل في المبيت والنفقة، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وشرحه بقوله وعمله فتزوج زوجات وعدل بينهن في المعيشة والنفقة وقال: « اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » [1] . وأجمع الصحابة على جواز تعدد الزوجات وعملوا بذلك وهم عرب وبلغتهم نزل القرآن، وهم أفهم من الدرزي وأمثاله ممن يتبعون أهواءهم في تفسير كتاب الله مجاراة للنصارى والملحدين، وإرضاء للجنس اللطيف في نظرهم. وقد حرف الدرزي لفظ الآية الرابعة، وهي قوله تعالى:   ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ [ النساء : 129 ] ، وأدخل فيها ما ليس منها.

    س16: هل يجوز عندكم الطلاق؟

    ج16: نعم، يجوز الطلاق لأسباب مشروعة، وأما الذي يطلق لغير سبب مشروع أو غير تراضي بينه وبين مطلوقته فعليه أن يقدم لها نصف ما يملك، وأما إذا كانت هي المتسببة في الطلاق من جراء جرم فعلته فعليها دفع نصف ما تملك للزوج. اعترف الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (16) بأن الطلاق جائز لكن لأسباب مشروعة وأبهم هذه الأسباب التزامًا بمبدأ التقية في عدم بيان حقيقة مذهب الدروز كما هو دأبهم في حديثهم مع من يخالفهم، ثم أضاف إلى ذلك طامة كبرى وتشريعًا ما أنزل الله به من سلطان، فأوجب على الزوج أن يقدم لزوجته نصف ما يملك إن طلقها بغير سبب مشروع أو عن غير تراض بينهما، وأوجب عليها أن تدفع نصف ما تملك للزوج إن كان طلقها من أجل جرم فعلته، وهذا مخالف صراحة لما شرع في الإِسلام من حقوق الزوجين عند الطلاق، ومناقض لما قاله في جوابه عن السؤال الأول: ديننا الإِسلام.  

    س17: سمعنا أنكم تعتقدون التقمص وعلى أي شيء تبنونه؟

    ج17: نعم نعتقد التقمص ونبني هذا الاعتقاد على سببين أحدهما المنقول والثاني المعقول، فأما المنقول قول الآية الكريمة: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ البقرة : 28 ] ، فمن هذه الآية الكريمة وبعض آيات غيرها نفسرها طبقًا لهذا المعتقد. وأما الذي من المعقول فهو لما كان الله تعالى عادل في خلقه فلماذا جعل بينهم هذا التفاوت العظيم من غنى وفقر وسعد ونحس وحسن وقبيح. طالما الناس يخلقون جديدًا في هذه الدنيا فمن هذا التفاوت الكبير ومن اعتقادنا الراسخ بأن الله جل جلاله منتهى العدل، ومن الآية الكريمة المار ذكرها فإننا نعتقد التقمص. ذكر الدرزي التقمص في جوابه عن هذا السؤال (17) وأدلته من النقل والعقل في نظر الدروز، وقد تقدم بيان معنى التقمص ومناقشة أدلتهم النقلية عليه في الفقرة الرابعة من مناقشة المحاورة الأولى وبيان أن القول به مجرد خرص وتخمين، فإن تفصيل البعث والجزاء يوم القيامة وبيان نوعه وكيفيته من الأمور السمعية التي لا مجال للعقول في تحديدها.   وأما ما استدلوا به عقلاً من كمال عدل الله وحكمته وتفاوت الخلق في سلوكهم وأخلاقهم وأعمالهم وأرزاقهم، وأن مقتضى عدله تعالى فيهم أنه يجزي كل نفس بما كسبت بأن يخلقهم مرة أخرى في الدنيا ليوفي كل نفس جزاءها وذلك يجعل روح من مات في بدن آخر في الدنيا لتشقى بوجودها فيه. فيقال: لا دلالة في ما ذكر على خصوص عود روح عند موت صاحبها إلى بدن آخر في الدنيا، بل ذلك مجرد تخمين، وإنما دل على تفصيل الجزاء وكيفيته نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة وأن ذلك يكون في يوم آخر بعد انتهاء الدنيا يسمى: يوم البعث والنشور ويوم القيامة. وقد يعجل الله بعض الجزاء لبعض عباده في الدنيا كما يشاء لا كما عينه الدروز في التقمص - التناسخ - خاصة.

    س18: هل تعتقدون أن عمر وأبا بكر وعثمان هم أحق من علي بالخلافة بعد النبي أم علي أحق منهم؟

    ج18: هذا شيء يعلمه الله تعالى، ولكن نحن نعتقد بأن العمر محتوم؛ عملاً بالآية: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [ المنافقون : 11 ] ، وحيث إن أبا بكر وعمر وعثمان توفوا في حياة علي فلو ولي علي الخلافة بعد النبي لكان أبو بكر وعمر وعثمان توفوا في حياته، ولم يتسن لهم تأدية رسالتهم إلى الأمة لذلك قضت مشيئة الله عز وجل   بما قضت حتى يؤدي كل واحد منهم رسالته في حينها خدمة للأمة بتقدير من الله عز وجل. حاد الدرزي عن الجواب على هذا السؤال (18) فقال: (الله أعلم) ولزم التقية كما هو دأبه ودأب قومه في إخفاء حقيقة مذهبهم على من ليس منهم، ثم فلسف تأخير خلافة علي عن الثلاثة الخلفاء فلسفة ملتوية، فذكر أن الله علم أن الثلاثة سيموتون قبل علي فجعل خلافتهم قبل خلافته ليؤدي كل منهم رسالته خدمة للأمة ولو تولى علي الخلافة قبلهم لم يتسن لهم أن يتولوها لوفاتهم قبله، فاقتضت مشيئة الله أن يكون واقع الخلافة كونًا على الترتيب المعروف، وفي هذه الفلسفة حيدة عن الجواب عما سئل عنه من الحكم الشرعي إلى بيان ما زعمه حكمة للترتيب الكوني، ومع ذلك فجوابه مناقض لعقيدتهم في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فإنهم يسبون الثلاثة ويؤلهون عليًّا ، فالجواب كله حيدة ومواربة وتطبيق لمبدأ التقية، ويفهم من كلامه أن تولي الخلفاء الثلاثة الخلافة قبل علي لم يكن لفضلهم عليه، وإنما كان لأمر كوني اقتضته مشيئة الله، وهذا خلاف ما أجمع عليه أهل السنة.

    س19: هل تفضلون أبا بكر وعمر وعثمان وعلي حسب ترتيبهم في الخلافة؟

    ج19: نعم، ولكن في ذات الوقت لا نفضلهم في المنزلة   على أحد بل نعتقد أن عليًّا أعلى منهم وذلك عملاً بكلام الرسول حيث قال في حجة الوداع يوم الخطبة: (من كنت أنا مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه... ). تناقض الدرزي في جوابه عن هذا السؤال (19) وغمط الخلفاء الثلاثة الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان حقهم في الفضل فقال: نعم، أي: نفضل الخلفاء الأربعة حسب ترتيبهم في الخلافة، ثم قال: لا نفضلهم في المنزلة على أحد، وهذا صريح في أنهم لا يفضلونهم على أحد من الخلق عامة. ثم أخبر بأن عليًّا أعلى منهم رضي الله عنهم أجمعين مع أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عليًّا أخبر أن أبا بكر وعمر أفضل منه رضي الله عنهم، ومع إجماع الأمة على أن أبا بكر وعمر أفضل منه، والجمهور على تفضيل عثمان عليه رضي الله عنهم، ثم استدل لأفضليته عليهم بحديث: « من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه » [2] الحديث. فقد أجاب عنه شيخ الإِسلام ابن تيمية بما يأتي: وأما قوله: « من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه » [3] ... إلخ) فهذا ليس في شيء من الأمهات إلاَّ في الترمذي ، وليس فيه إلاَّ « من كنت مولاه فعلي مولاه » [4] ، وأما الزيادة فليست في الحديث، وسئل عنها الإِمام أحمد فقال: زيادة كوفية، ولا ريب   أنها كذب لوجوه: (أحدها) أن الحق لا يدور مع معين إلاَّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال، ومعلوم أن عليًّا ينازعه الصحابة وأتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل. وقوله: (اللهم انصر من نصره... ) إلخ خلاف الواقع قاتل معه أقوام يوم (صفين) فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا (كسعد) الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرًا من بلاد الكفار ونصرهم الله. وكذلك قوله: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) مخالف لأصل الإِسلام، فإن القرآن قد بيّن أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض، وقوله: « من كنت مولاه فعلي مولاه » [5] فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسنه، فإن كان قاله فلم يرد به ولاية مختصًّا بها، بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإِيمان التي للمؤمنين والموالاة ضد المعاداة. ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم، ففيه رد على النواصب. اهـ.

    س20: يتضح مما تقدم أن كل شيء عندكم من الاعتقاد تبنونه إما على آية كريمة أو على حديث شريف؟

    ج20: نحن لا نعمل بالرأي أو القياس ولكن بما أمرنا به. لا عبرة بما جاء في هذا السؤال (20) وجوابه من الاعتراف   بأن الدروز يبنون عقيدتهم إما على آية أو حديث؛ لما تقدم من أن المناظرة مصطنعة، وعلى تقدير أن لها واقعًا فليس كل مناظر من المسلمين يمثل أهل السنة. ودعوى الدرزي أن الدروز لا يعملون بالرأي ولا بالقياس دعوى يكذبها الواقع بشهادته بإلحادهم وعملهم بالهوى وفيها مواربة وتقية حيث قال: ولكن نعمل بما أمرنا به فبنى الفعل للمجهول حتى يتم له التلبيس فيمن يكون منه الأمر أهو الحاكم بأمره وسائر الأئمة المعصومين بزعمهم أم غيرهم، ولا غرابة فالتقية شعارهم وهم لا يألون جهدًا في استعمالها. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


    1) سنن الترمذي النكاح (1140) ، سنن النسائي عشرة النساء (3943) ، سنن أبو داود النكاح (2134) ، سنن ابن ماجه النكاح (1971) ، مسند أحمد بن حنبل (6/144) ، سنن الدارمي النكاح (2207).
    2) سنن الترمذي المناقب (3713) ، مسند أحمد بن حنبل (4/368).
    3) سنن الترمذي المناقب (3713) ، مسند أحمد بن حنبل (4/368).
    4) سنن الترمذي المناقب (3713) ، مسند أحمد بن حنبل (4/368).
    5) سنن الترمذي المناقب (3713) ، مسند أحمد بن حنبل (4/368).

التعليقات