• رهن العقار والديار، على مديري الكنائس والأديار

    ما قولكم فيمن يرهن عقاره أو دياره على مديري أموال الكنائس والأديار ويوفيهم ما اصطلح معهم عليه من ربح المال شهريًا ويدعي أن ذلك ليس من المعاملات الربوية، ما هو حكمه؟ هل يفسق بهذا الفعل أو هذا الاعتقاد، أم له فيه فسحة أو مسامحة؟ وما يقال في مساهمة أو معاملة من هذا ديدنه؟ إن أشبعتم الفصل والنقل في هذا الباب فهو من المهم في الدين لتساهل أهل هذه الجهة في الاحتياط والورع، بل تقادعهم في الحرام السحت والطغيان، وتعاقدهم على الإثم والعدوان، وتقاعدهم عن المبرات والإحسان، فصارت معاملتهم كلها فاسدة بما يدعونه صحيحًا، وقد عم الربا هذا القطر (جاوى) من غير مبالاة، فعسى أن يحصل لهم بما تضعونه ارتداع. ولكم ثواب الدلالة على الهدى وإيضاح الحق[1].

    مديرو الكنائس والأديار كغيرهم من الناس في المعاملات المالية ما خصهم الدين بأحكام في العقود والمعاوضات، فالرهن عندهم كالرهن عند غيرهم، إن جائزًا في نفسه فجائز معهم، وإن ممنوعًا فممنوع. والدين قد حرم الربا لما فيه من قساوة القلب وترك التعاطف والمواساة للمحتاج، كما بينا ذلك بالتفصيل في تفسير آيات الربا، وبينا ما هو الربا المحرم بالنص، فيراجع في المجلد التاسع.

    واعلم أنك إذا عددت كل ما يقوله المصنفون في كتب الأحكام التي يسمونها فقهًا من أمور الدين، وحكمت بفسق التارك لبعض شروطهم في هذه المعاملات الدنيوية، فإنك تقذف بالمسلمين في مأزق من الحرج، لا قبل لهم به ولا طاقة لهم باحتماله. إن الدين حرم الربا والغش والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، والضرر والضرار، وكل ما فيه إفساد للأخلاق وتدنيس للأرواح، وأوجب عليهم الوفاء بالعقود، وأقرهم على عقودهم ما لم تحل حرامًا أو تحرم حلالًا، وأباح لهم بعد ذلك أن يتعاملوا كيف أرادوا بالتراضي بينهم، كما بينا ذلك مرارًا، وهم غير مكلفين بالعمل بآراء الفقهاء واجتهادهم التي لا دليل عليها في النص إلا إذا أمر الحكام بالقضاء فيها، فحينئذ تتبع لأجل أن تكون المعاملات نافذة لا تدينًا وتعبدًا، مثال ذلك: اشتراط الإيجاب والقبول في البيع مثلًا لم يتعبدنا الله به، وقد قال به من قال اجتهادًا لما رآه من المصلحة فيه، فإذا تعارف الناس نوع من المعاطاة وتراضوا به جاز لهم ذلك دينًا، ولكنهم يضطرون إلى التزام الإيجاب والقبول، إذا أرادوا أن يكون البيع نافذًا عند حاكم يشترطه.

    [1] المنار ج10 (1907) ص46-47.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 213 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات