• يزيد بن معاوية الناس فيه طرفان ووسط

    إن كثيرًا من الأتراك المسلمين يلعنون معاوية وابنه يزيد على الدوام فهل هم محقون في لعنتهم أم لا؟

    أما معاوية رضي الله عنه فهو أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد كتاب الوحي، وأصحابه رضي الله عنهم خير المؤمنين، وقد ورد النهي عن سبهم، ومن باب أولى النهي عن لعنهم، فثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: « خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم » [1] ، وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: « لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » [2] .

    وقد روي بإسناد جيد في شأن معاوية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه سوء العذاب » [3] ذكر ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله. إذا علم ذلك فمن أصول أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    (أ) من لعن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان معاوية أو غيره رضي الله عنهم جميعا فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل.

    (ب) سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى:
    ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [ الحشر : 10 ] .

    (ج) ويقولون: إن الآثار المروية في مساويهم منها ما هو   كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منها هم فيه معذرون إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران وإما مجتهدون مخطئون لهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإِثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من الحسنات والسوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى أنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم ونصيفه إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم كما سبق بيان ذلك، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم، ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل مغمور في جانب فضائل القوم ومحاسنهم من الإِيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح.

    (د) ويقولون: يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة   والإِمساك عما شجر بينهم فلا يقال بالعصمة لطائفة والتأثيم لأخرى، بخلاف أهل البدع من الشيعة والخوارج الذين غلوا من الجانبين، طائفة عصمت، وطائفة أثمت فتولد بينهم من البدع ما سبوا له السلف، بل فسقوهم وكفروهم إلاَّ قليلاً كما كفرت الخوارج عليًّا وعثمان واستحلوا قتالهم، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: « تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق » [4] ، فقتلهم علي وهم المارقة الذين خرجوا على علي وكفروا كل من تولاه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي: « إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » [5] ، فأصلح به بين شيعة علي ومعاوية ، فدل على أنه فعل ما أحبه الله ورسوله، وأن الفئتين ليسوا مثل الخوارج الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ ولهذا فرح علي بقتاله للخوارج وحزن لقتال صفين والجمل وأظهر الكآبة والألم، كما يجب تبرئة الفريقين والترحّم على قتلاهما؛ لأن ذلك من الأمور المتفق عليها، وأن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة وقد شهد لها القرآن بأن قتال   المؤمنين لا يخرجهم عن الإِيمان فقال تعالى:
    ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [ الحجرات : 9 ] الآية، والحديث المروي: " إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون " كذب مفترى لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، ومعاوية لم يدّع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليًّا ، ولم يقاتل عليًّا على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة ولا كان هو وأصحابه يرون ابتداء علي بالقتال، بل لما رأى علي أنه يجب عليهم مبايعته وطاعته إذ لا يكون للناس خليفتان وأن هؤلاء خارجون عن طاعته رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا الواجب وتحصل الطاعة والجماعة، وهم قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم حتى يؤخذ حق عثمان رضي الله عنه من الذين خرجوا عليه وقتلوه ممن هم في جيش علي رضي الله عنه.

    وأما يزيد بن معاوية فالناس فيه طرفان ووسط، وأعدل الأقوال الثلاثة فيه أنه كان ملكًا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلاَّ في خلافة عثمان رضي الله عنه، ولم يكن كافرًا ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبًا ولا من أولياء الله الصالحين. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله [6] : وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة، وأما بالنسبة للعنه فالناس فيه ثلاث فرق: فرقة لعنته، وفرقة أحبته، وفرقة لا تسبه ولا تحبه، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا هو المنصوص عن الإِمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين، وهذا القول الوسط مبني على أنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه أو بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريمًا وإما تنزيهًا، فقد ثبت في [ صحيح البخاري ] عن عمر في قصة عبد الله بن حمار الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لعنه بعض الصحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله » [7] ، وقال صلى الله عليه وسلم: « لعن المؤمن كقتله » [8] متفق عليه.

    وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى والزنا والسرقة فلا يشهد بها على معين بأنه من أصحاب النار لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح: إما توبته، وإما حسنات، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وغير ذلك من المكفرات للذنوب هذا بالنسبة لمنع سبه ولعنه. وأما بالنسبة لترك المحبة فلأنه لم يصدر منه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته، فبقي واحدًا من الملوك السلاطين، ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة، ولأنه صدر عنه ما يقتضي فسقه وظلمه في سيرته، وفي أمر الحسين وأمر أهل الحرة.

    وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


    1) أحمد (4 / 426 ، 427 ، 440)، والبخاري [فتح الباري] برقم (2651 ، 2652 ، 3650 ، 3651 ، 6428 ، 6429 ، 6658 ، 6695)، ومسلم برقم (2533 ، 2534)، وأبو داود برقم (4657)، والنسائي في [المجتبى] برقم (3840)، والترمذي برقم (2222 ، 2223 ، 2303).
    2) أحمد (3 / 11 ، 54)، وفي [فضائل الصحابة] برقم (5 ، 6 ، 7 ، 1735)، والبخاري [فتح الباري] برقم (3673)، ومسلم رقم (2540 ، 2541)، وأبو داود برقم (4658)، والترمذي برقم (3860)، وابن ماجه برقم (161)، وابن أبي عاصم في [السنة] برقم (988 ، 991).
    3) أحمد (4 / 127)، وفي [فضائل الصحابة] برقم (1748 ، 1749) والآخير مرسل، والبزار والطبراني كما في [مجمع الزوائد] (9 / 356)، وقال: (وفيه الحارث بن زياد)، وعزاه للطبراني أيضا في نفس الصفحة مرسلا، وقال الذهبي في [سير أعلام النبلاء] (3 / 120): (له شاهد قوي من حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة)، وأخرجه البخاري في [الكبير] (4 / 1 ، 327)، وابن حبان في صحيحه برقم (22078).
    4) أحمد (3 / 32 ، 48)، ومسلم (1065)، وأبو داود برقم (4667).
    5) أحمد (5 / 38 ، 44 ، 51)، وفي [فضائل الصحابة] برقم (1354 ، 1400)، والبخاري [فتح الباري] برقم (2704 ، 3629 ، 3746 ، 7109)، وأبو داود برقم (4662)، والترمذي برقم (2775)، والنسائي في [المجتبى] (3 / 107)، وعبد الرزاق في [المصنف] (11 / 452).

    6) [مجموع الفتاوى] 3 / 409 ، 414) و (4 / 443 ، 484 ، 506).
    7) البخاري [فتح الباري] برقم (6780)، وأبو يعلى الموصلي في [المسند] برقم (176 ، 177).
    8) صحيح البخاري الأدب (6105) ، صحيح مسلم الإيمان (110) ، مسند أحمد بن حنبل (4/33) ، سنن الدارمي الديات (2361).

التعليقات

فتاوى ذات صلة