• هلال الصوم والفطر

    قد أشكلت علينا مسألة منذ أعوام، وذلك عند حلول رمضان وإثبات الصوم أو الفطر، افترق أهل البلدة لثلاث فرق.

    وإليك نبأهم بالتفصيل:

    الفرقة الأولى - تحتج بظهور هلال رمضان، أو الفطر عيانًا في قطرها وثبوته بالتواتر، كما هو محرر بالكتب الفقهية، فإذا ثبت هلاله صامت، وكذا أفطرت، وإذا غم أكملت عدة شعبان ثلاثين يومًا، وهؤلاء هم فقهاء البلدة ومشايخهم.

    الفرقة الثانية - تعتمد في صومها وإفطارها على قنابل الحكومة المطلقة إيذانًا بحلول رمضان أو الفطر محتجة بأن هذه القنابل لا تطلق إلا بإذن شيخ الإسلام بعد ثبوت هلال الشهر لديه، ويصل إلى البلاد الأخرى على لسان البرق.

    الفرقة الثالثة - تعول في صومها وإفطارها على قاعدة منسوبة للإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، وهي في كتاب عجائب المخلوقات للقزويني ونصها: «قال جعفر الصادق رضي الله عنه: إذا أشكل عليك أول شهر رمضان فعد الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي، فإنه أول يوم من شهر رمضان الذي في العام المقبل وقد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحًا» ا هـ. من عجائب المخلوقات.

    فأرجو الأستاذ إفادتي عن المسألة مبينًا وجه الحق في الاتباع، وأرجو أن لا تحيلونا على ما مضى، إذا سبق في هذا الموضوع جواب، ليحق الله الحق، ويخرجنا من ظلمة التقليد بساطع أنوار الحق التليد والسلام[1].

    كتبنا في باب الأخبار النبوية الواردة في الصيام فصلًا فيما يثبت به الصيام والفطر، هذا نصه[2] وعدد الأحاديث فيه تابع لما قبله: فصل فيما يثبت به الصوم والفطر.

    - جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قال: نعم.

    قال: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قال: نعم، قال: «يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا» رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عكرمة عن ابن عباس. وفي رواية لأبي داود: فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يصوموا وأن يقوموا. وفي حديث آخر عند أبي داود: أن النبي عليه السلام اكتفى مرة بشهادة ابن عمر في الصيام. وهو حجة على ثبوت الصوم بشهادة رجل واحد.

    - عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله لأهلًا الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود وزاد في رواية: وأن يغدو إلى مصلاهم.

    - قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر. وفي رواية البخاري وغيره: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، وفي رواية لمسلم وغيره: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» وأشار بالعقد إلى 29 و30، وفي لفظ الشيخين: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وظاهر أن الكلام في رؤية الهلال وعدمها. ومعنى اقدروا له: احسبوا، وقدروا، يقال قدره (من بابي ضرب ونصر) وأقدره وقدر له، وغبي هنا بمعنى غم في الروايات الأخرى أي لم يظهر. والأحاديث تنص في أن العبرة برؤية الهلال، لا بحساب الحاسبين، وتقاويم المنجمين، وذلك أن هذا الدين عام للبدو والحضر، فوجب أن تكون مواقيت عباداته معروفة عند عامة المكلفين، غير مخصوصة بطائفة الحاسبين، وجاء في بعض الروايات «وَانْسُكُوا لَه» فمواقيت الحج تعرف برؤية الهلال أيضًا.

    - عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، (قال): فقدمت فقضيتُ حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: ولكننا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا - هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. الأظهر أنَّ المشار إليه بقوله: «هكذا أمرنا رسول الله» هو قوله: لكننا رأيناه ليلة السبت» إلخ. فإنه هو المنطوق الموافق للمروي، وقيل: إنه أشار إلى ما يفهم من قوله من عدم اعتداد أهل بلد برؤية أهل بلد آخر، وهو غير مروي في المرفوع، ولا هو صرح به، فنكتفي بروايته، فالراجح إذًا حمل قوله على المروي المعروف. وقد اختلف علماء السلف في المسألة، فقيل: يعتبر كل أهل بلد رؤيتهم بعدت البلاد أو قربت. وقيل: لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر، إلا إذا ثبت عند الإمام الأعظم فَبلَّغه، لأن حكمه نافذ في جميع البلاد. وقيل: إن تقاربت البلاد كان حكمها واحد، وإن تباعدت عمل كل برؤيته، واختلفوا في حد البعد، فبعضهم ناطه باختلاف المطالع وهو الوجه العلمي، وبعضهم ناطه بمسافة القصر وهو قياس فقهي. وقد رجَّح النووي وغيره من الشافعية كل واحد من القولين، وقطع بكل منهما جماعة من الفقهاء. ونقول إذا اختلفت الرؤية في البلاد المتقاربة، فإن كان هناك حاكم شرعي ورجح شهادة وبلغها للناس، وجب أن يعتمدوا عليها، ولا يلتفتوا إلى رؤية الآخرين لينضبط الأمر، ولا يكونوا فوضى في إقامة ركن من أركان دينهم، هذا صائم وهذا مفطر.

    وإن اختلفت في البلاد المتباعدة، فهناك النظر والاجتهاد، وقد رأيت أن بعضهم اعتبر البعد باختلاف مطالع القمر، وبعضهم اعتبر بمسافة القصر والأول يستلزم تحكيم علماء الفلك. وقد ذكرنا أن غرض الشرع أن يجعل ما تعرف به مواقيت العبادة عامًّا، يعرفه العوام والخواص حتى لا يتحكم الكبراء في المسائل الدينية، كما فعلوا في الأمم السالفة. والثاني يمكن أن يتجه لو ورد حديث يذكر فيه اختلاف الحكم ببعد البلاد، فيقال حينئذ إن مسافة القصر هي البعد الشرعي الذي تختلف به الأحكام.

    وهناك وجه آخر في البعد والقرب، ربما كان أجدر بالاعتبار، وهو أن البلاد المتصلة التي بين أهلها امتزاج وتعامل كالبلاد المصرية كلها تعد بلادًا متقاربة، ولا ينبغي أن يكون بعض أهلها مفطرًا وبعضهم صائمًا بحجة اختلاف الرؤية، فإذا ثبتت الرؤية في بعضها، يصوم الجميع وإلا أكملوا عدة شعبان ثلاثين، وصاموا متفقين، وما يفعلونه الآن في الأقطار الإسلامية من الإثبات في مكان، وإعلام الآخرين به حسن في ذاته، وغير حسن ما يحتف به من البدع.

    وأما البلاد التي لا صلة بينها قوية سهلة، ولا تعامل بينها إلا بمهاجرة بعض أهلها من إحداها إلى الأخرى، فلا بأس باعتبار كل ما يثبت عنده، وإن تيسر إعلام كل قطر الآخر بنبأ البرق الذي يؤمن تزويره، ولو كان للمسلمين إمام أعظم ينفذ حكمه الشرعي في جميع بلادهم، وتيسر له إعلامهم بما يثبت عنده من الرؤية وصاموا بذلك لكان له وجه من الحسن، واتجه... قال ابن الماجشون» ا هـ. ما في المجلد السادس.

    وقد سقط من آخره شيء وأصله: «واتجه ما قاله ابن الماجشون من أنه لا يلزم أهل بلد برؤية غيرهم، إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد لنفوذ حكمه فيها». وجملة القول أنَّ العبرة بالرؤية أو إكمال العدة، فإذا ثبت عند الحاكم وأعلم بها الناس، عملوا بإعلامه.

    [1] المنار ج10 (1907) ص530-534.
    [2] المنار ج6 (1903) ص814-816.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 238 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة