• مشكلتان في القضاء الإسلامي: أحدهما واردة على حكم القاضي باجتهاده، والثانية على تعدد المذاهب

    1- قرر الفقهاء أن يكون القاضي مجتهدًا، ومعناه أنه يحكم بما أداه إليه اجتهاده، ويلزم من هذا أن يكون المتحاكمون جاهلين بالأحكام التي يحكم لهم أو عليهم بها، وفي ذلك ما فيه، وهو مما يعد على الفقه الإسلامي.

    2- إن ما جرى عليه المسلمون من حكم القاضي بأحد المذاهب التي قلدها الجمهور (وهو مذهب الحاكم العام في كل مملكة غالبًا أو دائما) يستلزم إذا استبدل قاض تابع لمذهب بقاض تابع لآخر، أن يحكم القاضي الجديد بمذهبه بين المتعاقدين مع مراعاة مذهب من قبله، وقد تكون الشروط الأولى التي التزموها ورضوا بها لموافقتها المصلحة باطلة عند القاضي الأخير، فتفسد المصلحة على أحد المتعاقدين أو كليهما. ومما يدخل في هذا الباب انتقال المتعاقدين أو الشريكين من بلد إلى بلد آخر يخالف مذهبه مذهب الأول.ومثل هذا مما صرحت القوانين الأوربية بحكمه[1].

    إجابة السؤال الأول: إن الدين الإسلامي لم يأت بقوانين وأحكام مفصلة لجميع ما تحتاج إليه الأمة في معاملاتها الدنيوية، وإنما جاء ببعض القواعد العامة والأحكام التي احتيج إليها في عصر التنزيل، وفوض القرآن الأمر فيما يحتاج إليه من أمور الدنيا السياسية والقضائية والإدارية إلى أهل الرأي والمعرفة بالمصالح من الأمة بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] ولهذا أمر بطاعة هؤلاء الذين سماهم أولي الأمر وهم أهل الشورى في الآية الأخرى فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. فهذا ما جاء به الإسلام، وهو هداية تامة كاملة لا تعمل بها أمة إلا وتكون مستقلة في أمورها مرتقية في سياستها وأحكامها، يسير بها أهل الرأي والمعرفة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة التي يقتضيها الزمان والمكان، ومن ذلك أن يضعوا القوانين وينشروها في الأمة، ويلزموا القضاة والحكام باتباعها والحكم بها، ولكن المسلمين لم يهتدوا بذلك على وجه الكمال. أما أهل الصدر الأول فقد قاموا بما تقتضيه حال الزمان والمكان بقدر الإمكان، لاسيما على عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد كان ما هو معروف عندهم أتم المعرفة من أحكام القرآن، وأقضية الرسول وسنته في تحري العدل والمساواة وافيًا بمعظم حاجاتهم القليلة بمقتضى السذاجة الفطرية، وشظف العيش والتمسك بالدين، ومن لوازمه قلة الاعتداء والاحتيال، فكان يكتفى في القاضي أن يكون عالمًا بما ذكر، صاحب بصيرة فيه، وعدالة في نفسه، بحيث إذا عرض له قضية لم يرد فيها كتاب ولم تمض بها سنة -ولعل ذلك قليل- أن يعمل رأيه [في] تطبيقها على العدل، ويقيسها بما يشبهها مما ورد. ولم يكن الناس في ذلك العهد يشعرون بأنهم في حاجة إلي معرفة ما عساه يعرض من أحكام القضايا غير المنصوصة، ليدون وينشر بل لم يكن ذلك متيسرًا لغلبة الأمية على المسلمين ولتفويضهم أمر الذين يدخلون في ذمتهم إلى حكم أنفسهم بأنفسهم، ونتيجة ذلك أنهم لم يكونوا محتاجين إلى وضع القوانين ونشرها، ولذلك صرفوا همتهم إلى الدعوة إلى الإسلام، وما يتبع ذلك من الفتوحات. ومما يدل على أن ما كانوا عليه كان كافيًا في إقامة العدل وراحة الناس وأمانهم، بحيث لا يشعرون بحاجة إلى معرفة ما كانوا يحكمون به، ما رواه ابن سعد في الطبقات وابن راهويه عن عطاء قال: كان عمر يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: (أي على مسمع الملأ من أهل الموسم الواردين من الجهات): «يا أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ولا من أعراضكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم». فما قام أحد إلا رجل قام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عاملك فلان ضربني مئة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه. فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، وتكون سنة يأخذ بها من بعدك. قال (عمر): «أنا لا أقيد، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه؟ (القود القصاص وأقاد من نفسه مكنه من القصاص. وأقاد القاتل بالقتل قتله به)[2] قال (عمرو): فدعنا لنرضيه. قال: «دونكم فارضوه». فافتدى منها بمئتي دينار، عن كل سوط بدينارين، ا هـ. والشاهد في عدم قيام أحد من أهل الموسم يشكو العمال غير هذا الرجل. وقد كتبنا في المجلدين الرابع والخامس من المنار مقالات أو نُبذًا في القضاء في الإسلام، ومما كتبناه في أول النبذة الرابعة ما نصه (ص 166 م 5)[3]. «أركان القضاء وأصول الحكم في الإسلام أربعة - الكتاب العزيز والسنة المتبعة، والاجتهاد في الرأي، والمشاورة في الأمر - وإنها لأركان عظيمة، وأصول قويمة، والأساس الذي بنيت عليه هذه الأركان: «درء المفاسد وجلب المصالح والمنافع». ولهذا كان الاجتهاد شرطًا في القاضي لوجوب تطبيق الأحكام على المنفعة في كل زمان ومكان بحسبه». وأقول الآن: فقد كان قضاة المسلمين ممن يسمون بلسان الأوربيين الآن بقضاة العدل والإنصاف». ثم أوردنا الأحاديث وآثار الصحابة الدالة على تلك الأركان، ومما أوردناه في سنتهم في الاستشارة وعدم الاستبداد فيما لا نص فيه ما جاء في (ص127 م5)[4].

    «روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة، فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: «أتاني كذا وكذا، فنظرت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟» فربما قام الرهط، فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عند ذلك: «الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا». وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم (أي الذين هم أولو الأمر في الآية) فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به. وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك» وكان يرجع إلى أقضية أبي بكر، إلخ. أقول: فأنت ترى أن ما جروا عليه في الصدر الأول كان منتهى الكمال الممكن في عصرهم الكافل لحاجتهم.

    ولكن حدثت للمسلمين بعد ذلك حاجات أخرى، فقد فتحوا المدائن والأمصار، ودخل الناس في دينهم أفواجًا من جميع الأمم والملل، فكثرت حاجات العمران، وحدثت للناس أقضية كثيرة لم يكن لها نظير في الصدر الأول، كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا. ثم إن هؤلاء الناس لم يكونوا من فهم الدين والاهتداء به كما كان أهل العصر الأول، ومن ثم احتيج إلى وضع قوانين عامة يعرفها الناس ويتقاضون بها، وكان يجب بمقتضى هداية القرآن أن يجتمع لذلك أولو الأمر، وهم المعبر عنهم في الأثر المذكور آنفًا برؤوس المسلمين وعلمائهم، فيضعوه وتجري ما يظهر لهم إن الأحكام عليه، ما لم يروا تحويره وتنقيحه. ولكنهم تركوا ذلك للأفراد يكتبون متفرقين ما يظهر لهم أن الأمة محتاجة إليه فكثرت المذاهب والآراء، وكان ينصب القاضي من هؤلاء الأفراد المنصرفين إلى وضع الأحكام برأيهم واجتهادهم، حتى إذا ما ضعف العلم بفشوّ تقليد أفراد من المصنفين في الأحكام، صار الحكام المستبدون يولون القضاء أفرادًا من متعلمي مذاهبهم، فكان ذلك نقصًا في القضاء عند المسلمين، سببه عدم الاهتداء بما سبق تقريره من أصول الدين، مع ما طرأ عليهم من الأمراض الاجتماعية والفتن السياسية، فتبعة التقصير على المسلمين لا شيء منه يلصق بهداية الإسلام. فوض القرآن لجماعة أولي الأمر أن يستنبطوا للأمة ما تحتاج إليه بالشورى فلم يفعلوا، ونهاهم عن تقليد الأفراد فقلدوهم، ونهاهم في آيات كثيرة عن التفرق والخلاف فتفرقوا واختلفوا، ولو وضع لهم أولو الأمر قانونًا مدونًا لا خلاف فيه، بحيث يعرف الحاكم والمحكومون ما به يكون الحكم، لكانوا مهتدين بهدي الإسلام، ولم يمنع ذلك من أن يكون القاضي مجتهدًا كما كان في عهد السلف مع التزام أحكام الكتاب والسنة، فإن ما يضعه أولو الأمر لمصلحة الدنيا واجب الاتباع بنص القرآن، كما يجب اتباع الله ورسوله، وحينئذ يكون جل اجتهاد القاضي في تطبيق أحكام الكتاب والسنة، وقانون أولي الأمر على القضايا، وأقله فيما عساه يعرض من القضايا التي أغفلها القانون ولا نص فيها، ويشترط في ذلك أن يقرن اجتهاده باجتهاد غيره. كما يحصل نظير ذلك في محاكم الاستئناف على الطريقة الأوربية.

    إجابة السؤال الثاني: هذا مما يرد على المسلمين وفقههم، ولا يرد على أصول الإسلام نفسه. وهي التي نلتزم في المنار بيان موافقتها لمصلحة الناس في كل زمان ومكان، إذا أقيمت على وجهها دون هذا الفقه، وبيان ذلك يعلم مما تقدم في المسألة السابقة من أن القرآن وَكَّلَ ذلك إلى أولي الأمر يستنبطونه بالمشاورة بينهم، لا يلتزمون في ذلك إلا الأصول المنصوصة المجمع عليها من إقامة ميزان العدل، ودرء المفاسد وحفظ المصالح، وهذا لا يمكن مع التقليد الذي هو التزام الأمة مذهب أحد أفراد العلماء السابقين، ولذلك ننحي دائمًا على التقليد، ونقول: إنه والإسلام ضدان. والحكم بما يضعه أولو الأمر على ما ذكر ليس تقليدًا، بل هو عين الاجتهاد. ولا يرد عليه ما يضعه جماعة منهم في مملكة، ويراعيه الناس في عقودهم ومعاملتهم، ثم ينتقل بعضهم إلى مملكة أخرى وضع أولو الأمر فيها قوانين أخرى على فرض أن الإسلام يجيز وجود مملكتين مختلفتين في الأحكام، ولا ما يقع إذا مات واضعو قانون وخلفهم آخرون رأوا تغيير بعض أحكامه، فإن مثل هذا واقع الآن في الأمم المرتقية في علم الحقوق فإن الأمم يخالف بعضها بعضًا، وكل أمة تنسخ وتبدل بعض أحكام قوانينها آنًا بعد آن، ويراعون في ذلك مصلحة من تعاملوا من قبل هذا النسخ والتبديل. وأي مانع يمنع المسلمين من ذلك غير هذا التقليد الذي خالفوا به القرآن والسنة، وأقوال جميع الأئمة. وجملة القول إن كل بلايا المسلمين في علم الحقوق عندهم منبعها التقليد، وهي كثيرة جدًّا، ولو اتبعوا هدي الكتاب والسنة، لا نكشف عنهم كل غمة، فقد وسع الله عليهم، ولكنهم ضيقوا على أنفسهم، ولا يمكن إخراجهم من هذه الهوَّة، أو إنقاذهم من هذا المضيق، إلا بنزع أغلال التقليد من أعناقهم وكسر قيوده التي في أرجلهم، وحينئذ يتسنى لهم في أي مملكة لهم فيها حكم أن يؤلفوا لجنة من أهل العلم والرأي والمكانة في الأمة، تضع لهم القوانين والأحكام التي تدرأ هذه المفاسد الكثيرة، وتسهل لهم سبل المصالح التي تقتضيها طبيعة زمانهم ومكانهم، عملًا بهدي القرآن الحكيم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    [1] المنار ج10 (1907) ص627-632.
    [2] المنار ج10 (1907) ص629. الحاشية.
    [3] المنار ج5 (1902) ص166-175.
    [4] ج5 (1902) ص172.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 243 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة