• إثبات رمضان بالحسابات الفلكية

    هل يجوز الاعتماد الكلي على حسابات علم الفلك والتقدم العلمي وما توصل إليه من أجهزة الرصد والعقول الإلكترونية والأقمار الصناعية؟ دون الاعتماد على رؤيا الهلال ولا اتباع ثابت رؤيا الهلال في إحدى الدول الإسلامية كل ذلك بدعوى بُعد الأرجنتين عن العالم العربي والإسلامي ولكون المسلمين فيها يعيشون في مجتمع غير إسلامي وربما يتعذر أو يصعب إبلاغ الناس عن بدء شهر رمضان أو نهايته بنفس الليلة.
     

    أولًا: ثبوت دخول الشهر:

    أ) إذا رؤي الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان أو رمضان أو ذي القعدة أو أي من سائر الشهور القمرية رؤية صحيحة ثبت دخول الشهر، فإن لم ير رؤية صحيحة وجب إكمال العدة ثلاثين يومًا، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ للبخاري.

    ب) والمراد بالرؤية المباشرة بالعين المجردة أو بمساعدة الأجهزة المقربة والمكبرة كالنظارة والنواظير وأجهزة المراصد لأن الرؤية من خلال هذه الوسائل رؤية حقيقية فتدخل في الرؤية المذكورة في الأحاديث الواردة.

    جـ) البينة المطلوبة في إثبات الرؤية: إما التواتر أو الاستفاضة أو شهادة رجلين عدلين فأكثر ولا يقبل أقل من ذلك لما أخرجه أبو داود في السنن (2/404 برقم 2338) والدار قطني في سننه (2/167) أن أمير مكة وهو الحارث بن حاطب خطب ثم قال: (عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما)، وقال الدارقطني: «هذا إسناد متصل صحيح»، وفي رواية أخرى لأبي داود والدارقطني: (ثم أشار إلى ابن عمر فقال ابن عمر بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ولما روى الدارقطني في السنن (2/167) عن شقيق بن سلمة قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين «أن الأهلة بعضها أعظم من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان» قال الدارقطني «رواه شعبة عن الأعمش فقال: «إذا رأيتم الهلال من أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس» وقال: هذا أصح من حديث ابن أبي ليلى وقد تابع الأعمش عن منصور ولقول عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: «إنا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعلمنا منهم، وأنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ ذَوَا عَدْلٍ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَأَنْسِكُوا» أخرجه أحمد (4/321) والنسائي (1/300) والدارقطني واللفظ له ص 232 وإسناده صحيح كما في إرواء الغليل (4/26).

    د) في حالة الاستعانة بالمراصد لا بد أن يكون الرائيان عدلين وأن يكون الإخبار بلغة الشهادة.

    هـ) إذا دل الحساب القطعي على استحالة رؤية الهلال لم تقبل الشهادة لأن من شروط البينة عدم مخالفة الواقع، نقل القليوبي من الشافعية عن العبادي قوله: «إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤيته لم يقبل قول العدول برؤيته وترد شهادتهم بها» ثم قال: «وهو ظاهر جلي ولا يجوز الصوم حينئذ ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة.

    حاشية القليوبي (2/49).

    ومما يدل لذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا[١٢]﴾ [الإسراء: 12].

    وقوله تبارك وتعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ[٥]﴾ [الرحمن: 5]، ومن أمثلة الاستحالة ما يلي:

    1- أن يدل الحساب القطعي على أن الهلال سيغرب مع الشمس أو قبلها.

    2- أن يدل الحساب القطعي على أن الهلال موجود وله مكث بعد غروب الشمس لكن رؤيته مستحيلة ويرجع في تقدير المدة التي تستحيل فيه الرؤية بعد ولادة الهلال إلى قول أهل الخبرة، وقد أفاد الدكتور صالح محمد العجيري -الفلكي الكويتي- بما حاصله: «إن الرؤية بالعين المجردة لا تكون ممكنة قبل مضي عشرين دقيقة على غروب الشمس وإذا كانت الرؤية بالأجهزة الحديثة فلا يمكن أن يرى قبل مضي سبع دقائق على غروب الشمس».

    3- أن يعرف بالحساب القطعي أن هناك كسوفًا سيقع بعد غروب الشمس من يوم التاسع والعشرين من الشهر لأن ولادة الهلال لا تكون إلا بعده، فإذا ادعيت الرؤية ثم حصل الكسوف تبين أن الرؤية باطلة لمخالفة الواقع، وكذلك ترد الشهادة إذا تمكنت التهمة في أمر الشهادة أو غيرها لسبب آخر غير الحساب ومع ذلك ترى الهيئة أنه لابد من الاستعانة في هذه الأمور برأي خبيرين على الأقل للتوثق من هذه العملية.

    و- وترى الهيئة أن الحساب القطعي يجب الأخذ به في حال النفي أي القطع باستحالة الرؤية، أما في حالة إثبات الرؤية فيجوز الأخذ به بمعنى الاستناد إليه في إمكان الرؤية أي دلالة الحساب على أن الهلال موجود رؤيته ممكنة لولا وجود المانع من غيم ونحوه.

    قال ابن دقيق العيد: وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا فهذا يقتضي الوجوب، لولا السبب الشرعي وليس حقيقة الرؤية بشرط في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة (وهي حفرة تهيأ في الأرض في مكان خفي وتغطى) إذا علم بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالأمارات.

    أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه (الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/4).

    ز- إذا دل الحساب على إمكانية الرؤية ولم يكن هناك مانع لكنه لم ير فيجب إكمال عدة الشهر ثلاثين يومًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا».

    ثانيًا: اختلاف المطالع: إذا رؤي الهلال في بلدة رؤية شرعية لزم أهل تلك البلدة الأخذ بتلك الرؤية في إثبات دخول الشهر، سواء أكان الإثبات لهلال رمضان أم غيره، ويلزم أيضًا أهل جميع الإقليم الذي فيه تلك البلدة والبلاد التي تشترك مع ذلك الإقليم في خط الطول، ويثبت حكم تلك الرؤية أيضًا في حق كل قوم لا يتصور عندهم عدم الرؤية وهم أهل كل بلد يقع في جهة الغرب من البلدة التي حصلت فيها الرؤية وأما البلاد التي تقع على جهة الشرق من ذلك الإقليم وتشترك مع إقليم الرؤية في جزء من الليل فإن لهيئة الرؤية في ذلك الإقليم أن تأخذ بتلك الرؤية في الإفطار من رمضان مطلقًا إذا أتموا تسعة وعشرين يومًا.

    وكذلك في دخول شهر رمضان إذا علموا بالرؤية وقد بقي من الليل عندهم ما يكفي لتبييت النية مع السحور دون ضيق.

    يؤخذ بقول الجهة الشرعية المنوط بها ذلك من كل إقليم ما دامت لم تنقض اجتهادها لأن النظر في ذلك اجتهادي، والاجتهاد لا ينفى بمثله إلا إذا خالف نصًا شرعيًا صحيحًا أو خالف الواقع المقطوع به.

    والله أعلم.
     

    مجموعة الفتاوى الشرعية

    رقم الفتوى: 1109 تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة