• أثر عليّ وآله عليهم السلام

    سيدي الفاضل أعرض على حضرتكم ما يأتي بيانه لمحض الاستفسار والاستنباء، وإن كان في صورة الانتقاد وهو: أني قرأت في الجزء الثالث من المجلد العاشر[2] من مجلة المنار الغراء في قسم التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية، حديثًا طويلًا مرويًّا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد رأيت في نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول للحكيم أبي عبد الله محمد بن علي الترمذي رحمه الله، أنه عدّ هذا الحديث من المنكرات حيث قال في الأصل الرابع والأربعين فيما يعدونه صدق الحديث بعد ما ساق الحديث إلى آخره: هذا حديث مزوق قد تطرف فيه صاحبه حتى يشبَّه على المستمعين، والجاهل يعض على شفتيه تلهفًا ألا يكون بهذه الصفة، ولا يدري أن صاحب هذا الفعل مذموم، قال الله عز وجل في تنزيله الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] وهو الذي يفضل عن نفسك وعيالك قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» وافترض الله على الأزواج النفقة لأهاليهم وأولادهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»، أفيحسب عاقل أن عليًّا رضي الله عنه جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانًا صغارًا من أبناء خمس أو ستّ على جوع ثلاثة أيام ولياليها حتى تضوروا من الجوع، وغارت العيون بِخلاء أجوافهم حتى أبكى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما به من الجهد؟ هب أنه أثر في نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل على أطفاله جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟ هذا ما ذكره الحكيم الترمذي في وجه التنكير، إلا أن المتدبر لو تدبر في أحوال هؤلاء الكرام لا يستبعد وقوع هذا الحال منهم، ولذا لم يتبين لي وجهه، والمأمول من الأستاذ إيضاح ذلك حتى ترتفع الشبهة[1].

    إننا قد ذكرنا ذلك الأثر في الإيثار لأجل العِبْرَة به، وقد أشرنا إلى ضعف الرواية بقولنا «ويُروى» ولم نثبته في تفسير الآية، بل وعدنا بذكره في تفسير سورة الإنسان إن أنسأ الله لنا في العمر، وعند ذلك نذكر مكان الرواية والمسألة. وما قاله الحكيم الترمذي بعضه وجيه مقبول، وبعضه منتقد مردود، والإيثار مرتبة وراء مرتبة تقديم الإنسان نفسه على من تجب نفقتهم عليه من أهل وولد، وتقديم هؤلاء على غيرهم، وقد ورد في الصحاح أن كبار الصحابة آثروا على أنفسهم وأولادهم مع الفقر وشدة الحاجة، فكان ذلك سبب ثناء الله عليهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. وقد حررنا هذا المبحث في المجلد الثاني من المنار (راجع ص[11] و[17] منه)، ولا يبعد أن يقصد علي وفاطمة تربية ولدهما على الإيثار إنْ صحّ الأثر من طريق الرواية بنصها أو مبالغة فيها، ولا حاجةَ إلى التطويل في ذلك فالخطب فيه سهل.

    [1] المنار ج11 (1908) ص581-582.
    [2] المنار ج10 (1907).

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 260 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة