• مسألة النسخ بالإجمال

    النسخ، هل هو من أصول الدين، بحيث لا يجوز الخلاف فيه أم هو مسألة خلافية بين المسلمين، كما ذكره الفاضل محمد توفيق في مقالة الناسخ والمنسوخ، وهو يقول أن أُبَيَّ بن كعب رضي الله عنه قال: بعدمه، أي بعدم نسخ القرآن بالقرآن. واستشهدوا عليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما معزوًّا إلى البخاري.

    إلا أننا لم نَرَ نقلًا آخر سوى ما ذكره عن أُبَيّ ما يؤيد هذا القول، وليس في هذا القول أيضًا تصريح بعدم النسخ، وإنما يحتمله كما يحتمل غيره، ولا يقطع بالاحتمال مراد القائل، ولم يُذْكَر خلافٌ بين الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة.

    ثم إن أبا مسلم رحمه الله الذي نسب صاحب المقالة هذا القول إليه هل يعتبر قوله بحيث نعُدّه خلافًا في المذهب؟ فبعضنا يقول: إن النسخ لا خِلافَ فيه بين أهل السنة، وإنما هو خلاف نشأ مِن الاعتزال، ولكن لم يظهر لي وجه هذا القول أيضًا، فإن النسخ ليس من مواد الخلاف بين السُّنِّيِّ والمعتزلِيّ فيما أعلم، والله أعلم. وذكر ابن أمير الحاج في شرح التحرير خلافًا في نسبة هذا القول إلى أبي مسلم حيثُ قال: حكى الرازي والآمدي وابن الحاجب إنكاره وقوع النسخ مطلقًا، وقيل: لم ينكر وقوعه، وإنما سمّاه تخصيصًا، فعلى هذا يصير النزاع لفظيًّا، والله أعلم. والمأمول من الأستاذ تفصيل هذه المسألة وتحقيقها كما وعد في ذيل تلك المقالة، وكما تفضل بالأجوبة الشافية في المسائل السابقة[1].

    لا أتذكر أنني رأيت في الحديث ذكر النسخ، والأصل عندهم في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106][2]، والآية في اللغة: العلامة والعبرة. وقالوا: قد سميت الطائفة المخصوصة من القرآن آية لأنها علامة دالة على الحق. والنسخ في أصل اللغة: نقل كتاب عن كتاب. وجعل الزمخشري في الأساس قولهم: نسخت الشمس الظل من المجاز، والمعنى في كل منهما التحويل، إلا أن الأول تحويل لمثل الشيء، والثاني تحويل لعينه. وورد اللفظ بمعنى الإزالة والتغيير كقولهم نسخ الشيب الشباب، ونسخت الريح آثار الديار. وقد ورد ذكر النسخ في كلام السَّلَف وأئمة الفقه، واصطلح علماء الأصول على تعريفه المشهور، وهذا في كلام السلف أعمّ من ذلك، فالنسخ في الجملة متفق عليه، ولكن وقع الخلاف في تفسيره وفي جزئياته، والآية ليست نصًّا في قول أحد من المختلفين ولا حديث يحتج به في تفسير ولا في نسخ شيء من القرآن، وإنما مدار البحث والاجتهاد فيها على تعارض النصوص والمروي من الآثار وفيه جرت المناظرة بين الدكتور محمد توفيق أفندي صدقي والشيخ صالح اليافعي، فعندما تنتهي المناظرة يكون لنا كلمة أخيرة في المسألة، وقد كنا بدأنا بكتابة مفصلة، ثم جاءنا الرد الآتي من الدكتور صدقي، فأمسكنا عن إتمام ما شرعنا فيه.

    [1] ج11 (1908) ص584.
    [2] وردت على أنها الآية 100 في المنار.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 264 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة